أرجنتيني سوري يحمل شعلة بروميثيوس

الأحد 2014/01/12
أعمال النحات عاصم الباشا: بحث في الالم والتمرد وجماليات التراجيديا الإنسانية

على الرغم من أن عاصم الباشا هو أحد أهمّ النحّاتين العرب المعاصرين وأكثرهم فرادة، وأنه يقيم في أسبانيا منذ أكثر من 25 عاما، المدهش والمحبط أن عمله لم يحظ في بلدنا بالاعتراف الذي يستحقه.

يعود تنوّع وغنى وعمق منحوتاته المعروفة أكثر في الشرق الأوسط ، حيث عُرضت في صالات هامة وحازت على جوائز، لتحصيل متين والاستغراق الدائم في المهنة، بعيدا عن المسارات التجارية والـ “موضة” والأكادميزم أو التبعيات السياسية لهذا الطرف أو ذاك.

ولد في بوينس أيرس عام 1948 من أب سوري وأم أرجنتينية في أصولها المتنوعة لمسة سورية كذلك. انتقل مع العائلة إلى وطن الوالد فتيّا ودرس في جامعة دمشق الفلسفة والفنون الجميلة. سافر بعدها إلى العاصمة الروسية لينهي دراسته للنحت في معهد سوريكوف العالي للفنون الجميلة سنة 1977. التقى في موسكو نيكول فرناندث، رفيقة دربه، ابنة الجمهوريين الأسبان اللاجئين في فرنسا، التي حلّت هناك بنية دراسة السينما. (بورتريه نيكول 1973).

ملاحقة النظام السوري له ليشارك في إقامة تماثيل لحافظ الأسد دفعته إلى مغادرة البلاد، وبعد مكوث أول بين سنة 1981 و 1983 عاد إلى أسبانيا سنة 1987 حيث أقام بداية في مدريد وانتقل بعد ذلك إلى غوطة غرناطة حيث يقيم اليوم وينحت.

هذا المنفى الطوعي لم يمنعه من البقاء على تواصل مع المثقفين السوريين والمشرق العربي عموما، التقدميين منهم بخاصة، وشارك في ملتقيات للتشكيليين هناك، ومارس الكتابة كذلك ( فهو يكتب بالعربية القصة والرواية).

وقد تنامت نشاطاته الثقافية مع بداية ما يُعرف بـ”الربيع العربي” عبر وضع وتوقيع البيانات وحضور ندوات النقاش والمؤتمرات، والمشاركة في صفحات التشكيليين السوريين الداعمين للثورة والمطالبين بديمقراطية علمانية تضمن الحريات وحقوق الإنسان في بلده.

من أعمال النحات السوري

وقد نقل النحات إلى سوريا غالبية نتاجه التشكيلي، حصيلة 25 عاما من العمل، ليفاجأ باندلاع الانتفاضة. كانت غايته عرض مجموعة أعماله في يبرود وهي مدينة قريبة من دمشق حيث يقطن الأهل. كانت كعودة إلى الأرض الأم بعد اغتراب مديد.

هذا المعرض، في “البيت العربي”، وهو أول معرض فردي تنظّمه هذه المؤسسة، يحتوي على منحوتات ورسوم خزفية تعود لمراحل شتى بقيت في أسبانيا، وفيه أعمال تعالج الثورة السورية التي مارسها، وقد أنجز بعض الأعمال في الأسابيع الأخيرة كـ” تحية لنمير” المذهلة بأمتارها الثلاثة، والتي أنجزها خصّيصا لهذا المعرض.

ذلك أن من قضى عقودا خارج بلده وكان يزوره لماما ليلتقي والدته وإخوته، قرّر العودة وتأسيس مشغل له مع بداية الثورة، وقد شارك فيها وشهد اعتقال الجيش لشقيقه نمير في 8 آذار 2012 في إطار حملة مداهمة واعتقالات لم ينج منها الفنان نفسه، لكنهم أطلقوا سراحه. الجهود والمساعي لإيجاد شقيقه وتحريره باءت جميعًا بالفشل وقد قُتل بعد ثمانية أشهر من التعذيب والتجويع.

هذه المحنة القاسية، الخاصة والعامة، عمّقت من الحسّ التراجيدي إزاء الشرط الإنساني الذي كان يسم أعمال عاصم الباشا، شعور يتصدّى له النحّات بموقف التمرّد الدائم الذي يتأتى ماديًا بعمل في المشغل بلا كلل لمنح الحياة لمشاعره فتأتي كثير من جهوده بتعاسة وأسى الكتلة البشرية غير المطواعة.

هذا ما استشفّه صديقه، الكاتب المسرحي الراحل المعروف سعدالله ونّوس ( 1941-1997) بخصوص سلسلة الرؤوس الكبيرة التي أنجزها الباشا في التسعينات ( رأس كبير 1995، في المعرض)، إذ رأى فيها شعورا تراجيديا أكثر منه ساخرا، مع التناقض المقصود من قبل النحّات في جعل تلك الكتل الصلصالية الكثيفة والصمّاء كـ” تعبير قاس للخواء”، المادي والروحي. كما أن الأعمال التي تعالج الخصوبة ( خصوبة غاضبة 1994 وخصوبة مع زهرة 1995 مثالا)، وهي موضوعة تقليدية في تأريخ النحت، لا تأتي عنده كخصوبة سعيدة وواعدة، بل ” خصوبة شقية ومغصوبة.. موسومة بما يقترحه هذا الزمان.. وبطنها يكوره الهواء والخواء”.

هذا ما يقوله ونّوس حول أعمال عاصم الباشا في نص عنوانه “نحت الخواء ” (مترجم في Nación Árabe الرقم 41، سنة 2000 ، الصفحات 145-151).

