أردني ينقل الأزبكية من القاهرة إلى عمان بنسخة مطورة

كثيرا ما نعيب على المواطن العربي عزوفه عن القراءة التي أصبحنا اليوم في حاجة إليها أكثر من أي وقت مضى لأنها تنيرنا وتحيطنا علما بما يحدث من حولنا، فالمواطن المثقف أفضل دائما من الذي لا يعلم بما يجري في عالمنا المتسارع، لكن المشكلة يساهم فيها أكثر من طرف وليس المواطن وحده، وفي الأردن تفتق ذهن شاب على فكرة جعلت الكتاب قريبا من الأردنيين وبسعر معقول فانفتحت شهية الأردنيين على القراءة وعادوا إلى المطالعة بنهم. الفكرة استفاد منها المؤلفون بعد أن كانوا يعانون من جشع الناشرين الذين يستولون على جهد الكتّاب.
الجمعة 2016/11/11
خلطة سحرية تعيد الأردنيين إلى بهجة القراءة

عمان – وجد حسين ياسين، المثقف الفلسطيني، نفسه مطرودا من عمله في إحدى دور النشر الأردنية بوشاية من زميل له في العمل اتهمه فيها بطبع كتاب ممنوع للشاعر العراقي معروف الرصافي عنوانه "الشخصية المحمدية"، مما يحمّل دار النشر التي يعمل فيها مسؤولية جسيمة، فاضطر إلى المتاجرة بالكتب المستعملة على أرصفة الشوارع، بعد أن فقد عمله، ولكن بعد حين برقت في ذهنه فكرة تفيده ويفيد بها الآخرين.

عرف ياسين من خلال عمله في دار النشر تفاصيل العلاقة الملتبسة بين المؤلفين ودور النشر، وعلم أن المؤلفين يسمون دور النشر “دور النشل”؛ فهم يؤلفون وأصحاب تلك الدور يربحون ولا يقبض المؤلف لقاء جهوده إلا 25 نسخة من مؤلفه إن لم يكن أقل. لذلك فكر ياسين في جعل المؤلف شريكا في مشروع ثقافي يدر عليه وعلى المؤلف أرباحا، ويعالج مشكلة عزوف القراء عن قراءة الكتاب، وهو العزوف الذي نتج عن جشع الناشرين وترفيعهم في أسعار الكتب.

اتجه ياسين إلى أحد أصدقائه وأقنعه بإنشاء مشروع يحاكي تجربة سور الأزبكية لتجارة الكتب المستعملة في العاصمة المصرية القاهرة، واشترى 100 ألف كتاب، وخلال ستة أشهر استطاع أن يسدد لشريكه ما دفع، ثم تضاعف الرقم 50 بالمئة على صعيدي النوع والكم.

يرى ياسين، في حديث لـ”العرب” أنه اكتشف خلطة وصفها بأنها سحرية تستطيع أن تجتذب القراء إلى الكتاب الذي عزفوا عنه، وهذه الخلطة لا يحسنها تجار الكتب، بل يحسنها المثقف إذا ما قاد بنفسه عملية توزيع الكتاب ونشره، ويقول إن تلك الخلطة تتمثل في الحفاظ على النمط الشعبي في العرض، فقد ابتعدنا عن صورة “الفاترينة” التي تنتهجها دور النشر، إذ وضعنا نحن الكتب على “بسطات” صغيرة بين أيدي الجماهير، وكثيرا ما نصرّ على عدم خروج أي زائر من دون كتاب، حتى ولو بسعر زهيد.. حتى ولو مجانا في البعض من الأحيان.

ويشير ياسين إلى أنه لا يعقل أبدا أن يكون هناك كتاب ممنوع من التداول، لأنه إذا كان طبيعيا في السابق أن نناضل من خلال منشور سري من تحت الأرض فليس معقولا في ظل ثورة المعلومات أن يكون هناك كتاب ممنوع الآن، لذلك وضع حسين لمشروعه شعارا يرفض التمويل المشبوه ويبتعد عن نشر الإسفاف والمبتذل الثقافي ويحث على بناء ثقافة القراءة والكتاب والتغيير.

يؤكد ياسين أن أزبكية عمان لا تتلقى دعما حكوميا، باستثناء ما تقدمه أمانة عمان من أماكن لعرض كتب الأزبكية من دون مقابل، وهو يعتب كثيرا على وزارة الثقافة التي يبدو أنها لم تسمع بالأزبكية، ويقول “نحن لا نريد منهم (المقصود مسؤولو وزارة الثقافة) دعما ماليا، بقدر ما نريد منهم أن يوفروا دعما لوجستيّا”. ولمسنا إدراكا من قبل رجال الأمن المتجولين في العاصمة لطبيعة مشروعنا الثقافي، فكثيرا ما يهتمون براحتنا ويسألوننا عما إذا كنا نشكو من بعض المنغّصات”.

