أربعون عاما على الحرب الأهلية اللبنانية.. هل انتهت دواعي النزاع

الثلاثاء 2015/04/14
الظاهرة الميلشياوية التي كانت سببا في اندلاع الحرب الأهلية تستمر اليوم بمذاق طائفي ومذهبي

بيروت – مازالت ذكرى الحرب الأهلية اللبنانية، بعد مرور أربعين عاما على اندلاعها، تخيم على أجواء البلد الذي يشهد في الآونة الأخيرة أزمة سياسية تجعل الأمور مفتوحة على كل الاحتمالات.

ذكرى أليمة مافتئت تراوح مكانها في ذهني الكاتبين السياسيين اللبنانيين إيلي الحاج ولقمان سليم، ولئن يراها الأول بمثابة ضمانة لعدم تكرر ذلك السيناريو الدموي، يراها الثاني تحافظ على مسبباتها الأولى وتنبئ بإمكانية اندلاع الصراع مرة أخرى.

مرّت أربعون سنة، أمس الإثنين الـ13 من أبريل، على اندلاع شرارة الحرب الأهلية اللبنانية سنة 1975، عندما انفجرت الخلافات حول التركيبة الطائفية للنظام السياسي في البلاد، وكذلك بشأن القضية الفلسطينية، بين معسكري اليسار اللبناني تحت اسم “الحركة الوطنية” وغالبيته المسلمة وبزعامة الزعيم الدرزي الاشتراكي كمال جنبلاط، المتحالف مع منظمة التحرير الفلسطينية، من جهة، واليمين اللبناني وغالبيته المسيحية تحت اسم “الجبهة اللبنانية” وعلى رأسه حزب الكتائب بقيادة بيار الجميل ونجله بشير الجميل من جهة أخرى.

وبعد جولات ومجازر متبادلة تحوّلت معها البلاد إلى ساحة لصراعات إقليمية وعربية ودولية، انتهت الحرب بعد اتفاق الطائف بين الفرقاء الذي رعته السعودية بشكل مباشر، وجاء باتفاق دولي وإقليمي أنهى الحرب.

لكن ومع تفاقم الأزمة السياسية التي يشهدها لبنان خلال الأشهر، جراء تواصل شغور منصب رئيس الجمهورية، بالإضافة إلى تنامي الدور الإيراني في البلاد من خلال ذراعه الطولى “حزب الله”، الذي تسبب إقحامه لبنان في الأزمة السورية التي لا ناقة له فيها ولا جمل، في تأجيج المشاعر الطائفية من جديد، بالإضافة إلى سياساته الانتقائية التي تميّز بين المواطنين على أساس المذهب والطائفة تطبيقا لأجندة طهران التوسعية على حساب مصلحة اللبنانيين. الأمر الذي ينبئ بأن لبنان مازال ينام على عوامل نزاع قد تنفجر في أي لحظة، مما يوحي بإمكانية العودة إلى مستنقع الاقتتال مرة أخرى.

إقحام "حزب الله" لبنان في الأزمـة السورية التي لا ناقة له فيها ولا جمل يؤجج النعرات الطائفية

ذكرى أليمة اعتبر منها اللبنانيون

يستحضر الكاتب السياسي اللبناني، إيلي الحاج، مع حلول الذكرى الأربعين لاندلاع الحرب الأهلية، ما يحمله من ذكريات مطبوعة في ذهنه بشأن “الغيوم الأولى” التي كانت تتلبّد لتمطر حربا، لافتا إلى عبثيتها والدور الخارجي فيها، وتحديدا الذي لعبه نظام حافظ الأسد، مستبعدا أن يعيد اللبنانيون مثل تلك التجربة التي مازالت مرارتها عالقة في حلوقهم.

وقال الحاج، الذي كان يبلغ 15 عاما عند اندلاع الحرب، إنّه “من بين أكثر المشاهد التي ظلّت ملتصقة بذاكرته من مرحلة ما قبل الحرب، مشهد عرض عسكري قامت به ‘ميليشيا حزب الكتائب اللبنانية’ سنة 1974، حيث كان منزل أهله في شارع الجميزة (ليس بعيدا عن وسط بيروت) وكانت صفوف رجال الميليشيا بثيابهم الزيتية تتدفق من ساحة البرج، أي ساحة الشهداء الآن”.

