أردنيات يواجهن التحرش بعضلاتهن

انتشرت ظاهرة التحرش الجنسي على مستوى غير مسبوق في الأردن، ما أدّى إلى ازدياد عدد الضحايا من الفتيات اللاتي يتجنبن غالبا الحديث عن الانتهاكات التي تعرضن لها، وسط ضعف في التشريع القانوني، لذلك تحاول الأردنيات تعلم الفنون القتالية للدفاع عن أنفسهن في المواقف المحرجة.
الاثنين 2017/08/14
الرياضة عنوان الثقة بالنفس

عمان - لكل فتاة أردنية تسكن أي مدينة في الأردن قصص وكوابيس عن التحرش، هذه الظاهرة التي ما انفكت تتفشى وتزداد كل يوم.

قبل سنوات قليلة، عاشت بتول مهند أسوأ لحظات حياتها عندما اضطرت لانتظار سيارة أجرة في الشارع لتقلها من الجامعة إلى عملها في العاصمة الأردنية عمان.

لم تعرف مهند كيف تتعامل مع المعاكسات، أو عندما يقف رجال بسياراتهم عارضين عليها إيصالها، ولا عندما يقفون بالقرب منها بصورة مبالغ فيها.

ولأنها تعمل موظفة استقبال في مركز لتعليم فنون الدفاع عن النفس، فقد قررت تعلم بعض الحركات لاستعادة ثقتها بنفسها ومكانتها الشخصية في المجتمع.

تتحدّث مهند (22 عاما) كيف وقعت في حب رياضة ملاكمة الركل أو الكيك بوكسينغ “كنت قد اعتدت على الجلوس إلى مكتبي ومشاهدة الفتيات وهن يغادرن دروس التمرينات، ومع مرور الوقت كان بإمكاني ملاحظة كيف تغير سلوكهن، لقد أصبحن أقوى وأكثر سعادة، فأردت فقط أن أكون مثلهن”.

وفي مركز “شي فايتر” للتدريب على الفنون القتالية تحولت بتول من موظفة استقبال خجولة إلى مدربة، بعد نحو ثلاث سنوات قامت خلالها بصقل مهاراتها.

وفي مركز شي فايتر بمنطقة خلدا السكنية بعمان، تسترجع بتول مهند أول مرة تعرضت فيها للتحرش بالطريق العام، تقول، “كنت في الخامسة عشرة من عمري، وبدأ رجل يتحدث عن جسدي.. لم أكن أعرف ما الذي يحدث، أو ما الذي يجب أن أفعله، ولذلك عدت إلى المنزل باكية”.

كانت هناك غصة في صوتها قبل أن تستجمع قوتها وتسوّي ظهرها، قائلة “أتعرض لحالات تحرش أقل الآن، لأني لست خائفة. أعرف أني أستطيع أن أرد، ويمكنني أن أحمي نفسي عند الضرورة”.

يجب تربية المرأة على أن تكون واثقة من نفسها وقوية لتتصدي لكل التحرشات

قصص الفتيات مع التحرش لا تنتهي، لينا صالح شابة تبلغ من العمر 27 سنة تعمل موظفة في شركة تجارية وسط العاصمة عمان، وكمعظم الفتيات الأردنيات، ترتدي الحجاب والملابس المحتشمة عندما تخرج إلى الشارع.

بعد يوم شاق من العمل أخذت لينا المصعد لتغادر من مكان عملها إلى الشارع ثم العود إلى البيت، وفي المصعد كان هناك شاب بدأ في مغازلتها، وقبل أن تتعرف على ملامح وجهه حاول أن يمزق قميصها في مكان قد لا توجد فيه فرصة لغيرها للتخلص من هذا الكابوس.

ومن سوء حظ المتحرش أن لينا تحسن الفنون القتالية، فوجهت له ركلات ولكمات متتالية على رأسه ومعدته، ولم تكف عنه بل تابعته في الشارع عندما حاول الفرار، حتى تمكنت من أن تسلمه إلى الشرطة لينال عقوبة بالسجن النافذ لمدة ثلاث سنوات بتهمة محاولة الاغتصاب.

