أربعون عاما على رحيل لوتشينو فيسكونتي

الأحد 2016/04/10
تنكر فيسكونتي لطبقته الأرستقراطية وانحاز للفقراء

تحيي الأوساط السينمائية في العالم ذكرى مرور أربعين عاما على وفاة المخرج السينمائي الإيطالي لوتشينو فيسكونتي الذي رحل عن عالمنا وهو في السبعين من عمره في 17 مارس عام 1976. مهرجان واحد للسينما الإيطالية أقيم الشهر الماضي، في أربع مدن أسكتلندية هي غلاسكو وأدنبره وندني وإنفيرنس، هدفه الأساسي التعريف بالسينما الإيطالية، وكان القاسم المشترك بين فروع المهرجان في المدن الأربع إحياء ذكرى رحيل فيسكونتي الذي قتل بطريقة بشعة في ظروف مازال يحوطها الكثير من الغموض، وقيل الكثير حول ضلوع المافيا في قتله انتقاما من انتقاداته اليسارية الحادة لعلاقتها بالسلطة الإيطالية فيما بعد الحرب العالمية الثانية.

ويعتبر فيسكونتي من أوائل السينمائيين الإيطاليين الذين ساهموا في تشكيل الملامح الأولى لحركة الواقعية الجديدة، ثم لعب دورا بارزا في تطوير الفيلم الإيطالي فيما بعد الحرب العالمية الثانية، ونقل السينما من مجال الاهتمام بالفرد في إطار الطبقة، إلى الاهتمام بالفرد في نطاق التاريخ.

ينتمي فيسكونتي لأسرة أرستقراطية ذات علاقة وثيقة بالفنون، فوالده، دون مودروني، ينحدر من سلالة دوق ميلانو. وقد تفتحت عينا فيسكونتي بعد مولده في 1906، على الفنون الرفيعة، فكان والده يقيم الحفلات الموسيقية والمسرحية في قصر العائلة، وكانت أمّه مغرمة بالموسيقى، تجيد العزف على آلات عدة، وهكذا تعلم فيسكونتي من والديه حب المسرح، وأصبح منذ طفولته، يمارس الرسم والموسيقى.

بدأت علاقته بعالم الدراما عام 1928 عندما التحق بالعمل في المسرح كمصمم للديكور، وفي 1935 رحل الى باريس للعمل في السينما، وهناك التقى بالمخرج الشهير جون رينوار الذي ألحقه كمساعد له في فيلميه “حفل في الريف” (1936) ثم “الحضيض” (1937)، كما عمل معه في فيلم “توسكا” الذي شرع رينوار في إخراجه بإيطاليا عام 1940 لكنه لم يكمله بعد اندلاع الحرب.

ولا شك أن رينوار ترك تأثيرا كبيرا على فيسكونتي اتضح في فيلمه الأول “الهاجس” (1942)، في طريقة بناء شخصياته، والعلاقة بين الشّخصيات والأماكن، وطريقة تحريك الكاميرا، ولكن أساسا، في اهتمامه الكبير بالأفكار الإنسانية العميقة. وفي فرنسا، ارتبط فيسكونتي بمجموعة من الشباب اليساري، فاعتنق الفكر الماركسي، ولكنه لم ينضم قط إلى الحزب الشيوعي الإيطالي وإن ظلّ يمنحه صوته حتى وفاته.

لم يخرج لوتيشنو فيسكونتي سوى 14 فيلما روائيا طويلا وبعض الأفلام القصيرة والتسجيلية، كما أخرج الكثير من أعمال الأوبرا والمسرحيات. وقد ترك بصمة لا تمحى على تاريخ السينما في بلاده والعالم، ومازال طلاب السينما يتعلمون من أفلامه

نشأة الواقعية في السينما

عاد فيسكونتي إلى إيطاليا ليصبح عضوا فاعلا ضمن حركة فنية غاضبة كانت تضم عددا من الكتاب والنقاد والمخرجين الشباب، منهم جياني بوتشيتي وجيوسيبي دي سانتيس وكارلو ليتزاني ومايكل أنجلو أنطونيوني. وكان هؤلاء قد بدأوا في التعبير عن أفكارهم المناهضة لسينما التسلية البورجوازية الهروبية السائدة على صفحات مجلة “السينما” التي ترأّس تحريرها جياني بوتشيني، وأطلقوا عليها “سينما التليفونات البيضاء”. وكانت تلك المجموعة من الشباب “الغاضبين” تنتمي- سياسيا وجماليا- إلى الواقعية، وكان مثلهم الأعلى الكاتب الصقلّي المرموق، جيوفاني فارغا (1844-1922) الذي نشرت أعماله في أواخر القرن التاسع عشر.

