أربعة مصورين في البحرين يلتقطون للهند صورا متغيرة

الجمعة 2014/09/19
المعرض هو فوتوغرافيا تبرز الهند المتنوع شعوبا وثقافات

المنامة - احتضنت “المنامة.. مدينة السياحة الآسيوية 2014” البلاد السمراء “الهند” عبر مجموعة فنية سجلتها واحتفظت بها الفوتوغرافيا، من خلال معرض “الهند عبر العدسة”. إذ افتتح الثلاثاء 16 سبتمبر الجاري المعرض الفوتوغرافي الذي قدم قراءة متمعنة في بلاد الهند، مما التقطه لها أربعة من الفوتوغرافيين من الهند وخارجها.

يستعرض المعرض أعمال تي.إس. ساتيان (1923/ 2009) وجيوتي بات (من مواليد 1934)، وهما مصوران من الهند يأتيان من عالم التصوير الوثائقي، وأعمال كارين كنور (من مواليد 1954) وميمونة غيريسي (من مواليد 1951). وهما فنانتان معاصرتان ليستا من الهند تعملان في مجال تعديل وإنشاء الصور.

ومن منطلق اعتبار التصوير الفوتوغرافي وثيقة صادقة تسجل وتحفظ للأجيال القادمة ما قد كان وحدث، كانت عقلية ونهج كل من ساتيان وبات بارزين في صورهما التي تتميز باللونين الأبيض والأسود، والتي التقطاها على فيلم 35 مليمترا لـ”الإنسان العادي” والحياة اليومية في المناطق الحضرية أو الريفية في الهند بعد قيامها كدولة مستقلة.

بالمقارنة مع ذلك، تستثمر وتوظف كنور وغيريسي مختلف تقنيات تعديل الصور والكولاج وإنشاء أو ترتيب الصور بطريقة متعمدة كوسيلة للتعليق على مواضيع متعددة، حيث نجد في صور كنور أنه قد تم إدخال الحيوانات بشكل رقمي في مساحات داخلية لا يحضر فيها في الواقع، أما في أعمال غيريسي فنرى تصورات معدلة إلى حدّ كبير للجسم عبر استخدام الأزياء والتركيب.

تجاور أعمال هؤلاء الفنانين لا يبرز فقط التحول في نظرية وممارسة التصوير من منظوره الواسع على مدى أكثر من قرن من الزمن فحسب، وإنما تقدم الأعمال مجتمعة صورة عن دولة الهند وهي في طور التحوّل والتغيّر.

حيث تمعن صور ساتيان وبات في حالة القلق التي كانت سائدة في مرحلة ما بعد الاستعمار، وفي بحثها عن صورة وطنية لذاتها مشكَّلة إلى حدّ كبير من مجموعة جامدة وصارمة من الأفكار “التقليدية”، بينما تظهر أعمال كنور وغيريسي إعادة الترتيب المستمرة للهويات والعلامات الثقافية في عالم ما بعد الحداثة والعالمية. ويجوب جيوتي بات منذ منتصف ستينات القرن العشرين أرجاء الهند، مصورا أثناء جولاته مختلف أشكال الفن الشعبي الأصيل لسكان الريف، وهو فن لطالما كان يخشى عليه من اكتساح تيار الحداثة والتصنيع العارم فيمحوه تماما من الوجود.

يبرز بات العلاقة الوثيقة التي تربط تلك الأشكال الفنية للمجتمعات التقليدية بالحس الإنساني. وهو يتجنب تشييء أو افتعال العواطف، كما أن الأشخاص الذين يصورهم مدركين تماما لعدسته، ونادرا ما تلتقط لهم الصور على حين غرة.

أعمال الفنانين الأربعة مجتمعة صور عن دولة الهند وهي في طور التحول والتغير على مدى أكثر من قرن من الزمن

تمثل صوره فصلا مهما في تاريخ التصوير بالهند، فهي وثائق ومواد مصدرية، بل وأعمال فنية قائمة في حدّ ذاتها. وهي تبلور الحس والإبداع الفنّي الذي يمتاز به بات، إضافة إلى فهمه الفريد للثقافات التقليدية.

تقع هذه الأعمال في المقام الأول ضمن فئة التصوير الوثائقي التقليدي، والذي تعتبر فيه الفهرسة والتفصيل والدقة البصرية أمورا جوهرية بالنسبة إلى مصداقية هذه الوسيلة وقدرتها على تجسيد الواقع.

أما كارين كنور فقد طورت على مدى العقود الثلاثة الماضية حوارا نقديا مع التصوير الوثائقي باستخدام مجموعة من الاستراتيجيات البصرية والنصية، حيث تكشف أعمالها بشكل مبدع ومرح عن مفارقات تغاضت عنها السياقات الثقافيّة التي اختارتها، وعلى الأخص استخدامها للنصوص التي تذيل صورها بهدف إضافة طبقات ومعان جديدة عليها، قد تكون مرحة أو غير ذلك، عند مشاهدة أعمالها.

سلسلتها التي تحمل عنوان “أغنية الهند” (2008- الوقت الحاضر) عبارة عن مجموعة من الصور التي صيغت بعناية في محاولة لاستكشاف طبيعة التراث والموروث الاستعماري وأخلاقيات الاستيلاء الثقافي والفروقات بين الجنسين وذلك من خلال وضعها في سياق هندي معاصر تقوم فيه بإدخال حيوانات أسطورية وحكايات شعبية محلية في مساحات معمارية تقليدية، مستجوبة بذلك العلاقة بين ماضي الهند وحاضرها، وبين ثقافات راجبوت النخبوية و”الآخر”.

في حين تركز أعمال ميمونة غيريسي في مجملها على تقارب الأفراد في سياق مشترك للبشرية عابر للحدود، سواء كان ذلك نفسيا أو ثقافيّا أو سياسيا. أعمالها التي تركز على الهند هي امتداد لاستكشاف “الجسم الصوفي”، وخوض معمق في تحقيقاتها حول التهجين الثقافي والتوفيق بين المعتقدات الدينية. فمن خلال استخدامها لأيقونات مرتبطة بديانات مختلفة -مثل العمائم التي يرتديها السيخ، والمآذن الإسلامية، والنقطة التي يضعها الهندوس على جبهاتهم- والتي قد تستخدمها معا في نفس الصورة أحيانا، تؤكد التدفق الثقافي التي تعمل تلك الرموز ضمنه في بلد تتنوع فيه الشعوب.

طبيعة صور غيريسي السريالية التي تقوم بإنشائها وترتيبها تعبر عن واقع موضوعاتها بطرق استقرائية وتدبرية وغامضة. وهي تؤدي دورها ليس كوثائق واقعية، وإنما كروايات تفسيرية للحقيقة.

أما تي. إس. ساتيان فصوّر عبر مسيرته التي تمتدّ عبر خمسة عقود رؤساء ووزراء وغيرهم من كبار ساسة الدولة، كما صوّر الأغنياء والمشاهير، وأرّخ بعدسته بعض أهم اللحظات والشخوص في تاريخ الهند.

ومع ذلك، فإن الصور التي التقطها للإنسان العادي مجهول الهوية سواء من الرجال أو النساء أو الأطفال هي التي تعتبر أساس رؤيته الإنسانية، وهي التي تشكل معظم أرشيفه الفوتوغرافي وحصيلة أعماله. وهذه “التدخلات الحميمة” -على حدّ قوله- تعبر عن علاقته التعاطفية الطويلة مع شعب الهند.

17