أرباب بلا ملائكة ولا شياطين

نحن أمام عالم من القيم يبدأ من المهن ليسبك المجتمع كله. لكن أيامنا هذه أيام تمرد على تلك التقاليد المهنية. وهو ما يجعل الدلال زعيما سياسيا.. والمعلّم سائق سيارة أجرة.
الجمعة 2018/10/12
نساج في دمشق (صورة خاصة بالكاتب)

في عالم المهن تقاليد فاتنة. حين تتأمل فيها وترصدها. تعيد من جديد من خلالها إدراك ما تعنيه العادات والتقاليد لمن عرفهم التاريخ بـ”أرباب المهن”. وأيضا تريك كيف جرى، باسم الحداثة، الاعتداء على التقاليد وكسرها لكن دون ترسيخ تقاليد أخرى بديلة.

وقد قرأت مرة أن الخطأ المهني كان هو الأساس في خلق تلك التقاليد لترسيخ المسؤولية المهنية. فالقصة ليست مجرد إنتاج كمي. ويخلط كثيرون في عصرنا هذا ما بين المهنة والحرفة. فالمهنة تعني شيئا آخر غير ما ينفذه المرء بيديه. إنها العمل الذي يؤمن الإنسان أنه قادر على إدارته. وهي نشاط راقٍ يتطلب نوعا من القدرات الفنية التي يستوجب إعدادها متابعات وخبرات ودراسات وملكات خاصة.

يثير حديث المهنة شجونا عن مهنة الصحافة وارتباطها بالإعلان، ولا سيما في ظل تدهور الصحافة اللبنانية وإغلاق الصحف لأسباب اقتصادية، أو حتى الخبر الذي نشر قبل ساعات ويقول إن البيت الأبيض ينظر في مسألة توقف محطة “فوكس نيوز” عن إذاعة كامل خطابات الرئيس الأميركي دونالد ترامب. أما السبب فهو أن الجماعة في “فوكس نيوز” يخسرون الأموال بسبب عدم بث دعايات خلال خطاباته. لأن الشركات لا تريد وضع إعلانات على خطابات غير مهمة للشعب. ولو أعطي الخبر لخبازه في الشأنين؛ السياسي والصحافي، لما نتج وضع كهذا بالطبع.

ومؤخرا تولّعتُ بصفحات قاموس مهني حرفي للمجتمع الأندلسي، وضعته باحثة من البصرة اسمها قسطاس حميد، فرأيت فيه خارطة سكانية مدهشة تعكس بنية المجتمع وثقافته وطبقاته وأثرياءه وفقراءه وحكامه. لأنك ستصل من خلال معرفة رجل بسيط كان صبّاغا يصنع الأصبغة والدهانات، إلى ولده الذي سينجبه وسيكون اسمه لاحقا “ابن الصباغ” وسيصبح شاعرا شهيرا ما زالت قصائده تتردد في زمننا. كان من أجمل ما قاله “سلامٌ على رمل الحمى عدد الرملِ/ وقَلّ له التسليم من شيّقٍ مثلي/ يذكرني شجو الحمام وشدوه/ حميداتِ أوقاتٍ تولينَ بالوصلِ/ متى تسمح الأيام في العصر مرة/ بإنجاز وعدٍ لا يكدّر بالمطلِ”.

تقول تقاليد المهن في ذلك الزمن “أما الحدادون فلا يضربون سكينا ولا مقراضا وما أشبه ذلك، ويبيعونه إلى الناس على أنه فولاذ. فإن ذلك تدليس”. حتى أن تلك التقاليد شملت الدلالين الذين ينادون على البضائع، فهم “يجب أن يكونوا من الثقات، وأهل الخبرة والأمانة والصدق في النداء. لأنهم يتسلمون بضائع الناس، ويقلدونهم الأمانة في البيع، فلا ينبغي لأحد منهم أن يزيد في السلعة من نفسه، ولا يشتريها لنفسه”.

نحن، إذن، أمام عالم من القيم يبدأ من المهن ليسبك المجتمع كله. لكن أيامنا هذه أيام تمرد على تلك التقاليد المهنية. وهو ما يجعل الدلال زعيما سياسيا والطباخ قائدا للجيوش والمعلّم سائق سيارة أجرة. فلا عجب أن دمّر التطرف الديني والتشرذم والغزو الخارجي ذلك المجتمع الأنيق في الأندلس الذي لم يكن يسمح لأرباب المهن العزّل من كل سلاح بارتكاب أي خطأ مهني مهما كان صغيرا. فكل شيء مهما صغر، إن تساهلت فيه، سيكون له ثمن باهظ.

24