أرامل في البصرة يجدن الحل في جمعية خيرية تؤمن لهن مورد الرزق

عراقية تتحدى العادات الاجتماعية وتؤسس جمعية أهلية توظف العشرات من الأرامل والمطلقات في البصرة.
الجمعة 2018/10/26
تشكيل مستقبل أفضل

البصرة (العراق) – كان من الصعب جدا على العراقية رقية محمد عبدالله التي تعيش في منطقة أبوالخصيب بالبصرة أن تتحدى العادات الاجتماعية وتبدأ عملا خاصا بها لا سيما وأنها أُم لأربعة أبناء ومتزوجة منذ كان عمرها 14 عاما.

وواجهت رقية مثل الألوف من النساء في بلدها رفض عائلتها التحاقها بالجامعة والعمل، لكن بروحها المثابرة والدعم الاستثنائي الذي لاقته من طرف زوجها تدير رقية (39 عاما) حاليا جمعية أهلية توظف العشرات من الأرامل والمطلقات في البصرة.

 

تواجه العديد من النساء العراقيات اليوم ظروفا معيشية قاسية، وبجانب الفقر وفقدان الكثير من الأسر لمعيليها تعاني الأرامل من ضغط عائلي ومجتمعي بسبب رفض خروجهن للعمل، الأمر الذي يدفعهن إلى العيش تحت الخصاصة والإهانة من الأقارب الذين يعيلونهن، وتزداد معاناتهن إذا كان لديهن أبناء يتامى، وهو ما جعل بادرة فردية تأسست من خلالها جمعية تساعدهن في الحصول على عمل تلاقي ترحيبا واسعا من قبل المستفيدات منها.

وقالت رقية محمد عبدالله مديرة جمعية السرور للمرأة والطفل “أنا من عائلة ريفية ومنطقة يغلب عليها الطابع العشائري والطابع العرقي والديني. كان أمرا بالغ الصعوبة أن أدرس وأتمكن من الحصول على شهادة التخرج ثم أن أخرج للعمل وأن أجد وظيفة. واجهت الكثير من المشاكل مع الأهل ومع العائلة كلها ليس فقط مع أفراد عائلتي الصغيرة. جل أفراد العائلة الموسعة كانوا يرفضون ذلك، وهو ما جعل الأمر بالنسبة إلي أشبه بالتحدي، فأنا أرغب في أن أكون امرأة قيادية، وفردا فاعلا وقويا في المجتمع، ويكون لي دور في المجتمع، ويرجع الفضل في ما حققته إلى مساندة زوجي لي”.

وبدأت رقية مشروعا صغيرا للتوظيف في عام 2016 حيث وظفت 15 امرأة يصنعن حلوى من التمور، ومن خلال مخاطباتها لمنظمات دولية تمكنت من توسيع نطاق مشروعها في عام 2017، حيث أسست جمعية السرور للمرأة والطفل لتوظف 70 امرأة موزعات على ثلاثة مشاريع.

ونجحت رقية في الحصول على فرصة تدريب في واشنطن في إطار برنامج القيادة التطوعية في نفس العام. وتدير منظمة رقية غير الحكومية ثلاثة مشاريع، خطين لإنتاج مواد غذائية وورشة مختصة في الخياطة.

وتعتبر رقية أن العادات والتقاليد تجبر النساء في مجتمعها على العيش في وضع مهين يتعرضن فيه للعنف المنزلي. ويدفع الفقر أو فقدان المعيلين الرجال أو الطلاق نساء كثيرات منهن إلى التسول في الشوارع.

وتؤمن رقية بأن الحل الوحيد لهذه المعضلة ولتتخلص المرأة من التبعية ومن الإهانة هو تمكين المرأة اقتصاديا.

وقالت موضحة موقفها إن “المرأة تضرب وتعنف في مناطقنا، وينظر إلى ذلك على أنه أمر عادي، أي أن يعنفها أبوها، أو أخوها، أو زوجها، فهي مسألة مقبولة اجتماعيا وتصرف عادي في أسرنا. كما يفترض أن تلتزم المرأة في مقابل تعنيفها وإهانتها الصمت. المهم أن تستمر في العيش تحت ظل الرجل الذي يعيلها، ولا يجب أن تظهر قوتها ولا أن تحاول مواجهة هذه المشكلة ولكي لا تثبت أن لها دورها في المجتمع”.