وأضاف “كانت الحشود ما زالت تتوالى بعدما ملؤوا المكان صفوفا متتالية منتظمة، ولم تكن هناك حرب بعد”، معتبرا أنه “كانت من بين أكبر الأخطاء التي ارتكبتها القوى الحزبية الفلسطينية وقوى الحركة الوطنية أو اليسار آنذاك، أنّهم استخفوا باستعدادات الفريق الآخر المسيحي اليميني لخوض معركة”.

ورأى الحاج، الذي كان يعيش في منطقة ذات غالبية مسيحية بالقرب من المقر الرئيسي لحزب الكتائب في منطقة الصيفي وسط بيروت، أنه “لو أن زعيم اليسار والحركة الوطنية آنذاك كمال جنبلاط قرّر أن يصبر ولا يستعجل الأمر، لربما كان اليسار فاز في لبنان بصفة سلمية، لأنّ تلك المرحلة كانت تتسم بميل الشباب إلى الفكر اليساري، وكان ذلك يظهر في الجامعات والانتخابات، خاصّة الشباب المسيحي الذي كانت نخبه تتجه إلى اليسار تلقائيا. لكنّ استعجال إسقاط النظام اللبناني جعل الناس يلتفون غريزيا وطائفيا”.

إيلي الحاج: "اللبنانيون استقوا العبرة من الماضي وجل الطوائف والأحزاب ليست لها مصلحة أن تخوض حربا جديدة"

وشدد الكاتب السياسي اللبناني على أنّ “القرار القاضي بعزل حزب الكتائب، من قبل الحركة الوطنية، ومقاطعته سياسيا بصفته حزبا خائنا للقضية الفلسطينية لأنّه كان يرفض تنفيذ عمليات للفدائيين ضدّ إسرائيل انطلاقا من جنوب لبنان، جعل من هذا الحزب بطلا في نظر طائفته”، وأضاف قائلا “من ثمّة اندلعت الحرب بشدة وبأساليب القرون الماضية وتحت شعار ‘اضرب عدوك واوجعه’، وبطبيعة الحال كان الطرف الآخر يرد بالوسيلة نفسها، فرأينا دمار لبنان المهول”.

وساق الحاج مثالا على هول الحرب وما خلفته من ضحايا، (التقديرات تتراوح بين 100 و200 ألف قتيل)، قائلا “كنت في الصف الثالث متوسط (الثامن) وكنا 20 تلميذا في مدرسة رسمية، وعندما انتهت الحرب كان بقي منا فقط 10 أحياء والبقية ماتوا في الحرب. يعني نصفنا أحياء ونصفنا موتى”.

ويتذكر الحاج يوم 13 أبريل 1975، حيث شكل الكمين الذي نصبه مسلحو حزب الكتائب لحافلة تقلّ لاجئين فلسطينيين كانوا يمرون في منطقة عين الرمانة المسيحية بالقرب من خطوط التماس ما أدّى إلى مقتلهم، شرارة الحرب.

ويقول “كان يوم أحد، وقد جاء لزيارتنا في منزلنا، صديق لوالدي ذو ميول يسارية، وسمعته يقول لوالدي: هل علمت أنّ هؤلاء الملاعين الكتائب فتحوا النار على حافلة ركاب في منطقة عين الرمانة وقتل عدد كبير منهم، الله يستر”.

وأضاف “انطبعت تلك الكلمات في ذهني، واعتقدنا أنّ الأمر كان حادثا عابرا وكانت الإذاعة اللبنانية الرسمية تبث في نشراتها أخبارا عن صحة الرئيس سليمان فرنجية، الذي كان أجرى عملية جراحية حينها من دون أن تأتي على ذكر ما يجري في البلاد”.

ووصف مشهد التعبئة الطائفية في منطقته بعد خطاب ألقاه جنبلاط توعّد فيه بهزيمة المسيحيين، حيث قال:”الناس كلّهم رأيتهم بعيني يحملون ما تيسر لديهم من سلاح (حتى أسلحة الصيد والسكاكين) وينزلون إلى الشوارع لتقديم القهوة والطعام إلى المقاتلين التابعين لهم”.

ولفت إلى أنّه “بعد ذلك تطورت الأمور إلى ما كنّا نسميها بجولات، وبين كلّ جولة وأخرى كان الناس يعتقدون أنّ الحرب انتهت، وللأسف تبين بسرعة أنّها حرب دولية وإقليمية كبيرة”.

