أردنيات يرفضن إجراء فحص سرطان الثدي لأسباب ثقافية وعائلية

موروث ثقافي جعل المرأة تختار الأسرة والزوج على سلامتها، والفقر ونقص الوعي سببان مباشران للإحجام عن الفحص.
الجمعة 2018/11/09
البيت والأولاد أهم

عمان – تشيح هلا وجهها بسرعة عن إعلان “أوعدينا تفحصي”، حالها حال الكثير من الأردنيات اللواتي يمتنعن عن إجراء الفحص المبكر للكشف عن سرطان الثدي، في استسلام لأفكار وعادات وثقافة رسخها المجتمع في عقولهن، رغم التأكيد العلمي أن هذا المرض يعد أكثر أسباب الوفاة بين النساء.

وتمتنع هلا التي شارفت على عقدها الرابع وسواها كثيرات عن زيارة الأطباء، ويقنعن أنفسهن بأن المرض لن يصيبهن، وتركز هلا في تفكيرها على أن اكتشاف سرطان الثدي يعني الخضوع لعلاج كيمياوي “ينهي الحياة الزوجية”، وهو ما يشكل كابوسا لها، لذا فإنها تختار ألا تفحص وأن تستمر في حياتها بشكل طبيعي مهما كانت النتيجة.

وتوضح هلا “إذا انكسر إصبعي فسيكون ذلك مبررا ليقدم زوجي على الزواج من ثانية، فما بالك إذا كان المرض هو السرطان؟”. وتؤكد أنها تشاهد الإعلانات التي تحث على الفحص المبكر، لكنها لا تدقق بها ولا تهتم لها ولم تفكر بخطورة تأخرها في الفحص الدوري.

وتقول أمل داود “في حالة واحدة من الممكن أن أذهب إلى الفحص وهي أن يكون في العائلة مصاب بهذا المرض، أي أن السجل المرضي قد يلزمني بالتأكد من عدم وجود المرض”. أما رنا التي بلغت العشرين سنة، فتقول إن إحدى زوجات أشقائها تحثها دائما على إجراء الفحص المبكر، ورغم ظهور علامات المرض لديها، إلا أنها ترفض الذهاب. وتضيف أن “الخجل قد يكون سببا آخر للإحجام عن الفحص، إذ من الصعب الحديث مع الأم أو الأب في شأن فحص الكشف عن السرطان”، رغم أنها تدرك أن ذلك أوصل كثيرات إلى الموت بعد أن تركن السرطان ينال منهن شيئا فشيئا.

وتبرر فاطمة نصر عدم قيامها بالفحص المبكر بأنه لم تجر العادة في أسرنا ومجتمعنا بالقيام بهذا النوع من الفحص وتقول “إننا نتمسك بالأمل في أن يبعده الله عنا، رغم أن الإصابة به قضاء من الله وقدره”.

الكثير من النسوة يرفضن الكشف المبكر من باب الخجل أو خشية من ردة فعل الزوج والأسرة ورفض الإحساس بالشفقة

وتظهر الأرقام الرسمية الأردنية للعام 2017 وجود نحو 5 ملايين أنثى من مجموع عدد السكان البالغ أكثر من 10 ملايين نسمة، وتشير الأرقام الى أن عددا كبيرا من النساء في عمر أقل من السن المنصوح بالقيام فيه بالكشف المبكر عن وجود سرطان الثدي لديهن المرض وهن في العشرين فما فوق.

وحسب أرقام السجل الوطني للسرطان في الأردن، فإن العمر الأكثر تكرارا في الإصابة بهذا المرض الخبيث فهو الخمسين، وتشير الإصابات بهذا السرطان حسب الأرقام الرسمية إلى أن النسبة الأعلى كانت بين المتزوجات بنسبة بلغت 73.7 بالمئة، و8.7 بالمئة بين العازبات، و12.3 بالمئة بين النساء المدخنات.

واكتشفت 21 بالمئة فقط من حالات هذا النوع من السرطان في مراحل مبكرة، و10.3 بالمئة كانت في مرحلة متقدمة عند التشخيص، و24.3 بالمئة في حالة مبكرة متوسطة، بينما احتلت العاصمة عمان النسبة الأكبر بسرطان الثدي، وبنسبة بلغت 57.8 بالمئة من جميع الإصابات في المملكة.

