"أردغنة" تركيا تتقوّى باستنساخ نموذج "بوتين مدفيديف" بين أردوغان وداود أوغلو

الخميس 2015/11/05
في حال إقدام أردوغان على تغيير منظومة الحكم فلا يوجد أي ضامن يحول دون استحضار لعبة تبادل الأدوار

لم تكن الانتخابات التركية انتخابات استقراء آراء الشعب واستبيان مواقفه السياسية بقدر ما كانت “اختطافا” لأصوات المقترعين لتوظيفها في إحداث تغيير هيكلي صلب نظام الحكم في البلاد يلبي طموحات الرئـيس رجب طيب أردوغان في الحكم والتحكّم وفي بسط هيمنته على كامل المشهد السياسي.

كانت أجندة أردوغان هي المحركة للاستحقاق الانتخابي، ولو كان الشعب التركي هو المقصد والغاية لاحترمت إرادته في الجولة الأولى من التصويت ولتحرك الفاعلون السياسيون وفق جغرافيا الاقتراع التي حدّدها الناخب التركي دون الالتجاء إلى إعادة الانتخابات وتجيير “منظومة ترهيب الصحفيين” و“تكميم الأفواه” وتجفيف منابع الأصوات المعارضة في تركيا خدمة لمطامع ومطامح أردوغان. وحدها المقاربة “السيكيولوجية السياسية” قادرة على تحليل مسلكية الحكم لدى الرئيس التركي.

“أردغنة الدولة” قد تكون واحدة من العبارات السياسية المؤهلة لتفسير ظاهرة تحويل “الدولة التركية” إلى أسطوانة طاحونة تدور مع قطب الرحى إلى درجة يصبح معها تغيير الدستور وتبديل نظام الحكم السياسي وتهميش مؤسسة رئاسة الحكومة على حساب مؤسسة الرئاسة -وهي أمور ميثاقية شعبية في كافة الديمقراطيات- أمورا عادية طالما أنّها تتنزّل في سياق “تلازمية” الصلاحيات مع الفاعل السياسي الوحيد في تركيا.

وفي حال إقدام أردوغان على تغيير منظومة الحكم من برلماني تشاركي إلى رئاسي أحادي، فلا يوجد أي ضامن يحول دون استنساخ نموذج “بوتين مدفيديف” واستحضار لعبة تبادل الأدوار بين فاعل مركزي حقيقي وتابع هامشي، حيث تنصهر الصلاحيات لدى شخص واحد وتتدثّر في كلّ عهدة انتخابية إمّا برداء رئاسة الجمهورية أو بقميص رئاسة الحكومة.

هكذا يكون حزب العدالة والتنمية أوّل الخاسرين في “أردغنة الدولة”، فالحزب الذي اقترب من الشعب التركي ووجد له حلولا معقولة في فترات اقتصادية صعبة وحرجة، سيجد نفسه خارج منظومة الحكم والحكومة وعلى هامش “المركز” السياسي الجديد لا فقط لأنّ النظام الرئاسي يؤسس للشخص الفرد قبل المجموعة النيابية -على عكس النظام البرلماني الذي يؤصل للمجموعة قبل الذات- ولكن أيضا لأنّ أردوغان شخصية “استيعابية” للسلطة واستفرادية بالقرار والخيار وفي كلّ حقبة من حقب مشواره السياسي كان يقتل “الأب” ومن ثمّة “الأخ” ليصل إلى قلب “السلطة” في زواج كاثوليكي لا طلاق بعده.

من واجب العقل السياسي العربي أن يحول دون نمذجة الواقع التركي وإسقاطه على المشاهد السياسية العربية

هكذا يشهد مشواره السياسي مع مؤسس حزب السعادة نجم الدين أربكان، أب الإسلام السياسي التركي. وهكذا كانت مسلكيّته مع أخيه في العدالة والتنمية عبدالله غول وصديقه الاقتصادي علي باباجان. وهكذا كان تصرّفه مع “أخيه” في الدعوة والسياسة فتح الله غولن دون التطرق إلى حلفاء إقليميين كانوا بالأمس أصدقاء وأحبّاء وصاروا اليوم في مرمى رصاص أردوغان.

قليلة جدّا هي الديمقراطيات الرئاسية -فرنسا وأميركا فقط – ونادرة أيضا الديكتاتوريات البرلمانية، وعندما ينتقل أي نظام سياسي من برلماني تشاركي إلى رئاسي ضيّق، فهذا مؤشر على بداية انحدار واستهلال انغلاق سياسي سيّما أن ترادف هذا الأمر مع استهداف للمؤسسة القضائية وهرسلة للصحافة الحرّة المستقلة مع تصويب دائم نحو المعارضة السياسيّة واستفراغ منهجي لمفهوم ومضمون “الفضاء العمومي” في تركيا.

في كلّ استحقاق انتخابي كانت التيارات اليمينية المحافظة -نشدّد على هذا المصطلح لتنزّله في سياق البيئة التركية- توظّف نتائجها لصالح الجماعة المتحزبّة لا المجموعة الوطنية فمن تونس حيث عملت النهضة على “تجيير” الانتخابات لوضع تونس في محاور إقليمية تراهن على الإخوان وترهن مستقبل الدولة في مكاتب الإرشاد إلى مصر التي تحوّلت صناديق الاقتراع في 2012 إلى ورقة بيضاء لأخونة الدولة المصريّة وليس انتهاء بليبيا التي عمد الإخوان بعد استحقاق 2012 إلى وضع أياديهم على ما تبقى من مقدرات ومقومات السلطة وصولا إلى النموذج التركي العامل على تجيير المجموعة لصالح الجماعة والجماعة لحساب الفرد.

من الخطإ الأخلاقي والسياسي أن يصادر التحليل حقّ الشعب في التصويت والاقتراع لمن يرى أنّه الأكثر تأهيلا وقدرة على القيادة، ولكن من واجب العقل السياسي العربي أن يحول دون نمذجة الواقع التركي وإسقاطه على المشاهد السياسية العربية، وهو مدار عمل العقل الإخواني المتمحور حول “المغالبة” لا “المشاركة” و“الهيمنة” لا “التوافق” و“الأردغنة” لا “الدمقرطة”.

6