أرخص نموذج كهربائي اختبار حاسم لشعبية فولكسفاغن

الشركة الألمانية العملاقة تسرع الخطى لسحب البساط من منافسيها بطراز "آي.دي 3" لدخول مجال ابتكار السيارات الصديقة للبيئة.
الأربعاء 2019/12/04
تسويكاو أول مصنع كهربائي بالكامل لفولكسفاغن

يشكل أول نموذج كهربائي تطلقه شركة فولكسفاغن الألمانية، أحد أكبر المصنعين على مستوى العالم، منعطفا فارقا في تاريخ ابتكار السيارات الصديقة للبيئة، وفق المحللين، كونه يعد رقما صعبا بسبب رخص سعره في سوق تتدافع عليها العشرات من الشركات الناشئة جنبا إلى جنب مع عمالقة المجال المعروفين بإنتاج المركبات ذات محركات الاحتراق الداخلي.

يان بيترمان/ كريستيان رات

تسويكاو (ألمانيا) – تبذل مجموعة فولكسفاغن جهودا غير مسبوقة لدخول مجال ابتكار السيارات الصديقة للبيئة. وقد قدمت نموذجا يتوقع كثيرون أن يكون أيقونة مهمة في سوق يتزايد الاهتمام بها من قبل المنافسين وخاصة الشركات الناشئة.

ولطالما تم توجيه الاتهامات لعملاق صناعة السيارات الألمانية، وعلى مدار وقت طويل، بتعطيل إنتاج السيارة الكهربائية وإبطاء عملية التحول من الوقود الأحفوري التقليدي إلى صناعة المحركات، التي تعمل بالكهرباء.

ويبدو أن فولكسفاغن عكست دفة الأمور حاليا وتتجه بقوة نحو الإنتاج وعلى نطاق واسع لأول سيارة كهربائية في مصنعها ببلدة تسويكاو، في ولاية سكسونيا بعيدا عن المراكز الصناعية الرئيسية.

وبالفعل نقلت الشركة إلى هناك جزءا كبيرا من قطاع الإنتاج لتطلق مشروعا أطلق عليه آي.دي لإنتاج أول نموذج لمركبة صديقة للبيئة.

وستكون السيارة آي.دي 3 أول طراز ضمن سلسلة جديدة تعتزم الشركة إطلاقها لجذب جمهور واسع ولتكون الأساس لطرازات أخرى من السيارات الكهربائية.

ويقول محللون في القطاع إن خطوة فولكسفاغن من الواضح أنها البداية فقط في هذا المشوار الطويل، لجمع كافة الخيوط التكنولوجية المفقودة، في محاولة لتنظيف سمعتها التي تلطخت بعد فضيحة عوادم الديزل.

تحقيق الحلم

يقول رئيس مجموعة فولكسفاغن هربرت ديس عندما بدأ بشكل فعلي إنتاج سيارة آي.دي 3 إنه “لأول مرة نقوم بتحويل مصنع سيارات كبيرة إلى مصنع كهربائي بالكامل”.

كما أشار توماس أولبريتش، المسؤول عن مشروع السيارة الكهربائية بالشركة، في تصريحات صحافية إن “التغيير في النظام سيتم الانتهاء منه على مدى العقدين المقبلين”.

وخلال زيارة للمصنع، أشادت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بالنجاح المستقبلي لهذا التحول. وقالت أمام العمال في العنبر الخامس، حيث سيتم تثبيت المصابيح الأمامية والخلفية من بين أشياء أخرى في السيارة الكهربائية “ستكون مدينة تسويكاو حجر الزاوية في صناعة السيارات الألمانية”.

وقال هولجر هولمان رئيس قسم التجميع “بدأنا ببطء بمعدل ست وحدات من المركبة آي.دي 3 في اليوم”.

ويبدو الحديث عن تغيير النظام، مجرد تصريح رنان، ولكن في حالة آي.دي 3، يبـدو أنه المصطلح المناسب.

وحتى الآن، بالنسبة للعديد من المستهلكين، كانت السيارات الكهربائية، التي تتمتع بقدر أكبر من الاستقلال الذاتي منتجا فاخرا باهظ الثمن وغير عملي بسبب عدم وجود شبكة شحن.

لكن منتج فولكسفاغن الجديد، مختلف، فهي سيارة كهربائية جديدة، مدمجة عائلية صغيرة، وفقا للتصنيف الأميركي، مع بطاريات احتياطية تسمح بالقيادة لمسافة تصل إلى 550 كيلومترا باستقلالية تامة.

ومع انخفاض في سعر البيع للمستهلك أقل من ثلاثين ألف يورو (33 الف دولار)، فإن المركبة آي.دي 3 تستهدف جميع فئات الجماهير ليس في ألمانيا فقط بل في كل بقعة من العالم أيضا.

كما تعد المركبة آي.دي 3 رهانا حاسما لمجموعة فولكسفاغن لسبب آخر وجيه للبعض وهو أن السيارة تعتمد على منصة الدفع الكهربائية المعيارية (أم.إي.بي).

