أردنيات يقتحمن ميدان العمل كسائقات عبر التطبيقات الذكية

الثقة في النفس تدفع النساء إلى دخول مجال كان حكرا على الرجال، ونجاح السائقات قطع الطريق أمام نظرة المجتمع الدونية.
الأربعاء 2018/09/05
نظرة طموحة لمستقبل أفضل
 

لم يعد العمل في مجال السياقة ضمن طلبات النقل التي تعتمد على التطبيقات الذكية حكرا على الرجال في الأردن، بل اقتحمته العشرات من الفتيات ممن وجدن فيه ملاذا خاليا من تعقيدات البحث عن وظيفة تغنيهن عن الاعتماد على أسرهن في تأمين حياتهن، وبالرغم من الخوف من نظرة المجتمع إليهن كعاملات في هذا المجال إلا أن بعضهن حققن نجاحا جعل الكثيرين يحترمون رغبتهن في كسب رزقهن كمعيلات لأنفسهن ولأسرهن أحيانا

عمان – اضطرت بعض السيدات إلى العمل كسائقات عبر التطبيقات الذكية إما للتخلص من البطالة وإما لإعالة أنفسهن لكي لا يمثلن عبئا إضافيا على الأسرة، ومن بينهن طالبات جامعيات يسعين لتأمين أقساط التعليم ومتطلبات الحياة اليومية.

وتقول ابتسام (33 سنة) وهي واحدة من سائقات التطبيقات الذكية تعمل منذ حوالي السنة، بعد أن تركت عملها في القطاع الخاص وأقنعتها شقيقتها بالعمل كسائقة “عارضتُ الفكرة بيني وبين نفسي في البداية، خاصة أن نظرة المجتمع ربما لا تزال تستهجن مثل هكذا أعمال للمرأة، وشجعني في الوقت نفسه حصولي على رخصة قيادة من 12 عاما مع فقداني لوظيفتي لمدة خمسة أشهر”.

وتضيف ابتسام أنها خاضت التجربة ومازالت تعمل إلى اليوم كسائقة لتلبي احتياجاتها الأساسية وأحيانا لتوفر بعض المدخرات للمستقبل، مشيرة إلى أنها لم تحصل على شهادة علمية عالية، ولم تتزوج وأنها تحملت مسؤولية العمل منذ صغر سنها، الأمر الذي جعلها لا تجد صعوبة في أن تعمل من الساعة السابعة صباحا إلى السابعة مساء.

وتؤكد السائقة الشابة أنها سعيدة بهذه التجربة لأنها لم تتعرض إلى أي نوع من المضايقات من الزبائن الذين عاملوها باحترام ولطف.

ويؤيد غسان الذي يعمل في ذات المجال الفتيات اللاتي اخترن هذا العمل مثنيا على جرأتهن في اقتحام ميدان ظل حتى وقت قريب حكرا على الرجال من أجل تحمل مسؤولياتهن وتعزيز استقلاليتهن المادية. ويشير غسان مستدركا إلى أن على زميلاته السائقات الحذر أثناء مباشرة عملهن نظرا لما يحمله الطريق من مخاطر قد تصل إلى الاعتداء بالعنف لأجل السرقة والاستيلاء على المال أو السيارة ولإمكانية التقائهن بأشخاص أو زبائن يرفضون عملهن في مجال السياقة.

من جهته يقول أحمد، مندوب توظيف في إحدى الشركات التي تعمل في هذا المجال، إن إقبال الفتيات على هذا العمل غير مستغرب، إذ أن شروط التوظيف ليست صعبة ولا تتعدى حيازة رخصة قيادة سارية المفعول واقتناء سيارة حديثة لا تقل سنة صنعها عن عام 2012. كما أن العمل كسائق عبر التطبيقات الذكية ليس فيه تمييز على أساس الجندر بل هو عمل مفتوح لكلا الجنسين دون تمييز.

دخول المرأة في مجالات اقتصادية جديدة سيقود إلى تعديل تراجع مساهمة المرأة في سوق العمل خلال العامين الماضيين

أما بسمة مبيضين التي تعمل في قطاع شبه حكومي فتصرح بأن الصدفة قادتها إلى أن تستقل إحدى سيارات التطبيقات الذكية، لتفاجأ بأن السائق فتاة عشرينية، مضيفة أن أول سؤال تبادر إلى ذهنها وطرحته على السائقة تمثل في ما إذا كانت تعرضت للمضايقات أم لا، لتجيبها أن التطبيق يتيح تسجيل ملاحظة عن الشخص المزعج ليتم إجراء “بلوك” له. وأكدت مبيضين أن السائقة تستحق الثناء على حبها لعملها بالرغم من أنها اضطرت إلى العمل، إذ أنها منفصلة عن زوجها وهي مسؤولة عن تربية وإعالة طفلين.

ويقول مدير العمليات في إحدى شركات السياقة عبر التطبيقات الذكية كريم زيناتي، إن العشرات من النساء اللاتي يعملن لدى الشركة تتراوح أعمارهن بين العشرين والخمسين سنة، مع العلم أن الشركة لا تشترط عمرا معينا، بل تكفي حيازة رخصة القيادة وحداثة السيارة، مؤكدا أن الشركة تفتح أبوابها لكل فتاة تتطلع إلى تحسين دخلها الشهري.

ويعرب زيناتي عن فخره بوجود نساء قادرات على شق طريقهن بمثل هذه الإرادة، لافتا إلى أن الشركة تطلق مبادرات هدفها تكريمهن ماديا ومعنويا في سياق دعمهن في المدن التي يعمل بها التطبيق مثل عمان وأربد والزرقاء.

ويرى أستاذ علم الاجتماع حسين محادين أن التغيرات المتسارعة في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع والتي تأثرت بمفاهيم الحداثة جعلت العمل اليوم غير قائم على تقسيم النوع الاجتماعي، ذلك أن المهارة واستيفاء الشروط العامة للوظيفة يظلان المعيارين اللذين يُستند عليهما لممارسة أي عمل وليس التقسيم الجندري.

 وهو ما يفسر برأيه سعي المرأة الأردنية للانتقال من إنسان مُعال اقتصاديا إلى منتج يحقق الاكتفاء الذاتي بل ويساعد ذويه. ويشير محادين إلى أن العامين الماضيين، وفقا لدراسات علمية، شهدا تراجع مساهمة المرأة في سوق العمل من 15 بالمئة إلى 13 بالمئة، موضحا أن دخول المرأة في عناوين اقتصادية جديدة، سيقود إلى تعديل اختلال هذه النسب وقد يدفع باتجاه زيادتها، خصوصا وأن التوزيع السكاني للمجتمع الأردني يميل لصالح أعداد النساء.

ويقول “نحن أمام ظاهرة جديرة بالتثمين يمكن أن تقود إلى تعديل نسبي في نظرة بعض الرجال نحو عمل النساء… إن النساء اللائي طرقن هذا القطاع وثقن بإمكانياتهن ولم يكترثن للعوامل الاجتماعية”.

21