أربعون عاما من الإرهاب الإيراني في البقاع المقدسة

إعلان البراءة من المشركين شعار الإمام الخميني من أجل تسييس الحج.
الاثنين 2019/08/05
عقود من محاولات تحويل الحج إلى فرصة للدعاية الايرانية

منذ وصول الإسلام السياسي الشيعي بقيادة آية الله الخميني إلى حكم إيران في عام 1979، أصبح موسم الحج أحد أهدافه التي يعمل للاستفادة منها لتصدير الثورة، وذلك من خلال دعوته إلى “البراءة من المشركين”، وهو شعار ألزم الخميني حجاج بيت اللّه الحرام برفعه وترديده في مواسم الحج، رغم أنه لم يعهد من الفقهاء بشكل عام إلى زمان الخميني التعرّض لبيان حكم البراءة من المشركين، لا بما هي فعل مستقلّ غير مقيد بزمان ومكان وأفعال مخصوصة، وليست عملا خاصا مقترنا بفريضة الحج بالنحو الذي تناوله الإمام الخميني بخطاباته.

تونس – وفق دراسة حول البراءة من المشركين نشرتها دار الولاية للثقافة والإعلام الإيرانية فإن كتب الفقهاء الفتوائية (الرسائل العملية) والاستدلالية (كتب البحوث والدراسات)، سواء المختصّة بالمذهب أو المقارنة له بسائر المذاهب خالية من التعرّض لشيء من ذلك، بل إن الخميني ذاته لم يطرح الموضوع من الجانب العلمي، حيث أن كتبه الفقهية ومنها كتب المناسك أيضا تبدو خالية من بيان حكم البراءة من المشركين، فلم يرد لها في شيء منها ذكر. وما ورد في الخطابات والبيانات السياسية والتوجيهية التي لم يُجر التعامل معها على أنها بيان للحكم الشرعي، ولو الحكم الشرعي السياسي إذ لبيان الحكم الشرعي قنواته الخاصة المعروفة.

لقد كان هدف نظام الملالي من إثارة الموضوع هو تصدير شعارات الثورة التي يقدّمونها على أنها ثورة إسلامية عامّة، من خلال تقديم الصراعات السياسية على أنها صراعات بين المسلمين من جهة، وبين الكفار وحلفائهم من المسلمين من جهة ثانية.

وتقول الدراسة “قد يشكك في استفادة حكم من ذلك، لكن إيمانا منا بأنّ الفقيه حين يصدر أمرا معيّنا، ويُلزم الناس بالعمل بموجبه فإنه وإن خرج عن دائرة نطاق بيان الأحكام الشرعية، ودخل في إطار الخطابات السياسية والتوجيهية لا بد أن يكون مستندا إلى أساس ودليل شرعي اعتمده في استفادة ذلك الأمر”.

تسييس الحج

مساع إيرانية لتحويل الحج إلى فريضة دينية بأهداف سياسية
مساع إيرانية لتحويل الحج إلى فريضة دينية بأهداف سياسية

يرى باسم راشد، المحلل السياسي في المركز الإقليمي للدراسات، بالقاهرة، في دراسة له حول تسييس الحج ومقاصد إيران، إلى أن “إعلان البراءة من المشركين” شعار ألزم المرشد الإيراني الحجاج الإيرانيين برفعه في مناسك الحج، من خلال مسيرات، ويتم فيها أيضا ترديد شعارات سياسية من قبيل “الموت لأميركا” و”الموت لإسرائيل”؛ باعتبار أن الحج، من وجهة نظر إيران، يجب أن يتحوّل من مجرد فريضة دينية تقليدية، إلى فريضة دينية سياسية.

بعد ثمانية أشهر من قيام الثورة الإيرانية، قال بيان صادر عن وزارة الداخلية السعودية إن مجموعة من الحجاج الإيرانيين تظاهروا أمام المسجد النبوي الشريف، ورددوا هتافات بعد صلاة عصر يوم 20 ذي القعدة 1402هجري. وأن المتظاهرين رفعوا صور الخميني، وتدخّلت قوات الأمن ومنعت المسيرة. وفي الأيام التالية جرت محاولات أخرى للتظاهر بالمدينة فرّقتها القوات الأمنية السعودية بالحسنى.

وفي موسم الحج لعام 1983، قال الخميني في بيان له إلى حجاج بيت اللّه الحرام “نتلو في سورة التوبة التي أمر بتلاوتها في الاجتماع العام بمكة قوله تعالى “وَأذان مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأكبر أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ”(10)، إنّ إعلان البراءة من المشركين في موسم الحج هذا إعلان سياسي عبادي أمر به رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله)”.