كانت نذر الهزيمة تقترب من إيطاليا الفاشية في أواخر 1942، ولكن فيسكونتي تقدم للرقابة بمعالجة سينمائية لإحدى قصص “فارغا” القصيرة، لكن الرقابة رفضتها لجرأتها في نقد الواقع الإيطالي، فنصحه أستاذه رينوار بتقديم فيلم عن رواية الكاتب الأميركي جيمس كين “ساعي البريد يدق دائما مرّتين”، حتى يتمكّن بهذه الطريقة من خداع الرقابة الإيطالية المتشددة، فحصل بالتالي على ترخيص بالتصوير، لكن بعد أن أصبح الفيلم جاهزا للعرض، عدلت الرقابة عن قرارها وأوقفت عرضه، بعد أن رأت أن فيسكونتي استخدم الإطار العام للرواية ليجعل فيلمه تعليقا هجائيا لاذعا للواقع الإيطالي. وعندما شاهد موسوليني الفيلم في عرض خاص أقرّ عرضه، إلا أن الرقابة عادت في 1943، فسحبت جميع النسخ وقامت بحرقها باستثناء نسخة واحدة كان يحتفظ بها فيسكونتي، لكي يقدّر لنا أن نشاهد هذا العمل الذي يرقى الى مستوى التحف السينمائية الكبرى، والذي أصبح البداية الحقيقية لحركة الواقعية الجديدة.

الملامح الأولى

إن “الهاجس” ليس فيلما عن الشهوة عندما تستبدّ فتصبح قوة مدمّرة. يصور الفيلم العلاقة التي تربط بين عامل شاب وامرأة متزوّجة من رجل عجوز، وكيف ينجحان في قتل الزوج، وما يعقب ذلك من توتر وقلق وتشكك لينتهي الأمر بأن تفقد المرأة حياتها في حادث سيارة، ولكن هذه القصة تتحول على يدي فيسكونتي إلى مأساة إنسانية تنتج عن الوضع الاقتصادي المتدني في البلاد، كما أنها نتاج الرغبة الفردية في الهرب والتحرر من أسر الحاضر إلى مستقبل غامض.

في هذا الفيلم تتبدى الملامح الأولية للواقعية الجديدة: الاقتراب من حياة الطبقة العاملة، التصوير في الشوارع بملامحها الخشنة وبصورة تتناقض مع صورة إيطاليا المصقولة اللامعة في أفلام “التليفونات البيضاء”، وكشف البؤس والزحام وقسوة ظروف الحياة وتأثيرها على البشر. بعد ذلك ظل فيسكونتي ينتظر لست سنوات قبل أن يتمكن من إخراج فيلمه الثاني “الأرض تهتز″ (1948) الذي يُعدّ إحدى العلامات البارزة في سينما الواقعية الجديدة. قبله لم يجرؤ أحد على الاقتراب من تصوير الأوضاع الحياتية الشاقة في صقلية التي ظلت فريسة الإهمال منذ عصر الوحدة الإيطالية.

كانت رغبة فيسكونتي الأولى تصوير فيلم تسجيلي طويل عن أوضاع عمّال المناجم والفلاحين والصيادين، يقع في ثلاثة أجزاء. إلا أنه قرر أن يخرج فيلما واحدا يلخّص الأوضاع المتدهورة للطبقة العاملة الصقلية التي لم تكن تتمتع – حسب ماركس- بـ”النقاء الثوري” الذي يجعلها تنجح في الإطاحة بالطبقة المستغِلة، ويوضح فيسكونتي في فيلمه كيف أن ثورة من هذا النوع في ذلك الوقت كانت ستنتهي حتما، إلى الفشل.

فيلم "الملعونون" عودة إلى البحث في دور الفرد في التاريخ

كان تأثير “فارغا” واضحا على الفيلم، وقد تركّز اهتمام فيسكونتي على تصوير معاناة الطبقة العاملة، ولم يكن اهتمامه الأساسي منصبّا على تصوير الاحتجاج والغضب بل على تصوير حياة الفقر والفاقة. وكان يتناول أيضا أسباب خضوع الفلاحين واستعبادهم، وهو ما قام بتطويره بعد ذلك في فيلم “روكو وإخوته” (1960) الذي يعود فيه ليتناول العلاقات المتخلفة في الجنوب الايطالي، ويلمس موضوع هجرة الشباب إلى الشمال، متتبعا مصير عائلة هاجرت إلى ميلانو والخيارات الصعبة التي فرضت على أبنائها الخمسة كمَخْرج من تلك الظروف الشاقة في المجتمع الصناعي الجديد الذي انتقلوا إليه، ثم ما ينشأ بينهم من تناقضات.