شتيفان براتزل: الأميركيون هم أكثر مصنعي السيارات الكهربائية ابتكارا
شتيفان براتزل: الأميركيون هم أكثر مصنعي السيارات الكهربائية ابتكارا

وكانت فولكسفاغن قد أنشأت تلك المنصة بالتعاون مع شركة فورد في العام 2015 لتصميم سيارة كهربائية سوف تطرح في الأسواق الأوروبية بحلول العام 2023.

ومن المقرر تطبيق تقنية توفر التكاليف أيضا عن طريق استخدام العديد من الأجزاء المتطابقة، في السنوات الثلاث المقبلة في 33 طرازا تنتجها فولكسفاغن.

وتشمل الموديلات التي ستتمتع بتلك التكنولوجيا السيارات المدمجة وحتى سيارات الدفع الرباعي والسيارات الرياضية متعددة الأغراض (أس.يو.في) وسيارات الليموزين.

وتستثمر الشركة الألمانية مليارات اليوروهات في التحول من محركات الاحتراق الداخلي إلى المحركات البديلة، مثلها في ذلك مثل منتجي السيارات الآخرين.

وسوف تستثمر فولكسفاغن إجمالا ما يقدر بحوالي 30 مليار يورو في صناعة السيارات الكهربائية حتى عام 2023، لاسيما في شبكات وأنظمة الدعم.

ومن المرتقب بعد مصنع تسويكاو، أن تدخل فولكسفاغن تكنولوجيا منصة أم.إي.بي أيضا في مصانع إيمدن وهانوفر، في ألمانيا، فضلا عن بعض المصانع في الصين والولايات المتحدة.

ومن المتوقع أن تأتي أنظمة البطارية والقيادة من نفس موردي الشركة في برونزويك وكاسل، وهذا تحد آخر بالنسبة لفولكسفاغن لأن البطاريات باتت محور صراع بين الشركات كونها الكابوس الأكبر بالنسبة للمستهلكين.

وستشيد فولكسفاغن في سالزجيتر، مصنعا لخلايا البطارية الخاصة بها للسيارات الكهربائية مع شريكها السويدي نورثفولت اعتبارا من العام المقبل.

وفي محاولة لتعزيز شبكة الشحن في ألمانيا، أكدت ميركل أنه ينبغي أن تكون في بلادها مليون محطة لشحن السيارات الكهربائية خلال العقد المقبل.

وقالت “من أجل هذه الغاية، نريد إقامة مليون نقطة شحن بحلول عام 2030 ويتعين على الصناعة المساهمة في هذا الجهد، هذا ما سنتحدث عنه”.

وبحسب التقديرات الرسمية لهيئات صناعة السيارات في البلاد، فإن ألمانيا تمتلك في الوقت الحاضر نحو 20 ألف نقطة شحن فقط.

خطط التوسيع

منتج فولكسفاغن الجديد، مختلف، لأن آي.دي 3 سيارة كهربائية، مدمجة عائلية صغيرة، وفقا للتصنيف الأميركي، مع بطاريات احتياطية تسمح بالقيادة لمسافة تصل إلى 550 كيلومترا باستقلالية تامة
منتج فولكسفاغن الجديد، مختلف، لأن آي.دي 3 سيارة كهربائية، مدمجة عائلية صغيرة، وفقا للتصنيف الأميركي، مع بطاريات احتياطية تسمح بالقيادة لمسافة تصل إلى 550 كيلومترا باستقلالية تامة

خلال اجتماع لشركات صناعة السيارات مع الحكومة الألمانية عقد مؤخرا في برلين، اتفق الخبراء على الحاجة الملحة إلى توسيع نطاق تصنيع السيارات الكهربائية، أخذا في الاعتبار أن ألمانيا متأخرة بالفعل في هذا المضمار.

واتفق خلال اللقاء الذي عقد بمقر المستشارية رجال السياسة والصناعة على زيادة الدعم القائم بالفعل لشراء سيارات كهربائية بالإضافة إلى زيادة أعداد محطات وشبكات الشحن.

وذكرت الحكومة في بيان حينها إنه “يجب استغلال الفرص التي يتيحها التغير التكنولوجي استغلالا كاملا لتحقيق قيادة أكثر صداقة للمناخ وينعكس فيها بصورة أكبر التحول الرقمي، ويجب أن تظل ألمانيا رائدة على مستوى العالم في صناعة السيارات في المستقبل”.

وبالمثل، فإن التغيير ضروري أيضا في ما يتعلق بسياسة حماية المناخ، ففي عام 2021 يتوقع أن يتم تطبيق لائحة أكثر صرامة للاتحاد الأوروبي بشأن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

وإذا لم تبع شركات صناعة السيارات ما يكفي من السيارات الكهربائية، فقد تواجه غرامات تقدر بمليارات اليوروهات.

وفي خضم ذلك كله، فإن الكثير من المنتقدين لا يؤمنون بمقترح فولكسفاغن “الأخضر”، خاصة في ما يتعلق بسيارات الدفع الرباعي.