وتنفيذا لما ورد في كلمة الخميني، سعت إيران إلى تحويل أداء فريضة الحج إلى أهداف دعائية، وتم ضبط أسلحة يدوية وسكاكين لدى عدد من الحجيج الإيرانيين مع كميات من المنشورات والبيانات الدعائية للخميني، وفيها مضامين التهجّم الصريح على المسؤولين في المملكة، كما قام بعضهم بالتظاهر وإطلاق الهتافات السياسية، ومحاولة دخول المسجد الحرام ببعض الأسلحة النارية الصغيرة، وقد ضبطت سلطات الأمن هذه الأسلحة عشرات المرات.

طهران سعت إلى تحويل الحج إلى دعاية لا تخلو من الإرهاب، حيث تم ضبط متفجرات لدى بعض حجيجها أكثر من مرة

وصادف كذلك أن عثرت الأجهزة المعنية مع قرابة عشرين شخصا من إيران على منشورات دعائية وصور وشعارات وتبيّن أن قدومهم لم يكن بغرض الحج.

في أغسطس 1986 ضبطت السلطات السعودية عددا من الحقائب التي تحوي منشورات وكتبا وصورا دعائية، وقام الحجاج الإيرانيون بالتظاهر وإطلاق الهتافات، وتم التحقيق معهم ومصادرة ما يحملونه من كتب وشعارات ومنشورات وصور، لكن الأنكى من ذلك أن رجال الجمارك والأمن بمطار جدة الدولي اكتشفوا مواد شديدة الانفجار في حقائب الحجاج القادمين على طائرة إيرانية، حيث بلغ عدد تلك الحقائب نحو 95 حقيبة، كلها ذات مخازن سفلية ملبسة بمادة التفجير التي بلغ وزنها 51 كيلوغراما، وبعد إجراء التحقيق معهم من قبل السلطات المسئولة اعترف كبير ركُاب تلك الطائرة، الحكمدار محمد حسن علي محمد دهنوي بأنه ومجموعته كُلّفوا من قِبل القيادة الإيرانية باستخدام تلك المتفجرات في الحرمين.

وكان الخميني قد خاطب الحجيج في ذلك العام بأنهم ملزمون “في هذا التجمع الجماهيري العام بأعلى أصواتهم بنداء البراءة من الظالمين” ثم وفي العام الموالي 1987، دعا إلى “إعلان البراءة من المشركين -الذي يعدّ من أركان فريضة الحج التوحيدية وواجباتها السياسية- ويجب أن يقام بأبهى صورة، وأعظم جلال على شكل تظاهرات ومسيرات، وعلى الحجاج من الإيرانيين وغيرهم المشاركة ـ وبتنسيق تام مع المسؤولين في بعثة الحج ـ في جميع المراسم المقامة، وإطلاق نداء البراءة من المشركين، وملاحدة الاستكبار العالمي، وعلى رأسهم أميركا، قرب بيت التوحيد”.

وفي 31 يوليو 1987، نفّذ الحجاج الإيرانيون أوامر الخميني ووزعوا منشورات دعائية وتشكيل مسيرة صاخبة أشاعت الفوضى بين الحجاج، وقد كان من الطبيعي أن يتدخل المواطنون الذين توقفت مصالحهم والحجاج الذين تعرقلت مقاصدهم في العبادة وأداء المناسك لوقف هذه الأعمال بعد أن تعرقلت الحركة وضاقت الصدور، وجاء هذا التدخّل عن طريق التفاهم السلمي مع مقدمة المسيرة، وألحوا عليهم في رجائهم بإفساح الطريق أمام النساء والأطفال المحتجزين في سياراتهم، إلا أن الإيرانيين أصرّوا على مواصلة المسيرة وسط هتافات.

تشويش إيراني على مناسك الحج
مخطط إيراني للتشويش على الحج

وتوجّه المتظاهرون إلى بيت الله الحرام  إذ حاولوا مع إخوانهم الحجاج الآخرين الحيلولة دون استمرار المسيرة، وبينما كانت قوات الأمن السعودية تراقب الموقف ومحاولة منع المواطنين وبقية الحجاج من الاصطدام بالإيرانيين المتظاهرين حرصا على سلامتهم ودرءا للشرور، اتجه إليها المتظاهرون وهاجموها بالعصيّ والمدى والحجارة واعتدوا عليها، وعندها صدرت الأوامر لسلطات الأمن المختصّة بالتصدّي للمسيرة فورا ورفضها وإعادة الأمور إلى مجراها الطبيعية اندفع المتظاهرون الإيرانيون للاشتباك والتصادم المباشر معها ما أسفر عن مقتل 402 أشخاص (275 من الحجاج الإيرانيين؛ 85 من السعوديين، و45 حاجا من بلدان أخرى، وإصابة 649 شخصا (303 من الحجاج الإيرانيين، 145 من السعوديين، 201 حجاج من بلدان أخرى).

