أردموته هيلر: العرب مظلومون ولا يحسنون الدفاع عن أنفسهم

السبت 2013/08/17
أردموته:أرتاب من كل كاتب لم يعش تجربة السجن

في شقّتها البديعة في قلب ميونيخ، بالقرب من ساحة "اليزابيت" الجميلة، تحبّ "أردموته هيلّر"، الصّحافية، والمستشرقة الألمانيّة المعروفة، والتي اعتزلت الصحافة منذ أزيد من عقد، أن تستقبل زوّارها وأصدقاءها القدماء لتتحدث معهم عن الماضي القريب والبعيد، وعن الشّخصيّات التي التقت بها وتحاورت معها حول قضايا سياسيّة أو ثقافيّة أو فلسفيّة أو غير ذلك. هنا حوار معها خاص بـ«العرب» حول تجربتها مع الثقافة العربية.

"أردموته هيلّر" عاشت فواجع الحرب الكونيّة الثّانية وهي فتاة صغيرة. وبعد أن درست الفلسفة، والصّحافة في جامعة ميونيخ، انجذبت إلى الشرق وسافرت بالقطار إلى إسطنبول لتمضي هناك سنتين تعرفّت خلالهما على الحياة الثقافيّة والسياسية في تركيا.

بعدها سافرت إلى القاهرة لتتعلّم اللّغة العربيّة، وهناك تعرّفت على البعض من الشخصيّات الأدبية والسياسيّة، وأعجبت كثيرا بأنيس منصور الذي أتاح لها فرصة التعرّف على خفايا الحياة الثقافيّة في مصر خلال النصف الأوّل من القرن العشرين، وعن هذا تقول: "لقد ساعدتني الفترة القصيرة التي أمضيتها في القاهرة على أن أمحو من ذهني الصّورة البشعة التي كانت تروّجها وسائل الإعلام الغربيّة عن العرب، وعن ثقافتهم، بل أحسست أن العرب مظلومون غير أنهم لا يحسنون الدّفاع عن أنفسهم، وهذا هو عيبهم الكبير الذي أضرّ بهم كثيرا وجعلهم يعيشون أزمات متتالية ويفقدون ما كان سيسمح لهم بأن يحققّوا نجاحات هائلة في مجالات متعددّة".


بلد الصبار المر

رسالة الشاعر التركي عزيز ناسين الى أردموته


انطلاقا من مطلع الستينات من القرن الماضي، شرعت "أردموته هيلّر" في الكتابة في كبريات الصّحف، والمجلات الألمانيّة. كما أنها أنجزت العديد من البرامج الإذاعيّة التي لفتت انتباه المستمعين لطرافتها وخفّتها. وكانت جلّ المواضيع التي انشغلت بها في عملها الصحفيّ منصبّة على القضايا السياسية والثقافيّة في العالم العربي، وأيضا على القضايا التي يثيرها الإسلام في الغرب.

وفي الثمانينات من القرن الماضي، أشرفت أردموته هيلّر على إصدار مجلّة "فكر وفن" الموجّهة إلى العالم العربي. وقد نجحت في ذلك إلى حدّ كبير. كما أنها أشرفت على إصدار انطولوجيّتين عن دار "باك" الشهيرة. الأولى عن القصّة العربيّة، والثانية عن الفكر العربي في القرن العشرين.

بعد الهزيمة التي مني بها العرب في حرب 67 الخاطفة، قرّرت "أردموته هيلّر" إنجاز فيلم وثائقيّ عن معاناة الفلسطينيين في الأراضي المحتلّة من قبل إسرائيل. وعن ذلك تقول: "كان من الصّعب جدّا الدّفاع عن الفلسطينيين في ألمانيا بعد كارثة الحرب الكونيّة الثانية.

وكان الصحافيّون والكتّاب يتطرّقون إلى قضايا الاحتلال التي تعاني منها شعوب في أفريقيا وآسيا غير أنهم كانوا يتجنّبون جميعا الخوض في القضيّة المتعلقة بالفلسطينيين. وكان اليهود المقيمون في ألمانيا ينشطون كثيرا للدفاع عن إسرائيل حتى ولو كانت ظالمة. مع ذلك تجاسرت وعرضت على إدارة التلفزيون في ميونيخ فكرة إنجاز فيلم عن الفلسطينيين في الأراضي المحتلّة فقبلت ذلك بعد كثير من التردّد.

في إسرائيل تعرضت والفريق الذي كان معي لعديد من المضايقات من قبل السلطات الأمنيّة. فقد منعتني تلك السلطات من تصوير العديد من المشاهد التي تعكس معاناة الفلسطينيين في ظلّ الاحتلال. لذا كان عليّ أن أتحايل أكثر من مرّة لتصوير مثل تلك المشاهد.

