أربعينية لير

السبت 2015/08/22

في سنة 1974، ولأربعين سنة خلت، شاءت الصدفة أن تجمع رجلين ليؤسسا مجلة ثقافية تهتم بالكتاب، سيُكتب لها كثير من النجاح والتألق. إنها مجلة “لير” الفرنسية الشهيرة. أما الرجل الأول فهو جون-لويس سيرفان-شرايبر، المقاول الشاب حينها والمعروف باستثماراته في مجال الصحافة والإعلام. كان جون-لويس قد عاد للتوّ من الولايات المتحدة الأميركية، بعد إقامة امتدت سنة. جاء مغرما بتجربة مجلة “بوكس دِجيست” التي كانت تُخصص لنشر ملخصات الكتب. أما الثاني فهو الصحفي بيرناربيفو، وكان قد غادر حينها جريدة “لوفيغارو” ليطلق برنامجه التلفزيوني الشهير “أبوستروف”.

كان إطلاق مجلة “لير” أشبه بمغامرة، حيث لم يكن جمهور القراء بفرنسا قد اعتاد على مجلة تُكرَّس بكاملها لنشر ملخصات الكتب. وفوق ذلك، لم يكن صاحب المجلة، جون-لويس، وهو القادم من عالم المال والاستثمارات، يؤمن بجدوى القيام بدراسات السوق، لأنها، كما يعتقد، لا تقدم أي شيء عما يجب القيام به.

حافظت مجلة “لير” على استمراريتها، خلال الأربعين سنة، رغم تغير المدراء والشركات المالكة. واستطاعت أن تجمع حولها عددا من كبار كُتاب فرنسا، على رأسهم الكاتبان الحاصلان على جائزة نوبل جان ماري غوستافلو كليزيو وباتريك مديانو. كما منح بيرناربيفو، الذي تولى الإدارة، طيلة عشرين سنة، للمجلة كثيرا من الشهرة، خصوصا أنه صار وجها تلفزيونيا بفضل برنامج “أبوستروف” الذي كان ينشطه. في سنة 1994، تولى بيير أسولين إدارة المجلة، وكان عليه، وهو الذي لم يبلغ الأربعين من عمره، أن يحافظ على نجاح المجلة التي صارت مقرونة باسم بيفو. كانت نصيحة بيفو للمدير الجديد أن لا يقرأ أبدا “لير”. لأن قراءة مجلة ما من طرف المسؤول عنها لن تمنحه إلا الألم. عشر سنوات بعد ذلك، سيتم تعيين شاب في الثلاثينات من عمره، اسمه فرانسوا باسنل، وهو الذي سيمنح نفسا جديدا للمجلة، من خلال التغييرات التي سيحدثها خصوصا على مستوى التبويب والتصفيف واختيار ملفات العدد. كما سيمنح باسنل كثيرا من وهج حضوره المهني الرفيع للمجلة، خصوصا من خلال تنشيطه للبرنامج التلفزيوني الشهير “المكتبة الكبرى” الذي يبث على قناة فرنسا5.

نجاح مجلة “لير” يعود إلى ديناميتها وحرصها على التغيير، مع وفائها لروح الفكرة التي قامت عليها وهي أن تكون مجلة حول الكتب. كما يعود تألق المجلة إلى دينامية قطاع الكتاب والنشر بفرنسا، حيث يتجاوز عدد العناوين الصادرة سنويا ستين ألف عنوان، وحيث يظل رقم معاملات هذا القطاع الأولَ على مستوى مجمل الصناعات الثقافية، بما فيها الصناعة السينمائية. وذلك ضدا على خطاب انطباعي يروج لنهاية الكتاب الورقي.

كاتب من المغرب

17