ونتيجة لتلك الأحداث الدامية، قطعت الرياض علاقتها الدبلوماسية مع إيران، وتم تقليل العدد المسموح به من الحجاج الإيرانيين من (150 ألف حاج) إلى (45 ألفا). أما طهران فقامت بمقاطعة الحج في المواسم الثلاثة التالية، إلى أن تجددت العلاقات بين الطرفين في عام 1991 بعد اتفاق يسمح للإيرانيين بممارسة فريضة الحج مرة أخرى، ووضع حدّ أقصى للحجاج الإيرانيين يبلغ (115 ألف حاج)، مع السماح لهم بالتظاهر، لكن في مكان واحد تُخصّصه لهم السلطات السعودية.

ورغم الغياب عن الحج في موسم 1989، فإن إرهاب إيران لم يغب، حيث، قام في يوليو إرهابيون بتنفيذ انفجارين الأول في أحد الطرق المؤدية للحرم المكي والآخر فوق الجسر المجاور للحرم المكي، ونتج عن ذلك وفاة شخص واحد وإصابة ستة عشر آخرين، ثم ألقت الشرطة السعودية القبض على 20 حاجا كويتيا، اتهم منهم 16 بتدبير التفجير وعرضت “اعترافات” لهم على التلفزيون السعودي منها ارتباطهم بالنظام الإيراني.

وقد استنكر المرشد العام للثورة الإسلامية في إيران علي خامنئي والذي تولّى المنصب بعد وفاة الخميني في الثالث من يونيو 1989، إعدام من وصفهم بـ”الحجاج الأبرياء” متهما السعودية: بتعمّد ارتكاب الجرائم في صفوف المسلمين، وقام 150 عضوا من مجلس الشورى الإيراني بإصدار بيان يستنكرون فيه إعدام المتهمين الكويتيين، وطالبوا بتسخير إمكانيات وزارة الخارجية في بلادهم لفضح هذه الجريمة على حدّ تعبيرهم.

إرهاب إيراني
إرهاب إيراني

وفي 2 يوليو 1990 وقع تدافع كبير في نفق منى جنوب مكة إثر عطل في نظام التهوية. أسفر الأمر عن مقتل 1426 حاجا اختناقا، وكان معظم الضحايا من الماليزيين والإندونيسيين والباكستانيين، وقد بيّنت التحقيقات لاحقا أن الحادث لم يكن عرضيا، وإنما وقف وراءه أفراد من تنظيم يعرف بـ”حزب الله الحجاز في الكويت” قاموا بالتنسيق مع السلطات الإيرانية برش الغاز السام في نفق المعيصم.

وفي 24 سبتمير 2015، أدّى تدافع من قبل الحجاج إلى مقتل 769 شخصا على الأقل من بينهم 465 إيرانيا وإصابة 694 آخرين حسب الرواية الرسمية السعودية، وقد حمّلت المملكة إيران مسؤولية ما أسمته بـ“حادثة التدافع المشبوهة”، التي حدثت في تقاطع شارعين فرعيين في مشعر منى، وتحدثت في تقرير موسّع عن استغلال النظام الإيراني لموسم الحج في تحريض الحجاج الإيرانيين منذ عام 1402هـ للإضرار بالحج، مشيرة إلى ظهور مؤشرات عن حضور عناصر من الحرس الثوري الإيراني لموسم حج 2015، من أجل زعزعة تنظيم الحج واتهام المملكة بالتقصير في أداء مهمتها في تأمين سلامة الحجيج.

لكنّ الرئيس الإيراني حسن روحاني لوّح بإمكانية اللجوء لـ“استخدام القوة” إذا دعت الحاجة في ما يتعلق بحادثة تدافع منى، زاعما أن بلاده تعاملت مع الحادثة “بلغة الأخوة والأدب واستخدمت لغة دبلوماسية”، لكنها “سوف تلجأ إلى لغة القوة إذا دعت الحاجة”، كما نقلت وسائل إعلام إيرانية عن القائد العام لقوات حرس الثورة الإسلامية اللواء محمد علي جعفري جهوزية حرس الثورة الإسلامية لردّ حازم على فاجعة منى، وأكد أن “قوات حرس الثورة الإسلامية وظّفت إمكانياتها للتحضير لرد سريع على فاجعة منى، وإرغام آل سعود على تحمّل مسؤولياتهم فضلا عن استيفاء حقوق الحجاج الإيرانيين، وإنها تنتظر الأوامر”.