مكونات النزاع تزداد حدة، وخير دليل على ازديادها هو أن الحياة السياسية في لبنان تكاد تكون في الدرجة صفر

ووصف الحاج يوم دخول الجيش السوري إلى لبنان في العام 1976 كقوة فصل بين المتحاربين بأنّه “يوم حزين”، وشدد على أنّ رفض دخول تلك القوات إلى البلاد ووضع يد النظام السوري بقيادة حافظ الأسد آنذاك على لبنان “كانت بالتحديد النقطة التي شكلت التقاء بين كمال جنبلاط وبشير الجميل، لكن سرعان ما اُغتيل جنبلاط الّذي تبين فيما بعد أنه قتل على أيدي مخابرات حزب البعث السوري”.

وشدد على أنّ “هناك إجماعا الآن تقريبا على أنّ كل المحطات التي مرّت بها الحرب اللبنانية كانت محطات يمكن أن تتوقف فيها الحرب، لكن النظام السوري كان يتجاوزها ويعمل على إدامة الحرب إلى أن تتوفر له الفرصة ليسيطر بالكامل على لبنان، ولم يحصل ذلك إلّا سنة 1990″.

وعلى الرغم من ذلك، شدد الحاج على أنّ لبنان بعيد اليوم عن نشوب حرب أهلية جديدة، حيث قال “أؤكّد تماما أنه ليس هناك من قرار دولي يقضي بأن تندلع حرب في لبنان.

فحرب 1975 كانت قد اندلعت بقرار دولي وإقليمي لإغراق منظمة التحرير الفلسطينية من جهة والتخلص من نموذج لبناني ثقيل ومزعج للأنظمة الموجودة في المنطقة خاصة في إسرائيل وسوريا، وربما كان هناك من يريد إعطاء الفلسطينيين دويلة داخل لبنان يستقلون فيها ويحكمونها ظنّا منهم أنّ ذلك سيشكل حلا للقضية الفلسطينية”.

وتابع “ليس هناك الآن من قرار دولي لإشعال الحرب أو تمويلها”، موضحا أنّ “الأهم من كل ذلك أنّ اللبنانيين أنفسهم استقوا العبرة من الماضي. وحتى الطائفة الشيعية، التي تتهم غالبيتها وليس كلها بأنها لم تتعلم من دروس الحرب اللبنانية، تحاذر بكل الوسائل من دخول الحرب”.

ورأى أن قيادة “حزب الله”، التي تسيطر على المشهد الشيعي في البلاد، تعرف أنه في اللحظة التي يندفع فيها الحزب إلى حرب أهلية ستكون نهايته، لأنّ لبنان لا يمكن أن تحكمه فئة عسكرية. كما أنّ جلّ الفصائل الأخرى ستجتمع وتمنع ذلك وتقاتلهم إلى آخر رجل، والتاريخ يثبت ذلك”، مشددا على أنّ “أيا من طوائف لبنان وأحزابه ليس لها من مصلحة أن تخوض حربا جديدة، وهم جميعا يتفادونها ولا يضعونها في حساباتهم”.

مرارة الحرب الأهلية مازالت عالقة في حلوق اللبنانيين

العودة إلى الصراع واردة

الكاتب السياسي، لقمان سليم، وهو شاهد آخر على تلك الحقبة السوداء في تاريخ لبنان، يشترك مع نظرة إيلي الحاج للأحداث لكنّه يختلف معه في تقييم الخطر المحتمل بعودة الاقتتال من جديد.

سليم روى كيف أنّ فضوله دفعه وقد كان عمره 11 سنة حينها، إلى الذهاب صوب منطقة المعارك القريبة من منزل والديه ليعرف ما يجري، فأصيب برصاصة في رجله وتمّ نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج.

وأضاف قائلا “بمجرد أن تصاب، كنت تكتسب مرتبة مختلفة بين أقرانك، وهي أنّك صرت جزءا من الحرب”، لافتا إلى أن إصابته تلك جعلت “الحرب تدخل بسرعة إلى حياته وقاموسه وذاكرته، وبالتالي لم تعد ذاك الشيء المجرد الذي يراه فقط في التلفزيون والسينما أو يسمع عنه من آخرين، بل صارت لديه روايته الخاصة عنها”.