أزبكية عمان ليست مكتبة وإنما هي معرض كتاب متنقل في المحافظات الأردنية وتشهد تجربتها إقبالا منقطع النظير، إذ يقول الشاعر والكاتب الأردني غازي الذيبه، إن لدى الشبان الأردنيين نهما للقراءة، لكن تواجههم مشكلة ارتفاع سعر الكتاب وعدم تنوع مضامينه، فكانت تجربة أزبكية عمان حلا لتوفير الكتاب بأسعار معقولة.

في انتظار أن تصبح الأزبكية غاليري

وأشار غازي الذيبه إلى أن الشباب الأردني، بعد ثورات الربيع العربي، وجد أن به حاجة إلى القراءة لبتها له هذه التجربة عبر جعل الكتب في متناول يديه بأسعار زهيدة، سواء أكانت مستعملة أم جديدة، وتركز في مضمونها على الفكر التنويري بهدف رفع مستوى وعي القرّاء، وتزويدهم بكتب تقاوم التطرف.

الكاتب والإعلامي الفلسطيني سالم النجار يذهب إلى تبيان التأثير الذي أحدثته أزبكية عمان على المؤلف فيقول “شكلت أزبكية عمان للكتب المستعملة والجديدة متنفسا للمؤلف، على صعيد توفير عناوين ثقافية وسياسية واقتصادية لا تتوافر لدى دور النشر الأردنية، كما أنها أسهمت في نشر الكتاب المحلي وتوزيعه، مما دفع الكثير من الكتاب الأردنيين إلى التعامل مع الأزبكية بصفتهم شركاء، وإصدار مؤلفاتهم الإبداعية والفكرية من خلالها مما جعل دور النشر الأردنية تثير الضجيج الإعلامي حولها، فأسهم ضجيجها في التعريف بالأزبكية من حيث أراد النيل من تجربتها”.

ويواصل قائلا “روجت الأزبكية الكثير من الكتب لمؤلفين أردنيين؛ كرواية (حديث الجنود) للروائي أيمن العتوم، التي وصل عدد نسخها الموزَّعة إلى 20 ألف نسخة، ومازالت مطلوبة إلى الآن، وكذلك المجموعة القصصية (ديك الجن) للقاص محمد القانوني، التي وصل عدد نسخها الموزَّعة إلى 7 آلاف نسخة، وهناك العديد من الكتب التي انتشرت عن طريق الأزبكية وذاع صيت مؤلفيها”.

وخصص المحامي الأردني حسين الحيت 3 أيام شهريا لزيارة الأزبكية، وهو يقول إنه يخصص لكل زيارة مبلغا محددا من المال لشراء الكتب، ثم يكتشف، في كل مرة، أنه ينفق على الشراء ضعف المبلغ المخصص لأن العناوين في الأزبكية تتجدد باستمرار وبسرعة.

يعتقد الحيت أن الأزبكية تقدم لزائرها ما يوسع أفقه ويرغبه في اقتناء الكتاب، في الوقت الذي تقدم فيه للمؤلف دعما معنويا هاما وتحثه على الارتقاء بأسلوبه لكي يشد إليه جمهور القراء.

114 ألف كتاب مجاني

النسخة الأردنية من الأزبكية تختلف كثيرا عن النسخة المصرية؛ فأزبكية عمان توفر الكتاب من مصادره في بغداد وبيروت وما يميزها عن أزبكية القاهرة التنوع الهائل في العناوين، إذ من الصعب أن تقول أزبكية عمان لقارئ مّا “لا يتوفر لدينا الكتاب الذي تطلبه”، فإذا لم تتوفر لديها نسخة ورقية زودته بنسخة إلكترونية من الكتاب الذي يطلبه مجانا، إذ تمتلك 114 ألف كتاب إلكتروني.

وما يميز أزبكية عمان عن “أزبكية القاهرة” أيضا أن الأخيرة موجودة طوال أيام السنة في مكان محدد وسط العاصمة المصرية عبر نحو مئة “كشك حديدي” لبيع الكتب، بينما أدخلت “أزبكية عمان”، وبمرور السنين، تعديلات على النسخة الأردنية، منها إقامة نسخة كبيرة سنويا من الأزبكية في إحدى ساحات العاصمة، تضم ما لا يقل عن 18 ألف كتاب، كما أنها تعرض الكتب عبر “بسطات” صغيرة في الجامعات، بمعدل ما بين 3 و5 آلاف كتاب، وبهذا تكون أزبكية عمان متنقلة، وليست ثابتة كسور أزبكية مصر.