وقد ردّت الرياض على ذلك بأن وجّهت اتهامات لإيران بـ“تسييس” الحج، ودعا وزير الخارجية السعودي عادل الجبير المسؤولين الإيرانيين إلى الكفّ عن استغلال الحادثة سياسيّا، وأعرب عن اعتقاده بأنه “من الأفضل للإيرانيين أن يفعلوا شيئا غير أن يستغلّوا سياسيّا مأساة طالت أناسا كانوا يؤدّون الشعائر الدينية المقدسة”.

مواقف السعودية

Thumbnail

في عام 2016 حمّلت وزارة الحج والعمرة السعودية، البعثة الإيرانية، مسؤولية عدم تمكين مواطنيها من أداء مناسك الحج لذلك العام، مؤكدة رفض المملكة القاطع لتسييس شعيرة الحج أو المتاجرة بالدين، وفي تعليقه على إعلان طهران بأنّ مواطنيها لن يؤدّوا الحج هذا العام، قال وزير الخارجية عادل الجبير إن “السعودية لا تمنع أحدا من أداء فريضة الحج”، مضيفا أنّ إيران كانت تطالب هذا العام بحق إجراء شبه مظاهرات، وأن تكون لها مزايا خارج التنظيم العادي، ممّا يتسبّب في خلق فوضى خلال فترة الحج، وهذا أمر غير مقبول، على حدّ قوله.

وتابع الجبير “إذا كانت إيران نيّتها من البداية المراوغة وإيجاد حُجج لعدم تمكين مواطنيها من أداء فريضة الحج، فهذا أمر سلبيّ جدا، وهي تتحمل المسؤولية أمام الله وأمام شعبها لعدم تمكين مواطنيها من أداء الحج هذا العام”. وفي المقابل حاول سعيد أوحدي، رئيس منظمة الحج والزيارة الإيرانية، أن يضلّل الرأي العام بقوله إن الرياض طلبت إدراج بنود جديدة في اتفاقية الحج، وقد عرض المسؤول الإيراني تلك البنود ليظهر أنها مرتبطة بالملفات الأمنية والدينية في مسار حركة الحجاج، معتبرا ذلك نوعا من النظرة السياسية، من طرف الجانب السعودي للحجاج الإيرانيين.

وجاءت تلك الأزمة عقب إعلان الرياض في 3 يناير 2016 قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران على خلفية الاعتداءات التي تعرّضت لها سفارة المملكة، في طهران، وقنصليتها في مدينة مشهد شمالي إيران، وإضرام النار فيهما، بسبب إجراءات أمنية وقضائية تقوم بها المملكة في إطار محاربتها للإرهاب.

لقد كان هدف نظام الملالي من إثارة موضوع البراءة من المشركين هو تصدير شعارات الثورة التي يقدمونها على أنها ثورة إسلامية عامّة

وفي دراسة له بمعهد واشنطن، يرى الكاتب والباحث الإيراني مهدي خلجي أن الانتقادات الإيرانية للحج، المتأصّلة غالبا في التعصّب المناهض للعرب، خدمت أغراضا متعددة. وهناك عبارة شائعة تقضي بأن الحج عمل جيّد بالنسبة للعرب. وبحذق أكبر، في السنوات الأخيرة، قامت الدعاية المعادية للسعودية بحشد الإيرانيين المناهضين للعرب -وهي كتلة مناهضة للنظام تاريخيّا- من أجل القضية. كما أنّ الإسلاميين المتشددين -الذين يدعمون سياسات إيران، وخاصة في سوريا، من منظور أيديولوجي- قد اتحدوا وراء مبدأ معارضة السعوديين. وقد رحّبت هذه العناصر المجتمعية بتعليق الحج وقلقت من إعادته إلى الوضع السابق.

وفي مقابلة نُشرت في سبتمبر 2016 في مجلة “مباحثات” الدورية التي تصدر في مدينة قم، أوضح محمد مهدي معراجي الذي يمثّل رجل الاتصال بين خامنئي وبعثات السلطات الدينية الأخرى، أن البعثات التابعة تقدّم إرشادا دينيّا إلى المؤمنين حول فريضة الحج “من كافة أصقاع العالم الشيعي”. وتابع إن “أولئك الشيعة الذين يعجزون عن التواصل بسهولة مع إيران يمكنهم القدوم إلينا -فنحن تَجمّع ضخم لشؤون الحج- والحصول على إجابات عن الأسئلة التي يريدونها”. وأسهب بالقول  تتبع “المراجع” (أي السلطات الدينية التي وصلت إلى مرتبة آية الله العظمى) المؤسسة الدينية الإيرانية، حتى إن لم تتوافق تماما مع أسسها الفكرية.

13