خيانة الأرستقراطية

يحرص فيسكونتي في كل أفلامه حتى تلك التي تعتمد على أصول أدبية، على الاشتراك في كتابة السيناريو، كما فعل في أفلام “الليالي البيضاء” (عن رواية ديستويفسكي) و”الفهد” (عن رواية جيوسيبي دي لامبيدوزا)، و”الموت في فينيسيا” (عن رواية توماس مان)، ويلجأ في معظم أفلامه إلى التاريخ، ولكن ليس رغبة في الهرب إلى الماضي، بل لكي يستمد منه ما يدعم رؤيته لما يحدث في الحاضر.

في فيلم “حواس” (1954) من خلال أسلوب أقرب إلى الواقعية الرومانسية، يصوّر فيسكونتي خيانة الأرستقراطية الإيطالية وكيف تتعاون مع الغزاة النمساويين خلال الحرب الإيطالية النمساوية عام 1866، من خلال دراما مشبعة بروح الأوبرا. إننا نرى كيف تقع الكونتيسة “ليفيا” في غرام “فرانز” الضابط النمساوي.. الشاب المتمرد الذي يدبّر مع الشباب الإيطالي الثائر ومن بينهم ابن عمّ ليفيا، حركة ثورية تنهي الحرب وتقيم السلام، لكن ليفيا تخونه وتشي به إلى الأعداء ليكون مصيره الإعدام رميا بالرصاص، بعد ذلك تفقد ليفيا عقلها، ويشير الفيلم في نهايته بشكل رمزي، إلى انهيار النظام الاقطاعي وصعود البورجوازية القومية.

في هذا الفيلم يعقد فيسكونتي مقارنة واضحة بين أحداث منتصف القرن التاسع عشر وما وقع في فترة 1943-1945، أي في الفترة التي شهدت النضال المشترك ضد الفاشية وما تلاها من عودة الصراع الطبقي، وسيعود لتناولها على مستوى آخر، المخرج الإيطالي الكبير برناردو برتولوتشي في فيلمه “1900”. ففي الحالتين، تنتهي الحركة الثورية بسقوط نظام للنخبة، وصعود نظام آخر للنخبة، ويكون أعوان النظام القديم قد أصبحوا أعوانا للنظام الجديد.

ينتقل فيسكونتي إلى فيلمه الكبير “الفهد” (1963) فيرصد تفكك البناء الاجتماعي في صقلية من خلال رؤية تراجيدية، من وجهة نظر أمير إقطاعي يرغب في الانحناء أمام رياح ثورة الطبقة الوسطى بزعامة غاريبالدي ضد الإقطاع، ولكنه يسعى للاحتفاظ بوضعه الخاص المتميز داخل الطبقة القديمة. من هنا يبرز الفيلم جوهر مأساته التي تكمن في عجزه عن فهم التغيير الحتمي القادم، مجسدا رغبته في الوقوف في وجه هذا التغيير الذي لا مفر منه.

لا يتبنّي فيسكونتي وجهة نظر غاريبالدي وأنصاره، كما لا يتبنّى وجهة نظر الأمير الإقطاعي، أي أنه لا يفاضل بين الثوريين والرجعيين، مفضلا تقديم الموضوع من داخله، أي من خلال ذلك النموذج الأرستقراطي الذي يعرفه فيسكونتي جيدا ويمكنه فهمه، فهو نموذج لا يعادي الثورة، لكنه يرفض التخلي عن امتيازاته القديمة.

الملعونون

في فيلم “الملعونون” (1969) يرصد فيسكونتي بدايات صعود النازية في ألمانيا محللا الدور الذي لعبته الرأسمالية الصناعية في دعم الظاهرة النازية وتقديم كل ما يحتاجه نظام هتلر لشن الحرب. وتدور الدراما في الفيلم على محورين: الأول داخل عائلة “أيسبنك”، صاحبة مصانع الحديد والصلب، وكيف تتسع التناقضات بين أفرادها من أجل السيطرة على المصانع، والثاني على المستوى السياسي حيث نرى كيف تتفجر الصراعات داخل نظام هتلر بين جناح الجيش والغستابو من ناحية، وقوات العاصفة بزعامة إرنست روم من ناحية أخرى، وهو الصّراع الذي يحسمه هتلر من خلال التصفيات الدموية التي عرفت بـ”ليلة السكاكين الطويلة” عندما تمكّن هتلر من تصفية كل قيادات العاصفة.