ويرى إرنست كريستوف شتولبر، نائب رئيس المنظمة البيئية خلال حديث مع وكالة الأنباء الألمانية، أنه لا يكفي فحسب تثبيت المحركات الكهربائية في السيارات الكبيرة.

ومع ذلك تتعهد فولكسفاغن بأنه مع المركبة الكهربائية آي.دي 3 لن تحدث انبعاثات إضافية لثاني أكسيد الكربون بين سلسلة التوريد والإنتاج والتجار.

وفي الحالات التي يتعذر فيها تجنب ذلك، ستقدم شركة السيارات “تعويضا” من خلال التعاون مع مشاريع حماية المناخ.

تحديات مزعجة

تحقيق قيادة أكثر صداقة للمناخ
تحقيق قيادة أكثر صداقة للمناخ 

بداية فئة السيارات الكهربائية تبدو طموحة للغاية، إلا أن هناك بعض المعوقات، فبالإضافة إلى حجم الطلب غير الواضح، ما زال يتعين على فولكسفاغن استيعاب الأعباء المالية الناجمة عن فضيحة التلاعب بحجم انبعاثات محركات الديزل رغم أنها سجلت مؤخرا زيادة كبيرة في الأرباح.

في المستقبل، سيكون موضوع النقاش الرئيسي بين مجالس إدارة الشركة والنقابات هو نقل المزيد والمزيد من الوظائف في قطاع محركات الاحتراق الداخلي إلى المحركات التي تعمل بالكهرباء، الأمر الذي يتطلب يدا عاملة أقل.

وفي الوقت الراهن، يتلقى الموظفون البالغ عددهم 8 آلاف شخص في تسويكاو، والذي سيكون من أكثر مصانع فولكسفاغن اعتمادا على سياسة الأتمتة أو التشغيل الآلي، التأهيل اللازم.

وتدعم لجنة الشركة الخطط، ويقول يان روث، ممثل العمال في ولاية سكسونيا “سوف يكون مصنع تسويكاو بمثابة كاسحة الجليد للمجموعة”.

ويؤكد روث أنه في البداية لم يكن الجميع متحمسين للتحول، ومع ذلك “بدأنا نختبر وضع خسارة الوظائف البسيطة، لكن في الوقت نفسه نشهد زيادة في الوظائف الأكثر كفاءة وتأهيلا”.

وكما ذكر مايكل دوغلاس في فيلم وول ستريت “المال لا ينام”، يؤكدون في عالم صناعة السيارات أن “المنافسة أيضا لا تنام”، فقد كانت شركة بي.أم.دبليو، رائدة في مجال التحول إلى المحركات الكهربائية.

وقدمت الشركة الألمانية نفسها من خلال فئة آي.دي 3 في قطاع السيارات التي تعمل بالكهرباء الصغيرة، وقد سجلت مبيعات ثابتة، في حالة جمع إجمالي مبيعات السيارات الكهربائية مع الهجين.

وعلى الرغم من ذلك، فإن رئيس مجلس إدارة بي.أم.دبليو، أوليفر زيبسي، لم يقرر إلى الآن ما هو نوع المحرك الذي سيتبناه لمركبة المستقبل.

في المقابل، تراهن شركة دايملر الألمانية على السيارة إي.كيو.كيو في فئة السيارات الكهربائية، وخاصة طراز أس.يو.في وإي.كيو.سي وإي.كيو.في من فئة المركبة الميني باص أو الحافلة الصغيرة.

وووفقا للمحلل فرانك شوبه من بنك نورك أل.بي، فإن المركبة آي.دي 3 ستتيح لشركة فولكسفاغن التمتع بميزة أولية في البيع بالجملة. وقال إن “فولكسفاغن تبذل جهدا رائعا في تصنيع المركبات الكهربائية”.

ويبقى أن يرى المتابعون ما إذا كانت الشركة الألمانية ستلحق بمنافستها تسلا، الشركة الأميركية الناشئة المتخصصة في صناعة السيارات الكهربائية، والتي أسسها إيلون ماسك.

ويعتقد شتيفان براتزل، مدير مركز إدارة السيارات في جامعة بيرجيش غلادباخ للاقتصاد في ألمانيا، أن الأميركيين “بفارق كبير” هم أكثر مصنعي السيارات الكهربائية ابتكارا.

ومع ذلك، يضيف الخبير أن فولكسفاغن تقتحم “دائرة الأفضل”. وتتوقع ميركل أن يحدث هذا أيضا لذلك تبرز أنه “من المهم تسريع بدء تشغيل السيارات الكهربائية للإنتاج بالجملة”.

وبهدف الإطاحة بشركة تيسلا الأميركية من على عرش السيارات الكهربائية الفارهة، كثفت فولكسفاغن تحركاتها في كافة الاتجاهات مؤخرا وخاصة بعد توجيه بوصلتها إلى الصين في مسعى لتحويلها إلى قاعدة لغزو طرقات العالم مستقبلا.

17