هذا الانطباع من أنك تقف إزاء إنسانية مهزومة، وربما محتضرة أو هالكة في برزخ الخواء بين عالمنا وعالم الغيب، كما بدت لجينيه Genet منحوتات جياكوميتي التي رآها موجّهة للموتى أكثر منها للأحياء، كما يذكر صائبا ونّوس . ويعيد الأخير منحوتات عاصم إلى التقليد السوري وعلاقته بمدافن تدمر وأولئك الأشخاص المتوحّدين، حتى في الجماعة، بملامح وأزياء مبهمة.

وفي تلك الوجوه الشاردة في رسومه الخزفية التي يعلوها الذهول والسؤال (سلسلة ” وجوه” 2012) وفي الرسوم الذاتية في سباق مخفق مسبقا مع الزمن وقد ارتسمت فيها جراح العالم والنحت. وكذلك في تلك الرقصات الخاوية ( “في البرزخ” 2012، وهو عنوان منحوتة يستعرضها الفنان بقوله ” لا نعرف ما إذا كانت تحتفي بالنصر أو تطلب النجدة أو أنها ترقص”).

كما نواجه في الأقنعة المقلقة المكسورة التي تكاد لا تمسك بنفس من الحياة التي مضت، وفي العاريات المبهمة (سلسلة الرسوم الخزفية ” عاريات” 2012). وفي هذه المحنة للوجود المهدّد نجد السجناء السوريين، الذين يذكرهم الفنان بعمله ” أخي وكل المعتقلين” من سلسلة ” في السجن”، وكل هذه الرسوم أنجزها سنة 2012 خلال الثورة السورية.

نصبه التذكاري “تحية لشغّيلة الأرض” المقام في ضاحية غرناطية يستحق تنويها خاصا، وهو يقدّم في معرضه هذا دراسة تحضيرية عنونها ” زوجان في حالة انتظار” 2005.

عاصم الباشا
ولد في بوينس أيرس عام 1948 من أب سوري وأم أرجنتينية في أصولها المتنوعة لمسة سورية كذلك. انتقل مع العائلة إلى وطن الوالد فتيّا ودرس في جامعة دمشق الفلسفة والفنون الجميلة. سافر بعدها إلى العاصمة الروسية لينهي دراسته للنحت في معهد سوريكوف العالي للفنون الجميلة سنة 1977. التقى في موسكو نيكول فرناندث، رفيقة دربه، ابنة الجمهوريين الأسبان اللاجئين في فرنسا، التي حلّت هناك بنية دراسة السينما.

هذا من أعماله المرجعية والموفقة، فالفكرة والتقنية بلغتا نقطة تلاق تعبيري: امرأة تجلس بجانب رجل، لا يتلامسان، هما معا ومنفصلان في الآن ذاته، في جلسة انتظار صبور ومستسلم بانتظار المطر أو الشمس أو ما يعيلهما.

لا احتفالية في التكوين والجسدان أصابهما شيء من التشوّه، كتلتان من الحركة الداخلية يحرّكهما توتّر وخشية داخلية هما من صلب حياة الفلاح الأندلسي أو السوري أو في أية جغرافية. لكننا نرى في عمله هذا إنسانية تناضل، كما في منحوتته ” تحية للمدافع عن البيئة ” 2005، جسد قوي ورياضي عار، وكأنه روح بروميثيوس، يتبادل نظرة ممعنة مع عصفور لا حول له، وربما مواجها معركة خاسرة.

وفي ” المتظاهرون” 2012 تحية لآلاف السوريين الذين يتظاهرون في المدن والبلدات السورية منذ 2011، عراة الصدر يواجهون الموت للمطالبة بالحرية والعدالة والكرامة، وهي تظاهرات شارك بها الفنان في شوارع يبرود .

نصادف في تجربة عاصم الباشا تنوعا للمواد والتقنيات: الصلصال الناري، الحجر، المعدن، الخشب، عوارض سكك الحديد، فضلات المعادن التي يحيلها طواطم وكأنها تعود إلينا من حضارات قديمة، مؤكّدًا تلك الهيمنة على عقل البشر التي تمارسها تلك الأشكال البدائية التي تحمل لغز علاقتنا مع الغيب ( سلسلة ” طواطم” 2003).

هذا المعرض الهام يجمع أخيرا نتاجا ثمينا لواحد من كبار عمّال النحت العربي، لكنه لم يأت استعاديا، لأن هذا من المحال الآن بعد أن بقي الجزء الأكبر من نتاجه في سوريا، مخفيا ومعرّضا لمستقبل غير مؤكّد، فبعد تعرّض مشغله في يبرود لقصف جيش النظام منذ أشهر خلت، وبعد أن استطاع النحات إقناع سائق آلية حفر قام ذلك على عجل وليلا بحفر حفرة أودع فيها كمّا من المنحوتات وطُمرت بغية الحفاظ عليها.

نأمل أن تعود إلينا قريبا من ليلها التحت أرضي لتناقض مرة أخرى، ولو كان على سبيل التذكير، ذلك الوجه العبثي والمؤلم والهشّ للوجود التي خرج به أولئك الفلاسفة البراغماتيون الأميركان الذين ينفون حياة وفنّ منحوتة مدفونة لأنها خارج شبكة ثقافة الأحياء ( نعتقد أنهم يقصدون ذوي القدرة).

نأمل أن يكون لتلك الأعمال، وقبل كلّ شيء للبشر الناجين، فرصة أخرى على وجه الأرض، وهو ما افتقده قتلى التعذيب والمجازر والقصف الذي يتعرّض له ذلك الشعب الشقيق المتروك لمصيره.

مستعرب ومدرّس تأريخ الفن في جامعة غرناطة

15