"الموت في فينيسيا" رثاء العالم القديم
أما الصراعات داخل عائلة “أيسبنك” فتنتهي بسقوط كل أفرادها وتركز السلطة في يد “مارتن” الشاذ الذي يصعد في ظل النظام النازي ويرتبط به، يتحكم فيه ضابط الغستابو ويقوم بتوجيهه لخدمة مصالح النظام، فينجح في التخلص من أمّه وعشيقها، ثم من عمّه، لينفرد وحده بالسيطرة على مصانع العائلة. أما “هربرت”، الوحيد الذي يرفض المشاركة في الصراع ويحذّر من عواقبه، كما يحذّر من الانسياق وراء هتلر، فهو يستسلم في النهاية للغستابو. وينتهي الفيلم على لقطة لمارتن وهو يرتدي ملابس الغستابو ويرفع يده بالتحية النازية، وتمتزج هذه اللقطة مع لقطة للّهب المتصاعد من أفران مصانع الصلب، إشارة إلى الامتزاج التام بين الرأسمالية الصناعية الألمانية والنظام النازي.

في هذا الفيلم تتجسد الملامح الأساسية الراسخة في أسلوب فيسكونتي: الدقة في رسم ملامح الشخصيات، العلاقة الوطيدة بين الشخصيات والأماكن، التأثر بأسلوب الأوبرا، التأثير الميلودرامي، التحكم الدقيق في حركة الكاميرا، الإيقاع البطيء والحركة المحسوبة الدقيقة للممثلين.

يعود فيسكونتي في “الموت في فينسيا” (1971) إلى موضوعه الأثير أي غروب عصر وبزوغ عصر جديد، من خلال دراما سيكولوجية تستند الى رواية الكاتب الألماني توماس مان، تدور حول معاناة الموسيقار الألماني غوستاف مالر أو بحثه الشاق عن الكمال الفني النادر في أوائل القرن العشرين، أي وقت أن كانت أوروبا تشهد التغيير الأكبر في تاريخها، لتنتقل مرة واحدة وإلى الأبد، من العصر الإقطاعي مع نهاية الأرستقراطية، إلى عصر تتنافس فيه الإمبرياليات الجديدة على المستعمرات، ثم نشوب الحرب العالمية الأولى وما يعقبها من ظهور للحركات الثورية التي تحقق انتصارا كبيرا يتمثل في نجاح الثورة البلشفية في روسيا.

أجواء التغييرات التي تحدث في العالم ظاهرة في مقدمة الفيلم وخلفيته، لكن هناك نغمة رثاء واضحة في أسلوب تناول فيسكونتي لموضوعه، فهو يرثي الموسيقار الكبير الذي تنتهي حياته دون أن يدرك الحقيقة، حقيقة بحثه الشاق المعذب عن الكمال في عالم ممزق. إنه ينتحي جانبا على شاطئ مدينة فينيسيا التي اجتاحها وباء الكوليرا فأصبحت مدينة للموتى فقط.. يسترخي على مقعده على شاطئ الليدو.. تنساب قطرات الصبغة السوداء على جانبي وجهه التي حاول من خلالها استعادة شبابه الزائل.. يغمض عينيه ويسلم الروح في لحظة الغروب.. غروب عصر وبداية عصر جديد.

في هذا الفيلم يصل فيسكونتي إلى أرقى درجات التعبير الفني، وفيه يتجلى عشقه للفن التشكيلي والأوبرا، وإحساسه المرهف بالتكوين، براعته في استخدام حركة الكاميرا الرصينة في المشاهد الداخلية، وقدرته على التعبير عن فكرة ارتباط الفن الرفيع بالموت، وكأنه يرثي أيضا موت الفنون الرفيعة.

لم يخرج لوتيشنو فيسكونتي سوى 14 فيلما روائيا طويلا وبعض الأفلام القصيرة والتسجيلية، كما أخرج الكثير من أعمال الأوبرا والمسرحيات. وقد ترك بصمة لا تُمحى على تاريخ السينما في بلاده والعالم، ومازال طلاب السينما يتعلمون من أفلامه.

ناقد سينمائي من مصر

16