تقول لينا، “عرفت قيمة التدريبات التي أتلقتها عندما التحقت بالمتحرش الذي فشل في الإفلات مني عندما مسكته، لقد شعرت بثقة في النفس لم أدركها من قبل، شعرت أنني قادرة على التغلب على خوفي وحماية نفسي”.

ولينا واحدة من أكثر من ألفي فتاة تلقت تدريبات في مركز شي فايتر للتدريب على الفنون القتالية.

مركز "شي فايتر"

يدرس مركز شي فايتر مجموعة من الفنون القتالية القائمة على التايكوندو والملاكمة، وينظم كذلك ورش عمل لتعليم النساء والأطفال كيفية التعامل مع مواقف معينة، مثل كيفية التعامل مع المتحرش، أو ببساطة كيف تكون الفتاة حازمة معه في الالتزام باحترامها والبقاء بعيدا.

تقول لينا خليفة، وهي مالكة مركز شي فايتر، إنها تدرس مزيجا بين التايكواندو والملاكمة، وتقنيات الدفاع عن النفس البحتة، “كما نعمل على تثقيف النساء عبر الندوات والمحترفات، حول العنف المنزلي والتحرش الجنسي والاعتداءات”.

وتضيف المدربة، أن قصتها بدأت عام 2004 بسبب تعرض إحدى صديقاتها لسوء المعاملة من قبل والدها وأشقائها، وكان وضعها مزعجا للغاية، وتتابع “ولأنني أملك خلفية من الفنون القتالية، قررت أن أبدأ بإعطاء دروس للنساء في الدفاع عن النفس″.

وتقول لينا إنها لم تجد حلا حقيقيا واحدا للعنف ضد المرأة، وبدأت العمل في الطابق السفلي بمنزل والديها قبل افتتاح أول مركز بعد ذلك بعامين.

وعبر قناتها الرسمية على يوتيوب، تخصص خليفة فيديوهات لإعطاء النساء نصائح سريعة، حول كيفية التعرّف على نقاط الضعف في جسد المعتدي، وأخرى لتمرينهنّ على كيفية مواجهة التحرّش في وسائل النقل على سبيل المثال، مع سرد تفصيلي لكل السيناريوهات المفترضة، وكيفية التعاطي معها.

التعديلات القانونية الأخيرة غير كافية للردع

وتؤكد قائلة، “في مجتمعنا، يجب تربية المرأة على أن تكون واثقة من نفسها وقوية. لدي شيء أستطيع أن أعلمه للآخرين، لتعزيز القوة البدنية والنفسية”.

وزارت خليفة البيت الأبيض في العام 2015 حيث أثنى الرئيس الأميركي باراك أوباما على جهودها في مواجهة التعنيف والتحرش وتحدّث عن تجربتها، وكيف قررت إطلاق مركزها رفضا لكل أنواع العنف ضد المرأة، تأثرا بتجربة سيئة لإحدى صديقاتها التي تعرضت للتعنيف.

ووصف أوباما خليفة بأنها “قائدة تغيير اجتماعي”، لرغبتها في مساعدة النساء على الانتصار لأنفسهنّ.

ويؤكد أخصائيون اجتماعيون، أن التحرش بأنواعه المختلفة؛ الممارسة الفعلية أو النظرة الشهوانية أو التوجه بالكلام المثير، منتشر في الشوارع الأردنية وأماكن العمل بنسب عالية جدا.

أغلب الفتيات اللاتي تعرضن للتحرش الجنسي يفضلن الصمت خشية الفضيحة أو ردود فعل الأهل السلبية تجاههن فيصبحن ضحايا مرتين.

تقول مهند “لا توجد سيدة في الأردن لا تواجه التحرش”. ورغم أن الكثير من السيدات يشتكين من ذلك، فلا توجد بيانات حديثة حول حالات التحرش.

ويوفر المركز دورات تدريبية للأطفال من الخامسة وحتى 13 عاما خلال العطلة الصيفية.

تقول المدربة إيناس خليفة “أحد أهداف هذه الدورة الصيفية هو جعل الأطفال يدركون أمورا ربما لا تخطر ببال آبائهم. إذ نسمع قصصا عن أطفال يتعرضون للاعتداء أو الخطف، وربما لا يدركون ما يحدث خاصة إذا ما كان المهاجم من أفراد العائلة”.