ولفت إلى المشاهدات التي انطبعت في ذاكرته طوال أعوام (1972، 1973، 1974) وهو في طريقه بالحافلة المدرسية التي كانت تسلك طريق “صيدا القديمة”، التي تفصل بين الضاحية الجنوبية لبيروت ذات الغالبية المسلمة ومنطقة عين الركانة معقل حزب الكتائب المسيحي، والتي تحولت عام 1975 وحتى نهاية الحرب إلى خط أساسي من خطوط القتال بين شطري البلاد.

وأضاف “أحمل في ذاكرتي من تلك الطريق وخلال تلك الفترة خلال ذهابي إلى المدرسة في فرن الشباك (ذات الغالبية المسيحية) صور تظاهرات وتجمعات واشتباكات مع قوى أمنية لا أستطيع أن أنساها، ولم تكن تسمى حربا بعد”، وتابع “اليوم أرى استحالة في أن استرجع تلك الذكريات دون أن أربطها بمفهوم الحرب”. وقال “لقد احتجنا إلى الكثير من الوقت لنفهم أن السياسة ليست إجماعا، بل أن الحياة السياسية الطبيعية في بلد ما تعني أن يكون الناس مختلفين ويديرون اختلافهم وشؤونهم وفق النقاشات والحوار”، لافتا إلى سؤال مفاده؛ “لماذا نحن (اللبنانيين) ينتهي كلامنا (أو حوارنا) سريعا، وكثيرا ما نستلّ السكاكين ونبدأ بشحذها ونهدد بها بعضنا البعض وصولا إلى القتل العادي”.

لقمان سليم: لبنان في العام 2015 يملك رصيدا من النزاع وأسبابه ومن الممكن أن تنفجر الأوضاع في أي لحظة و بأي شكل

ولذلك لا ينظر سليم إلى الوضع المستقبلي للبنان بنظرة تفاؤلية، حيث شدد على أنّه “ليس هناك من حرب تستأنف من المكان الذي انتهت إليه، فهناك ديناميات نزاع جديدة تدخل على المشهد اللبناني”.

ولفت إلى “أنّ حرب 1975 كانت بين مسلمين ومسيحيين أو بين لبنانيين وفلسطينيين وقد انتهت بهزيمة المسيحيين في لبنان وبانتصار الإسلامي السياسي الشيعي والسني، وما كان لها أن تنتهي لولا تحالف الإسلامَيْن السياسيين الشيعي والسني مع الاحتلال البعثي (النظام حافظ الأسد)”.

واستدرك أنّه “عندما نتكلم على إمكانية اندلاع حرب جديدة في لبنان، فنحن لا نتكلم عن إعادة إنتاج حرب الماضي، بل عن حرب جديدة لها مكوناتها الجديدة”، ورأى أنه “إذا سلّمنا بهذه النظرية فيمكن القول حينها أنّ سنة 2005 (في إشارة إلى اغتيال رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري)، هي التي شكلت اللحظة المنعطف في تاريخ لبنان، ربّما ستوصف ذات يوم بأنّها الجد الأكبر لحرب قد تندلع في البلاد”.

وأوضح “أنه إذا راجعنا ما حصل خلال السنوات العشر الماضية سنرى عددا من النزاعات التي أخذت أحيانا أشكالا عنيفة أو غير عنيفة، لكن كان يتم احتواؤها في اللحظات الأخيرة أو تجميدها. لكن أكاد أقول أنه لحسن الحظ أنّ الحروب لا تجري على السطح، بل هي تبدأ في الطبقات السفلية للمجتمع″، في إشارة إلى المواطنــين العـاديــين.

ورأى أنه “في الطبقات السفلية للمجتمع اللبناني ومنذ 2005 وصولا إلى اليوم، مرورا بابتلاع الانتفاضة في سوريا التي اندلعت عام 2011، ونجاح النظام في تحويلها إلى حرب أهلية، فإنّ مكونات النزاع تزداد حدة، وخير دليل على ازدياد هذه المكونات هو أن الحياة السياسية في لبنان تكاد تكون في الدرجة صـفر وأن الأمـن أضحــى بـديلا عن السـياسة”.

وأبدى سليم نظرة يراها البعض تشاؤمية، حين شدّد على أنّه “بالتأكيد أنّ لبنان في العام 2015 يملك رصيدا من النزاع وأسبابه ومن الممكن أن تنفجر الأوضاع في أي لحظة وبأي شكل”.

6