أرحام من حجر

لوحات “القبور المفتوحة” التي استطاع الفنان عمران يونس عبرها أن يصل إلى أقصى درجات المعاناة الجسدية والنفسية، استطاع تحويلها في بعض لوحات لاحقة إلى قبور محكمة الإقفال
الجمعة 2018/09/14
أرحام حجرية تستعيد فيها الحياة شكلا آخر غير أرضي

نشر الفنان السوري عمران يونس منذ فترة قصيرة على صفحته الفيسبوكية أعمالا فنية وضعنا من خلالها في الجوّ الذي وصلت إليه تجربته الفنية.

وإن كان لأي ملاحظة فنية أن تفرض نفسها، فهي أن الفنان خرج بلوحته وإن على مسافة قصيرة جدا، من آتون مُرمّد، بأشكال ذائبة ولكن مشحونة بحياة تُعاند الموت بشراسة، أو تنطلق كالصواريخ من أرض الانبعاث/ الموت.

المرحلة التي شيّد فيها الفنان عوالم كابوسية حادة الأطراف كشفرات تنهال على حامليها وضحاياها في آن واحد، امتدت زمنيا ربما امتداد سنوات الحرب السورية التي ولو انتهت الآن، فتداعياتها ستتعاقب مُحدثة تغيرات لن تُعلم هيئاتها إلاّ لحظة تحقّقها على أرض الواقع.

أتخم الفنان لوحاته السابقة لتلك الأخيرة التي نشرها على صفحته أكفانا من جلود بشرية مسلوخة عن أجسداها ومُنتفخة بتخثّراتها تبدو وكأنها لم تفرز إلاّ غازات سامة لوّثت الجوّ المحيط بها، ورسم وتوابيت مُشرعة وأخرى مُتحدة مع أجساد ساكنيها وصناديق مُشقّقة ومُطاولة تخرجت منها مخلوقاتها الحشرية/ الإنسانية مُطلقة صرخات صمّة لا يتلقفها إلاّ الأقفاص الصدرية لأصحابها وهي ترتج توترا فتصدعا.

وبعد تتالي تلك اللوحات التي تكثّفت في أشكال وأبعاد التوابيت المُرتصّة حينا والمتفرعة من بعضها البعض حينا آخر، أعطى الفنان للهياكل العظمية حياة مُتكاملة في تماس مع مخلوقات حيوانية/ أسطورية وناهشة ومنهوشة معظمها تشبه الكلاب الشاردة المُصابة بشتى الأمراض وسوء التغذية.

بعد تلك اللوحات، وربما خلال تقديمها أو العمل عليها خرجت من مرسم الفنان، ربما بما لا يتعدى الخمس مرات، خمس لوحات كبيرة الأحجام كغيرها من اللوحات، ولكن قد تكون من أروع ما قدّم الفنان ليس لقيمتها الفنية بقدر لما استطاعت تحويل تلك التوابيت، أفكارا وأشكالا، إلى أرحام حجرية تستعيد فيها الحياة شكلا آخر غير أرضي.

ففي حين تظهر في لوحاته السابقة قبوره المفتوحة مُرعبة ومُشرعة على ميتات وعذابات آتية، تتخذ قبوره/ الرحمية المُحكمة الإغلاق ملاذا ساكنا تهدئ فيه الأرواح المعذبة لتعيد إنتاج حياة أخرى ببطء شديد لا يعود عبرها الموت موتا ولا الحياة حياة بمفهوم أهل سطح الأرض.

لوحات “القبور المفتوحة” التي استطاع الفنان عمران يونس عبرها أن يصل إلى أقصى درجات المعاناة الجسدية والنفسية، استطاع تحويلها في بعض لوحات لاحقة إلى قبور محكمة الإقفال وتحويلها خلال هذا السياق إلى ما يشبه نقيضا للموت وللعذاب حتى استيلاد فرصة جديدة للحياة.

ليست أي لوحات تظهر فيها الأماكن الموصدة هي المعنية بالوصف المذكور آنفا، بل المقصود فقط تلك البالغة التعقيد من حيث الموضوع، حيث تظهر امرأة تتّشح بسواد أو حمرة ليست جنائزية بقدر ما تحاكي فراغا كونيا من طبقات متعاقبة غير مرئية الحدود تتوالد فيها كواكب ومجرات لا تفي سرية مُطلقة.

كما أن المرأة حين تحضر في تلك اللوحات تظهر وهي تحتضن في رحمها على السواء ذاتها وطفلا لم يفلح اللون الرمادي أن يجعله طفلا ميتا، طفل هي أمه وهو والدها وهما واحد في مصنع لحياة تغلبها وحدة السكينة وسكينة وحدة لا يفقهها من هم لا يزالون على سطح الأرض يتقاتلون وينزفون.

هل تساءلنا في يوم من الأيام لماذا تبدو جميع الصور الفوتوغرافية الحقيقية والعلمية عن الأجنة في الأرحام حزينة بعض الشيء أو كثيرا عند البعض؟

ربما لأنها تستشرف الآتي المُظلم لكل كائن على هذه الأرض، أو على الأقل تحنّ عميقا في جلالة لحظات التكوين إلى تلك السعادة البكماء والصماء السابحة في ماء كوني مُعتم لن يحتضنه إلاّ لأشهر محدودة.

أرحام الفنان السوري عمران يونس الحجرية ترصد هذه اللحظة، ولكن بعد أن عادت إليها الأجنة مُجرحة بلا أعمار كي تهنئ بالعودة إلى حيث كانت قبل أن تكون.

17