وعند عودتي إلى ميونيخ، هاجمني اليهود، وحاولوا بشتّى الطّرق والوسائل منع عرض الفيلم الوثائقي الذي أنجزته، والذي كان بعنوان "بلد الصبّار المرّ"، غير أنهم لم يفلحوا في ذلك. وقد لعب الفيلم دورا كبيرا في تعريف الألمان بحقيقة ما يجري في الأراضي المحتلّة".

وأثناء إنجازها لفيلم "بلد الصّبّار المرّ"، تعرّفت أردموته هيلّر على رايموندا الطويل، والدة سهى التي ستصبح فيما بعد زوجة الراحل ياسر عرفات، وعنها تقول: "قبل أن ألتقي بها، كنت قد قرأت سيرة رايموندا الطويل التي تروي فيها الفواجع التي عاشتها، وعاشها الفلسطينيّون منذ نشوء الدولة العبريّة عام 1948.

وقد أعجبت بشجاعتها وبمواقفها الوطنيّة الصّلبة. لذا حرصت على أن تكون حاضرة في الفيلم. وقد صوّر الفريق التلفزيوني الذي كان معي ابنتيها سهى وديانا، التي ستتزوّج في ما بعد من إبراهيم الصّوص ممثل منظمة برالتحرير الفلسطينية في باريس، وهما في سنّ المراهقة. بعد ذلك ببضع سنوات زارتني رايموندا الطويل في ميونيخ، ومعها تجوّلت في مدن ألمانيّة أخرى بما في ذلك العاصمة بون.

والأمر الذي أزعجني كثيرا هو أنني وجدت نفسي أمام امرأة تبالغ في الاهتمام بمظهرها الخارجي، وتمكث طويلا أمام المرآة، وتغيّر فساتينها باهظة الثمن أكثر من مرّة في اليوم الواحد. وأعتقد أن هذا السلوك لا يمكن أن يليق بامرأة قدمت إلى ألمانيا للدفاع عن قضيّة شعبها. لكن في ما بعد، أدركت أن رايموندا الطويل مفتونة بالسلطة والمال أكثر من أيّ شيء آخر. وهذا ما يفسّر حرصها على تزويج بناتها الثلاث من قادة فلسطينيين كبار".


محفوظ والنيل

قال لي نجيب محفوظ: "منذ أكثر من أربعين سنة لم أقم بجولة في مركب على النيل"


في الثمانينات من القرن الماضي، أنجزت "أردموته هيلّر" فيلما وثائقيّا آخر عن الكاتب الكبير نجيب محفوظ وذلك قبل أسابيع قليلة من نيله جائزة نوبل للآداب، وهي تقول عن تفاصيل إنجاز هذا الفيلم: "عندما عرضت فكرة الفيلم الوثائقي عن نجيب محفوظ الذي أذهلني عندما قرأت رواياته، رفضت إدارة التلفزيون في ميونيخ الفكرة بدعوى أنه- أي نجيب محفوظ- غير معروف في ألمانيا، ولم تقبلها إلا بعد أن أقنعتها بأنّ رواياته تعكس الحياة اليوميّة، والاجتماعيّة في القاهرة التي تفتن كمدينة شرقيّة الكثير من الألمان.

في لقائي الأوّل به في مدينة الاسكندريّة في بداية خريف 1988، لفت نظري نجيب محفوظ بتواضعه، وإنسانيّته، وصدقه، وصمته الذي يطول أحيانا مثل صمت كلّ الحكماء. وقد أمضيت والفريق الذي اصطحبني ثلاثة أسابيع مع نجيب محفوظ.

وفي كلّ يوم، كنت أزداد إعجابا به، وبشخصيّته الدافئة والعذبة. فقد كان دقيقا في مواعيده، وبليغا في كلامه، فلا ثرثرة، ولا حشو، ولا مبالغات على طريقة بعض الكتّاب العرب الآخرين. لا أنسى أبدا الأوقات السعيدة التي أمضيناها معه في مقهى "علي بابا " في ميدان القاهرة، والذي كان يرتاده كلّ صبح لشرب "قهوة سادا"، وقراءة الصّحف.

وقد لاحظت أنه يتوقّف طويلا عند صفحة الوفيّات في جريدة الأهرام. وثمّة مشهد لن أنساه أبدا: فقد عرضنا عليه جولة في مركب على النيل، فتردّد في البداية خصوصا وأنه كان يعاني من نقص في النظر. لكنه قبل في النهاية.

وفي لحظة ما سمعته يقول بارتباك، وفي بهجة الطفل : "منذ أزيد من أربعين سنة لم أقم بجولة في مركب على النيل". وكنّا على وشك الانتهاء من إنجاز الفيلم لما أعلنت الأكاديميّة السويديّة عن فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل للآداب. وكان ذلك الفوز انتصارا لي أمام إدارة تلفزيون ميونيخ التي تلكّأت في قبول فكرة الفيلم. وأذكر أن نجيب محفوظ قال لي بعد أن أهدانا التصريح الأول بعد فوزه بالجائزة: انتم (يقصد الفريق التلفزيوني) مهّدتم لي للفوز بالجائزة".


