أربع سنوات من الصراع في سوريا والمأساة مستمرة

الجمعة 2015/03/13
أطفال سرويون يتحدون حالات الفوضى والدمار ويصرون على متابعة دروسهم في ما تبقى من مدرستهم

بيروت - رسم تقرير عن الأزمة السورية، أعدته 21 منظمة إغاثية ومدافعة عن حقوق الإنسان، صورة قاتمة لحياة السوريين وحذّرت من أن المستقبل يزداد غموضا وسوءا، بالنسبة للاجئين وللسوريين في الداخل، وللمنطقة ككل، خاصة وأن الأطراف المتحاربة في سوريا والدول صاحبة النفوذ، فشلت في تطبيق قرارات مجلس الأمن الدولي ما أدى إلى أن يكون العام 2014 الأسوأ منذ بداية الأزمة التي شارفت على دخول عامها الخامس.

وصفت منظمات إغاثة عام 2014 بأنه العام الأسوأ في الصراع السوري، منذ اندلاع الأزمة حتى الآن. واعتبرت أن القرارات الثلاثة التي أصدرها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بهدف تخفيف المعاناة لم تحقق الغرض منها.

وقال دانيال جوريفان المتخصص في شؤون السياسة السورية بمؤسسة أوكسفام الخيرية البريطانية “هناك المزيد من عمليات القتل والمزيد من التفجيرات وزيادة هائلة في النزوح وزيادة كبيرة في عدد الأشخاص الذين في حاجة إلى مساعدات إنسانية”.

وأضاف في مقابلة أُجريت معه في بيروت “قرارات مجلس الأمن فشلت بشكل أساسي”. وأوكسفام واحدة من 21 منظمة إنسانية وحقوقية شاركت في كتابة تقرير حول الصراع السوري بعد أربع سنوات من الانتفاضة الشعبية ضدّ نظام الأسد.


فشل الأمم المتحدة


طالبت القرارات التي أقرتها الأمم المتحدة العام الماضي بإنهاء عمليات القتل والتعذيب وإزالة الحواجز التي فرضتها الحكومة السورية ومقاتلو المعارضة كي يتسنى دخول المساعدات الإنسانية. وقال جوريفان إن الدول الأعضاء بمجلس الأمن والتي تضم روسيا والولايات المتحدة لم تطبق قراراتها بسبب فشلها في الضغط على أطراف الصراع لوقف عمليات القتل دون تمييز وإتاحة السبل لتوصيل المساعدات الإنسانية.

منظمات الإغاثة الإنسانية تحذر من أن عمليات التمويل للأغراض الإنسانية في تناقص خطير

وكانت الأمم المتحدة قالت العام الماضي إن الحكومة السورية وافقت على دخول أقل من نصف قوافلها إلى المناطق المحاصرة أو التي يصعب الوصول إليها في سوريا. ولا تعمل الأمم المتحدة في مناطق كبيرة من سوريا تخضع لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية.

وحذّرت منظّمات الإغاثة الإنسانية من أن عمليات التمويل للأغراض الإنسانية تناقصت. وأضاف أنه في عام 2013 تم توفير 71 بالمئة من الأموال اللازمة لدعم المدنيين داخل سوريا واللاجئين في الدول المجاورة. لكن النسبة تراجعت في عام 2014 إلى 57 بالمئة فقط.

وقال جوريفان “من المخاوف الأساسية التي تساورنا أن القرار تم تقويضه نوعا ما من جانب الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن لذلك نحن نطالب بعمل ملموس تقوم به القوى الدولية لضمان وقف الانتهاكات، واستئناف محادثات السلام تمشيا مع بيان جنيف، ووضع نهاية لإمدادات السلاح للأطراف المتحاربة التي ارتكبت انتهاكات كبيرة.. لحقوق الإنسان.

لذلك من الواضح أن هناك الكثير الذي يتعين على الدول الأعضاء في مجلس الأمن وحلفائها في المنطقة القيام به لضمان ألا يظل القرار مجرد قطعة ورق".

وأجاز قرار صدر في يوليو الماضي للأمم المتحدة القيام بعمليات إغاثة عبر الحدود دون موافقة دمشق لكن التقرير قال إن هذا الأمر أعاقته قيود من دول مجاورة على غرار تركيا.

ورسم تقرير منفصل نشرته هذا الأسبوع اثنتان من منظمات الأمم المتحدة العاملة في سوريا صورة قاتمة للحياة بعد مرور أربعة أعوام على بدء الصراع.

83 بالمئة من سوريا غارق في الظلام

وأشار التقرير إلى تقلص عدد السكان بنسبة 15 بالمئة وانخفاض متوسط العمر 24 عاما ليصبح 55 عاما في المتوسط بعد أن كان 79 عاما. وأضاف أن نصف تلاميذ المدارس لم يذهبوا إلى المدرسة خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة.