وتؤكد بيانات وزارة الصحة أنها تقوم بفحص 90 ألف سيدة سنويا، وتدرب 100 ألف سيدة على مهارات الفحص الذاتي، ذلك أن زيادة الوعي بفضل حملات التثقيف ساهمت في اكتشاف 1200 حالة سرطان ثدي خلال هذا العام.

وتقول أستاذة علم الاجتماع بالجامعة الأردنية ميساء الرواشدة، إن “بعض الاعتبارات تطغى على وعي المرأة بخطورة مرض سرطان الثدي، بل إن بعض النساء يفضلن الموت على أن يقمن بعملية الفحص واكتشاف المرض”.

وتلفت الرواشدة إلى أن العوامل النفسية لدى المرأة ومدى تقبلها لفكرة الفحص المبكر، يعدان من أهم أسباب تجنب الفحص المبكر وتوضح أن “ثدي المرأة يشكل إحدى أهم الصفات الأنثوية في ثقافتنا لذلك فإن بعض النساء يفضلن الموت على فكرة الاستئصال، فيما يغيب التفكير في احتمالات الإصابة بالمرض وتحرص المرأة على أن تبقى جميلة في عين زوجها والمجتمع المحيط بها”.

وتتجنب بعض النساء مواجهة المرض بمسلمات القضاء والقدر فتهيمن عليهن فكرة “أنا ميتة لا محالة، بالسرطان أو بسواه، فحصت أو لم أفحص”، وتشير المختصة في علم الاجتماع إلى أن مفهوم التضحية يسيطر على المرأة “فحتى لو بدأت علامات إصابتها بسرطان الثدي فسوف تتهرب بأسباب مؤقتة، لتأجيل إجراء فحص الكشف عن السرطان وربطه بالانتهاء من واجب معين مثل زواج البنت أو الولد أو انتهاء امتحان الثانوية العامة”.

طريقة التفكير تحول دون حرص المرأة على صحتها وتجعل كثيرات من المصابات بالسرطان يخسرن حياتهن بسبب الامتناع عن القيام بالكشف في الوقت المناسب

وتصف الرواشدة هذه الحجج بالتضحية الغبية، إذ تضحي الأم بصحتها اعتقادا بأنها تحمي الأسرة من ألم مواجهة المرض معها ولا تدرك أنها بذلك تدمر الأسرة بفقدان محورها الأهم وهو الأم، مؤكدة أن الأردنيات يتعاملن مع سرطان الثدي بالعاطفة وليس العقل، إذ أن الكثير من النسوة يرفضن الكشف المبكر من باب الخجل من الفحص أو خشية من ردة فعل الزوج والأسرة والمحيط الاجتماعي ورفض الإحساس بالشفقة والضعف.

وترى الرواشدة أنه بالنسبة للراغبات في الزواج فهن يرين أن الفحص الطبي أو الكشف المبكر قد يقلل من فرصهن في الارتباط، وهو “منحى للتفكير يجب أن يبتعدن عنه فحياتهن هي الأهم”.

وتلح المختصة على أنه لا سبيل لمواجهة هذه الطرق الخاطئة في التفكير وتحديدا في النظرة لفحص سرطان الثدي إلا أن تتخذ التوعية الإعلامية نهجا أكثر عمقا وإقناعا، كأن تورد أمثلة حيّة لأسر فقدت الأمهات بفعل رفض فحص الكشف عن السرطان. مشيرة إلى أن التكلفة المادية العالية لفحص الكشف عن سرطان الثدي تلعب دورا مؤثرا في إحجام الكثير من النساء عن إجرائه.

ويظل الدور الذي يلعبه نقص الوعي بمخاطر المرض وبوجود فرص أكبر للنجاة والشفاء كلما كان الفحص مبكرا، أهم أسباب عدم إقبال النساء في الأردن على إجراء الكشف المبكر. غير أن العوامل الاجتماعية والأسرية والموروث الثقافي الذي يقوم على الخجل من الفحص ذاته والخوف من خسارة الأنوثة ومن خسارة الزوج، بجانب اهتمام الأم بالبيت والأبناء أكثر من اهتمامها بصحتها وحياتها هي الأسباب الأعمق. 

21