أربعون عاما في المغرب جعلت مهندسا عراقيا رساما

الاثنين 2015/03/02
أحمد جابر تعاون في معرضه مع تسعة تشكيليين مغاربة يشاركونه هوايته

قرب باب معرضه، الذي يعج بلوحات تشكيلية تحاكي الطبيعة والشخوص والقصبات القديمة، يجلس أحمد جابر، العراقي الذي جاء به القدر إلى المغرب، على كرسيه، منتشيا تحت أشعة شمس فبراير، التي بدأت تنقشع وسط غيوم تعلن منذ الصباح أن موسم المطر لا يزال ضيفاً على سماء مدينة الدار البيضاء، أكبر مدن المملكة سكانا ومساحة.

الدار البيضاء (المغرب)- ببراعة تمتزج الدار البيضاء، التي يقطنها حوالي 4.5 مليون نسمة بين سمتين، فهي القطب الاقتصادي للمملكة المغربية، بتمركز المصانع والشركات والمراكز التجارية والفنادق الفخمة، وفي الوقت نفسه لا تزال تحافظ على معمارها القديم، الذي يحكي تاريخ المدينة التي تمتد على شواطئ الأطلسي بفنها المعماري الفـريد.

أحمد جابر، العراقي البالع من العمر 59 عاما، والذي درس الهندسة في جامعة بغداد، وحصل على درجة الدكتوراه، لم يكن يعرف ما تخفيه له أيام العمر، إذ قضى سنين متنقلاً بين بلدان مجاورة، وأخرى بعيدة، مروراً بالجزائر إلى أن استقر به المقام في العاصمة الاقتصادية للمغرب قبل أزيد من 40 سنة.

وبعد أن أمضى جابر سنوات في العمل في الهندسة الهيدرولوجية (علم يدرس التواجد والتوزيع وحركة وخصائص المياه على الأرض)، صار اليوم “مهندساً” يرسم بريشته لوحات فنية تتغنى بطبيعة المغرب وجمال مدنه وشخوصه.

ريشة أحمد جابر ترسم لوحات فنية تتغنى بطبيعة المغرب

ومع طول الإقامة، صارت لكنة جابر العراقية ممزوجة بعشرات المصطلحات من اللهجة المغربية الدارجة، وبرع في رسم مناظر المغرب في لوحات تشكيلية جميلة، تسر المارين قرب معرضه وسط الدار البيضاء، حيث تظهر اللوحات المعلقة بشكل غير منتظم أشبه بلوحة لا متناهية من الفن التشكيلي التجريدي.

عن هذه الرحلة يقول جابر “جئت من العراق سنة 1974، واليوم أعتبر أن المغرب بلدي. كونت فيه أسرة، ولدي عمل مستقر، وهواية تجعل أيامي كلها نشاطاً، وأعمل رفقة فنانين مغاربة”.

ومنذ وطأت قدماه أرض المغرب، عمل المهندس العراقي في عدة مؤسسات خاصة، ولفترة عمل مستشارا في المكتب الوطني للماء الصالح للشرب وبعدها تقاعد، وارتأى أن يبدأ هواية الرسم والفن التشكيلي، وبالفعل حقق حلمه بالتعاون مع مغاربة يشاركونه الهواية نفسها.

لكن علاقة العراقي جابر بالمغرب لم تبدأ عام 1974، بل بدأت منذ سنوات التعليم الأولى في العراق، حيث يتذكر أنه هو وجيله كانوا يعرفون المغرب باسم مراكش (مدينة وسط البلاد)، وليس المغرب، وكانوا يقرأون معلومات أولية في المقررات الدراسية حول عدد من البلدان في منطقة شمال أفريقيا، مثل مصر وتونس والجزائر والمغرب.

ولأنه يعتبر أن الحرية تقتضي أن يسافر الإنسان أينما شاء، ويعيش تجارب عدة، اختار جابر أن يخوض غمار الهجرة، فتوجه غرباً تجاه المغرب، حاملاً معه شهادته التعليمية التي تخول له العمل بسهولة، لاسيما في مغرب ما بعد الاستقلال، حيث بدأت بوادر بناء الدولة المغربية، وكانت ثمة حاجة أكثر إلى كوادر في عدد من التخصصات، وهو ما سهل عليه الحصول على عمل.

وإلى جانب تخصصه في الهندسة الهيدرولوجية، كان جابر يحمل معه هواية طالما أجلها إلى حين، واليوم يعتبر نفسه فناناً ولم يعد مهندسا، ومن ثم فتح المعرض لبيع اللوحات التشكيلية، ويتعاون مع تسعة فنانين تشكيليين يرسمون اللوحات التي يبيعها للزبائن.

ويحكي جابر أنه لم يكن يحب أن يبقى مقيداً ببلد ما، لكن هذا المبدأ تغير حين أمضى سنوات في المغرب، فهو “بلد استقرار وأمان وكرامة وأناس طيبون، ولم أجد أي صعوبة كي أندمج وأستقر فيه. أنا هنا منذ أكثر من أربعين عاماً، ولم أواجه أي مشكلة قط”.

لوحات من الفن التشكيلي لأحمد جابر في معرض بالدار البيضاء

جابر يستقبل زبائن كثرا، خصوصاً من الشباب، إذ يعتبر أن “الجيل الجديد له ثقافة متشبعة بالفن التشكيلي والديكور، عكس ما كان عليه الأمر سابقاً، حيث لم يكن المغاربة مهتمين بالديكور واللوحات الفنية”.

ورغم أن مبيعات اللوحات تتراوح بين عشرة إلى 15 لوحة شهريا، إلا أن جابر يعتبر الفترة الحالية أفضل من ذي قبل، إذ يراهن هو وزملاؤه على رسم لوحات تلقى إقبالاً، واتفقوا على جعل الأسعار في متناول الراغبين، لتشجيعهم على اقتناء اللوحات، وتحفيز الفنان على رسم لوحات أخرى، عكس ما إذا كان الثمن غالياً، حيث ستبقى اللوحة مدة طويلة معلقة في المعرض.

ويعرض جابر لوحات من النوع المتوسط والكبير، تتعاطى جلها مع مواضيع الطبيعة والشخوص والثقافة المغربية، مثلاً فن أحواش (أحد أنواع الرقص الشعبي الأمازيغي بالمغرب)، إضافة إلى اللوحات التي تستلهم مواضيعها من القصبات التاريخية في مدن الجنوب الشرقي، وهي بأسعار تتراوح بين 200 درهم (حوالي 22 دولارا أميركيا) إلى أربعة آلاف درهم (نحو 420 دولارا).

والقصبات هي المنازل العتيقة تتميز بها بعض المدن السياحية في المغرب، وهي مبنية بالطين، وتكون على شكل منازل يحيط بها سور.

ورغم ما لقيه من ترحاب من أصدقائه المغاربة في الدار البيضاء وتعلقه بالمغرب، إلا أن جابر يحاول جاهدا أن يعوض البعد عن بلده الأم، ولا يخفي حنينه إلى العراق، قائلاً “أتمنى أن تكون الظروف مواتية مستقبلاً لكي أتمكن من زيارة العراق، وأستعيد ذكرياتي، رغم أن أسرتي هنا (متزوج من عراقية ولديهما ولدان) في المغرب، ينتابني كثيرا شعور بالحنين الجارف إلى بلدي”.

20