أربعة معطيات حول الحرب على الإرهاب

الاثنين 2014/10/06

في غمرة الضباب الذي يلفّ الواقع ويحجب الرؤية ويثير الشك حول أدوار البعض ومواقف الكثيرين، هناك معطى أولي هام: هذه هي المرة الأولى التي تُخاض فيها حرب فعلية على ما يسمى بالإرهاب العالمي.

في السنوات الماضية، وتحديدا منذ فترة بوش الابن الذي أطلق شعار الحرب على الإرهاب، لم تقع أي حرب فعلية على الإرهاب، كان البحث عن أسامة بن لادن مجرد مناورة من طرف جوقة المحافظين الجدد لأجل تدمير العراق الذي لم يكن وقتها العنوان الصحيح للقضاء على الإرهاب وتجفيف منابع التطرّف الديني، كان الأمر مجرد تطبيق لمشروع وليام كريسطول ولورانس كابلان في كتابهما المشترك “طريقنا يبدأ من بغداد”. وكانت أفغانستان مجرّد منعطف اضطراري قبل الذهاب إلى بغداد، حيث بداية الطريق. إلى أين؟ كانت الحرب على العراق نقطة البداية ونقطة النهاية في نفس الآن، وكانت تعني أي شيء إلا أن تكون حربا على الإرهاب. وهذا ما ساهم في تغول الإرهاب العالمي.

هذه المرة، في غمار الضربات الجوية التي تشنها قوات التحالف الدولي على الجماعات الإرهابية داخل الأراضي العراقية والسورية، هناك معطى ثان: ستكون هذه الحرب واسعة المدى وطويلة الأمد، ستكون حرب سنوات طويلة، نصف قرن أو يزيد، عشرات السنين على الأرجح. في كل الأحوال، لقد استغرقت الحرب الباردة نصف قرن، ولم تكن المواجهة ضد الأيديولوجية الشيوعية سهلة، لكن رغم ذلك كان الأمر يتعلق بصراع ضد أيديولوجية بقيت ضمن النطاق النخبوي ولم تترسّخ في وجدان الشعوب. نعم، حاولت تلك الأيديولوجية النخبوية أن تأخذ مكان الدين في بعض الأحيان، غير أنها لم تفلح في ذلك، كما أنها لم تفلح في الارتباط بأي معتقد ديني راسخ في أذهان الشعوب، بل كثيرا ما استُعمِلت معتقدات الشعوب كسلاح فتاك في مناهضة الأيديولوجية الشيوعية، وهو الأمر الذي استثمرته الإدارة الأميركية منذ عهد جيمي كارتر. أما اليوم، فالحرب التي يخوضها “العالم الحرّ” هي حرب ضد أيديولوجية وجدت لنفسها تربة خصبة في حقل العقيدة الدينية الراسخة في وجدان الشعوب الإسلامية، ما يجعل المواجهة مع أيديولوجية التطرف الديني ليست من السهولة بمكان.

في هذه “الحرب العالمية” على “الإرهاب العالمي”، هناك معطى ثالث؛ حيث أن جبهات الحرب لن تقتصر على المواجهة العسكرية، لكن سيكون فيصلها الحاسم على جبهة إصلاح العقول والأفكار، وهذا هو الشق الأساس من الحرب والذي لا يمكن أن يخوضه أيّ طرف بدلا عن المسلمين أنفسهم، وبدلا عن المسلمين المتنورين الذين ظلوا الغائب الأكبر عن كل الرهانات الغربية إلى حد الساعة، تلك الرهانات التي استعملت “الجهاديين” أول الأمر ضد الشيوعية، ثم حاولت استعمال “الوسطيين” بعد ذلك ضدّ “الجهاديين”، في صفقة خاسرة بكل المقاييس. جبهات الحرب هذه المرة ستشمل المستويات الفكرية والمؤسساتية: مناهج التعليم في العالم الإسلامي، الخطاب الديني السائد في كل المحافل، خطب الجمعة في المساجد، برامج الإعلام والفضائيات، شبكات العمل الخيري، دينامية المجتمع المدني، الفنون الجميلة، حقوق المرأة والأقليات. أو هذا هو المطلوب.

في ما سبق، لم تكن حروب المحافظين الجدد حروبا على الإرهاب بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، بل كانت حروبا لأجل تدمير دول المنطقة وإشاعة بـ”الفوضى الخلاقة”، ثم إعادة تشكيل الشرق الأوسط على أساس طائفي يتناغم مع الطابع الطائفي الذي يبتغيه اليمين اليهودي لدولة إسرائيل. وليس مستغربا أن يكون كبار المحافظين الجدد ناشطين ضمن اليمين اليهودي. ثم لاحظنا كيف انتهت حروب المحافظين الجدد إلى تغوّل الإرهاب العالمي بدل القضاء عليه. وإذن، يبدو أنّ هذه الحرب ستكون حربا لتصحيح حروب المحافظين الجدد، ستكون حربا لأجل حماية وحدة الدول والأوطان، أو هذا هو المأمول، ولعله المعطى الرابع الذي قصدنا توضيحه.


كاتب مغربي

9