والمعاناة تشمل السوريين في الداخل واللاجئين في الخارج، حيث قال المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أنطونيو غوتيريس، اليوم الخميس، إن عدداً متزايداً من اللاجئين السوريين يلجأون إلى التسول والجنس وعمالة الأطفال من أجل البقاء.

وفي بيان أصدرته المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أوضح غوتيريس بأنه “ثمة حاجة إلى بذل المزيد من الجهود من أجل إخراج السوريين من كابوس معاناتهم”.

وأضاف “بعد سنوات في المنفى يستنفذ اللاجئون مدخراتهم ويلجأ عدد متزايد منهم إلى التسول وإلى الجنس من أجل البقاء وإلى عمالة الأطفال وتعيش العائلات من الطبقة الوسطى التي لديها أطفال بصعوبة في الشوارع”.

واستدرك المفوض حديثه بالقول إن “أحد الآباء وصف حياته كلاجئ بالعالق في الرمال المتحركة كلما تتحرك تغرق أكثر”، مضيفا “يتعين أن تحرك هذه الأزمة الإنسانية التي هي الأسوأ في عصرنا هذا موجة كبيرة من الدعم، إلا أن المساعدات تتضاءل”.


ظلام سوريا


وعلى صعيد متصل، أعلن باحثون من جامعة “وهان” الصينية أن 83 بالمئة من سماء سوريا أصبحت مظلمة من خلال الصور التي تم التقاطها للبلد عبر الأقمار الصناعية خلال الأربع سنوات الماضية وتحديدا منذ شهر مارس 2011. وأشار الباحثون، في دراسة لهم، إلى أن مقتل نحو 220 ألف شخص ولجوء الآلاف إلى دول أخرى انعكس بشكل واضح على الأضواء المنبعثة من السماء السورية للأقمار الصناعية (في إشارة إلى غيابهم عن منازلهم وانطفاء أضوائها).

وأجريت الدراسة، التي نشرت تفاصيلها صحيفة “لوموند” الفرنسية، بالاشتراك مع جمعية “مع سوريا” التي تضم نحو 130 منظمة إنسانية وحقوقية تقدم المساعدة للمدنيين المحاصرين في سوريا. وبيّنت أن الصور التي التقطت ليلا حتى شهر فبراير عام 2015 تظهر كيف غرقت المناطق السورية الرئيسية في الظلام نتيجة نزوح سكانها، حيث رصد اختفاء أضواء الليل تدريجيا من محور حلب-دمشق العمود الفقري للبلد، ومحور حلب-دير الزور وعلى طول وادي الفرات.

وقال البروفيسور الصيني شي لي، مدير المشروع، إن “صور الأقمار الصناعية توفر بيانات موثوق بها، وتظهر لنا مدى الدمار في سوريا.. إنها تساعدنا على فهم المعاناة والخوف اللذين أصبحا واقعا يوميا يعيشه المدنيون في سوريا”.

وأكد شي لي أن المناطق التي تعرّضت للقصف المكثف من قبل قوات نظام بشار الأسد هي بلا شك “الأقل إنارة” حيث أظهرت صور الأقمار الصناعية غرق نحو 97 بالمئة من محافظتي حلب وإدلب (شمال) في الظلام.

وأظهرت الدراسة أن نسبة 96 بالمئة من منطقة الرقة (شمال) التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) منذ نحو عامين غارقة في الظلام أيضا وهو ما يشير إلى أن “الجهاديين فشلوا في استعادة الخدمات العامة في معاقلهم وفشلوا في وقف نزوح سكان تلك المناطق”، بحسب الدراسة.

وتعليقا على الدراسة، قال كريم الهيجي، رئيس الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان في سوريا، وأحد المشاركين في الدراسة، لصحيفة لوموند الفرنسية، إن “أربع سنوات من الأزمة جعلت السوريين يعيشون في الظلام.. لا وجود للمستشفيات ولا المدارس ولا إدارات. لا أعرف كيف يعيش المواطنون السوريون في هذا الوضع طوال هذه الفترة، المجتمع الدولي هو الأمل الوحيد للسوريين وللاجئين، ونأمل أن تكون لديه القدرة ليعيد الأنوار المنطفئة إلى سوريا”، وهو أمل يتطلّع إليه كل السوريين، بعد أن طالت بهم الأزمة التي انطلقت في مارس 2011 باحتجاجات شعبية تطالب بإنهاء أكثر من 44 عاما من حكم عائلة الأسد، وإقامة دولة ديمقراطية يتم فيها تداول السلطة، ما قابله النظام بمعالجة أمنية أطلقت صراعا بين قوات النظام والمعارضة، أوقعت أكثر من 200 ألف قتيل، كما ساهمت في نزوح نحو 10 ملايين سوري عن مساكنهم داخل البلاد وخارجها، بحسب آخر إحصاءات للأمم المتحدة.

12