وتؤكد رقية أن بناء شخصية المرأة والتأسيس لدورها في المجتمع والاقتصاد بنظرها يأتيان في صلب الحفاظ على القيم والمبادئ والديمقراطية والحرية، وذلك أحد أهم الوجوه لبناء مجتمع قوي.

ولا توجد إحصاءات حديثة عن عدد الأرامل في العراق، لكن التقديرات تشير إلى أن عددهن نحو مليون امرأة. وذكرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر عام 2011 أن هناك أكثر من مليون امرأة معيلات لأسرهن في العراق.

وتعاني الكثير من الأرامل بسبب واقع حياتهن الجديدة، ويكافحن لتربية أطفالهن وحدهن بمال قليل أو بدعم عائلي.

العادات تجبر النساء على العيش في وضع مهين يتعرضن فيه للعنف المنزلي، ويدفع الفقر كثيرات إلى التسول

وتشمل خطة رقية المستقبلية إشراك المرأة في الأنشطة الزراعية عن طريق إنشاء مزرعة تديرها وحدها، وتقول في هذا الخصوص “أنا والجمعية نقدم المساعدة ونقدم خدمة للنساء وللمجتمع ولا نعمل على إلحاق الضرر بهما، بل بالعكس نحمل أفكارا ومشاريع كثيرة مفيدة للجميع”. وتشير رقية إلى أن الجمعية تحفز المرأة على إتقان الزراعة وأعمالها لأن طموحاتها في السنوات المقبلة ترمي إلى إقامة مشاريع زراعية للنساء والدراسات جارية لذلك.

 ومن الممكن أن يقوم المشروع على اقتناء الجمعية لقطعة أرض كبيرة يكون بها زرع ومناحل مثلا وتشرف على العمل فيها وإدارتها كلها المرأة، وتتمكن بذلك من الاستفادة من إنتاجها وتحويله إلى صناعات غذائية مثل الخل والدبس، وهذا ما تتمحور حوله دراسات المشروع التي تنوي رقية تقديمها إلى منظمات دولية للحصول على الموارد والمساعدات اللازمة.

وإلى جانب توفير فرص عمل للنساء أطلقت رقية، بمساعدة منظمة الهجرة الدولية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي وبعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق في البصرة، العديد من البرامج لإعادة تأهيل النساء نفسيا وجسديا وتحسين مهاراتهن المهنية.

وتعبر أرامل عاملات بمشاريع رقية عن سعادتهن بفرص العمل التي أُتيحت لهن، ومن بينهن أسيل عبدالهادي التي صرحت “زوجي متوف، كنت أعيش مع أهلي لكنني واجهت صعوبات كثيرة بسبب ذلك وشعرت بالظلم، لذلك بدا لي من الضروري أن أجد حلا وأعتمد على نفسي لإعالة ابنتي البالغة من العمر ست سنوات، خصوصا وأنها مريضة وتحتاج إلى العناية ويتطلب علاجها المال، لذلك لم أتردد عندما أتيحت لي فرصة هذا العمل الذي ساعدني على تأمين مورد رزق لي ولابنتي”.

وأضافت أرملة أخرى تدعى شيماء عبدالإمام “أنا عندي أربعة أطفال وراتب التقاعد لا يكفي حاجاتنا الأساسية وأنا بمفردي عجزت عن تأمين حياتي وحاجيات أبنائي، لأني أرملة ومعيلة لأبناء أربعة بتّ مسؤولة عنهم وعن تعليمهم وعن توفير ما يلزمهم، لذلك أحاول تلبية رغباتهم وطلباتهم”.

وقبل احتلال العراق كانت الأرامل يتمتعن بامتيازات من بينها الحصول على مساعدة شهرية، وتمنح لهن أرض وسيارة وهو ما يرضي كثيرات منهن، كما كانت هناك مكافآت لأفراد الجيش الذين يتزوجون من أرامل.

وصدر في العام 2009 قانون جديد لمساعدة ضحايا الحرب وأقاربهم، وبدأت لجنة تعويضات تابعة للدولة عملها في مساعدة المتضررين من هجمات المتشددين في عام 2011.

لكن العراقيات ومن بينهن الأرامل يقلن إن عملية التسجيل للحصول على معاشات حكومية عبارة عن كابوس بيروقراطي بسبب استشراء الفساد وعدم جدية العاملين الذين يطلبون رشاوى لاستكمال الأوراق المطلوبة.

21