كما تتطوع خليفة ومهند وغيرهما لتدريب النساء والأطفال في المدارس ومخيمات اللاجئين.

ولا تزال مهند تشعر بالحماسة إزاء دورة تدريبية استمرت ست ساعات للاجئين في مدينة إربد شمالي البلاد.

وتضيف، “لقد تعلمن بعض الحركات التي أعتقد أنها ستغير حياتهن. ولم لا؟ فقد غيرت حياتي”.

التحرش بلا تعريف

جدّد صدور حكم قضائي بحبس شاب ثلاثة أشهر وتغريمه بتهمة الذم والتحقير بحق فتاة عاكسها، ووجه لها عبارة اعتبرها القضاء ذما وتحقيرا، مطالبات خبراء بتعديل قانون العقوبات، وإيجاد مادة تجرم التحرش الجنسي، حيث لا وجود لمثل هذه المادة في القانون الحالي.

وقالت مديرة منظمة النهضة العربية “أرض – العون القانوني” سمر محارب “التحرش إذا لم نوقفه فقد يصبح ظاهرة مؤرقة في الأردن، خاصة مع وسائل التواصل الاجتماعي وتفشي سلوكيات غريبة في مجتمعنا، لذلك يجب فرض صرامة أكبر على أي شكل من أشكال التحرش”.

وحصلت التعديلات على قانون العقوبات مؤخرا لكنها لم تتطرق لذكر أو تعريف التحرش الجنسي، وأصبحت عقوبة الإشارات أو العبارات المنافية للحياء الحبس ستة أشهر على الأقل، مقابل ستة أشهر كحد أقصى في السابق.

من يتجرأ على الملاكمة

وكانت اللجنة الوطنية لشؤون المرأة قد رفعت مؤخرا للحكومة ورقة حول تعديلات قانون العقوبات، طالبت فيها بإدراج تعريف واضح لجرائم التحرش الجنسي وتجريمه، لافتة إلى أن الكثير من أشكال التحرش الجنسي تقع خارج دائرة التجريم في المادة 320 التي تعاقب الفعل المنافي للحياء.

ووافق البرلمان عليه مطلع الشهر الجاري، ولا يزال بانتظار تصديق الملك عليه، والحد الأدنى لعقوبة الفعل المنافي للحياء بين شهرين وعام.

وكان التعديل الذي حظي بأكبر قدر من الإشادة هو إلغاء المادة 308 التي تتيح للمغتصبين الإفلات من العقوبة من خلال التزوج بضحاياهم.

تقول هالة عاهد المستشارة القانونية في اتحاد المرأة الأردنية، وهي منظمة غير حكومية تعنى بالمرأة ومقرها عمان، “لسنا راضيات بنسبة 100 بالمئة، ولكن هذا أفضل من قبل”.

وأقرت بأن غياب تعريف قانوني لما يشكل على وجه الدقة “الأعمال المنافية للحياء” من شأنه أن يصعب التنفيذ، ولا يساعد الجماعات الحقوقية في تجميع بيانات حول التحرش الجنسي.

وتضيف، “ربما كان هذا عن قصد، لأن عدم توافر البيانات يجعل من الصعب مقارنة الظاهرة بدول أخرى”.

ووفقا لاستطلاع حكومي يعود إلى عام 2012، وهو أحدث استطلاع متاح، فإن ثلث النساء كن ضحايا لعنف جسدي لمرة واحدة على الأقل منذ عمر 15 عاما. وكشفت نتائج الاستطلاع عن أن واحدة من كل عشر نساء تعرضت لعنف جنسي، ولكن أقل من 2 بالمئة تقدمن وطلبن مساعدة الشرطة.

وتضيف عاهد أن”النساء أصبحن أجرأ في نقاش قضايا العنف والتحرش، ولكن ربما نقص المعرفة في ما يتعلق بالخطوات القانونية هو ما يثنيهن عن الإبلاغ”.

ولم تعد المرأة مضطرة إلى الصمت والاستكانة والقبول بالإهانة وهي تمشي في الشوارع مطأطئة الرأس، مذعورة من أذى المتحرّشين وعدوانهم، أولئك الذين تشجعهم حالة الضعف والخوف المبالغ فيه من قبل المرأة، فيتطاولون عليها لفظيا أو جسديا.

20