أرجوحة الكتابة


أنجزت "أردموته هيلّر" أفلاما وثائقيّة أخرى عن المثقفين العرب المقيمين في باريس، وعن الثقافة الشعبيّة في المغرب، وعن الكاتبين التركيين الكبيرين يشار كمال وعزيز ناسين، وعنهما تقول: "أمضيت مع يشار كمال صاحب رائعة "محمد النّحيف" أزيد من أسبوعين.

وهو يقيم في بيت جميل في قرية على ضفاف البحر في ضواحي إسطنبول. جميع أهالي القرية، بمن فيهم الأطفال، يعرفونه، ويحترمونه كثيرا. وهو يتعامل معهم كما لو أنّهم أهله، وعشيرته. ودائما يحبّ أن يتحدث معهم، ويتبادل معهم الطرائف والحكايات. وأكثر من مرّة دعاني لتناول الغداء، أو العشاء في مطاعم متخصصّة في إعداد أطباق السّمك.

يشار كمال، مسكون بعالم القرية الصّغيرة في جبال الأناضول التي أمضى فيها طفولته، وسنوات مراهقته. وهذا ما يفسّر حضورها الدائم في كلّ ما كتب من روايات، وقصص. كما أن جميع أبطاله من تلك القرية.

ويبدو أن الحدث المأساوي الذي شهده في طفولته هوالأكثر تأثيرا في حياته، وفي كتاباته. فأمامه قتل والده من قبل غريم له. ويعود إعجاب القرّاء بأعماله إلى قدرته الفائقة على تحويل الحياة في قريته، والأحداث التي عاشها في طفولته إلى ملحمة عجيبة.

ولاحظت أنه شديد الانشغال بالقضايا السياسية في بلاده. وهو دائم الانتصار للمظلومين، والمضطهدين. وأذكر أنه قال لي : الكتّاب في تركيا محكوم عليهم أن يكونوا دائما إلى جانب الشّعب، وضدّ السّلطة.. . لذا يمكنني أن أقول إنني أرتاب من كلّ كاتب هنا في تركيا لم يعش تجربة السّجن، فالسّجن حسب رأيي هو "أرجوحة" الأدب في بلادنا".

رسالة يوافق فيها نجيب محفوظ على إجراء لقاء لصالح التلفزيون الألماني

وعن عزيز ناسين (1915-1995)، تقول "أردموته هيلّر": "ناسين في اللّغة التركيّة تعني: من أنا؟ ويعود سبب اختيار عزيز لهذا الاسم إلى الأمر التّالي: ففي عام 1933، صدر في ظلّ حكم مصطفى كمال أتاتورك أمر يقضي بوجوب أن يختار كلّ مواطن تركيّ اللّقب الذي يبتغيه. فكانت اختيارات الكثيرين متناقضة مع طبائعهم، ومع شخصيّاتهم.

المعروفون بالجُبن مثلا اختاروا ألقابا توحي بالشجاعة، والصّلابة، والجرأة. والذين يتّصفون بالبخل، اختاروا ألقابا تنمّ عن الكرم، والسّخاء. وكذا حدث مع من يتّصفون بغلظة الطبّع، وفساد النفس، ومع المحتالين، والدجّالين وغيرهم. وعزيز الذي أتقن مبكّرا فنّ السّخرية، والدّعابة السّوداء التي تتميّز بها كتاباته، اختار : من أنا؟ لقبا له ".

تضيف "أردموته هيلّر" قائلة: "لقد عاش عزيز ناسين طفولة قاسية جدّا، وربّما لهذا السبب قرّر مبكّرا أن ينتصر للفقراء، والمظلومين. وعندما أصبح كاتبا مشهورا، أنشأ مدرسة للأطفال بماله الخاص، وكان يرعاهم كما لو أنّه والدهم. وقد ذكر لي أنه سجن مع ناظم حكمت في سنوات شبابه الأولى. وفي السّجن، كتب بعض القصائد. وعندما عرضها على ناظم حكمت، نصحه هذا الأخير بأن يكتب النثر".

ويقول عزيز ناسين إنّ هذه النصيحة من الشّاعر الكبير كانت نافعة للغاية إذ أنه وجد في النثر ضالّته المنشودة، وبواسطته تمكّن من أن يبدع أعمالا أبهرت القرّاء في تركيا، وفي جميع أنحاء العالم. وقد تميّزت هذه الأعمال بالطرافة وبالسّخرية اللّاذعة والقدرة على التّكثيف مثلما فعل تشيكوف الذي يعتبره عزيز ناسين معلّما كبيرا.

17