ويتوفر في أزبكية عمان، على الدوام، مئة ألف كتاب ويستطيع زائرها التجول في قاعة مساحتها 500 متر مربع لمشاهدة الآلاف من العناوين واختيار ما يناسبه منها.

الأردنيون شعب يقرأ

يعود حسين ياسين ليؤكد أنه يفكر في تحويل الأزبكية إلى “غاليري” تقام فيه حفلات توقيع الكتب وتعقد فيه الندوات والمؤتمرات الثقافية.

وأشار إلى أن الوقت حان لاستعادة الدور المعرفي للكتاب، في ظل ما يمارسه التطرف من تجهيل، وتخريب للمعرفة، موضحا أن المعرفة التي تقدمها الكتب تسهم في التنوير والتمدين، وتدعو إلى الحوار والمثاقفة وتطور المدارك، والتفاعل مع الآخر، ونبذ العنف والتعصّب.

انتشار الثقافة السمعية أحد أسباب العزوف عن الكتاب

ويلفت إلى أن الإقبال الذي تشهده الأزبكية ونجاحها في هذا الوقت القياسي، يؤكدان أن الأردنيين يقرأون ويهتمون بالمطالعة والمعرفة، إذا توافرت لهم فرص لاقتناء الكتب، كالتنوع في العناوين والمعارف، وتقديم الكتب بأسعار زهيدة، على عكس ما يشاع من أن الأردنيين شعب لا يقرأ.

لا ينسى ياسين فضل عالم الآثار العراقي الراحل بهنام أبوالصوف في تشجيعه على خوض التجربة ووقوفه إلى جانبه منذ الخطوات الأولى، وكذلك تشجيع القاص العراقي الراحل عبدالستار ناصر والقاصة لطفية الدليمي.

ويؤكد على أهمية الزيارات المتتالية للشخصيات السياسية والفكرية والثقافية الأردنية والعربية كطاهر المصري وممدوح العبادي وعلي عقل بلتاجي وزاهي وهبي وإبراهيم نصرالله وفاضل الربيعي وحميد سعيد وعلي السوداني وغيرهم، ويقول إنه مدين لهذه الشخصيات بنسبة كبيرة من نجاح مشروعه.

يرفض ياسين أن تكون أزبكية عمان دار نشر، ويوضح أن الأزبكية ترشد المؤلف إلى المطبعة ليطبع كتابه بسعر مناسب ثم تشتري 500 نسخة من كتبه، وإذا لم يكن يمتلك القدرة المالية على طبع كتابه، فإن الأزبكية تطبعه وتوزعه له.

يبدي ياسين أسفه من انتشار ظاهرة الكتب السمعية التي أصبحت أكثر رواجا من الكتب الورقية.

ويرى أن سبب عزوف القراء عن القراءة ارتفاع سعر الكتاب وانتشار الثقافة السمعية فقط وعدم اختيار دور النشر الكتاب الجيد ودعمه، ولذلك عمدت أزبكية عمان إلى توفير الكتاب بسعر زهيد ومناسب والتحريض على الكتاب الجيد لجذب المثقفين السمعيين إلى القراءة عبر التسويق الإعلامي والإعلاني للكتاب، إذ لاحظ ياسين أن عزوف القراء عن القراءة قاد إلى مشكلة أخرى وهي عزوف المؤلف عن التأليف، مما أسفر عن تراجع حاد في الإنتاج الفكري والثقافي.

يقول ياسين إن الكتب الفكرية مازالت رائجة في الأردن ولكن بعد الرواية، وفي مقدمتها كتب المفكر الاجتماعي العراقي الدكتور علي الوردي التي تحتل المرتبة الأولى في الإقبال عليها ثم تأتي بعدها كتب المفكر الإيراني الدكتور علي شريعتي، وعلى الرغم من أن الأزبكية لا تنحاز إلى فكر معين فإنها أحيت الكتب الماركسية وأعادت طباعتها وتوزيعها.

يودعنا ياسين بسؤال يرجو أن يصل من خلال “العرب” إلى اتحاد الناشرين العرب ويتمنى الإجابة عنه، وهو؛ لماذا لا تطبع دور النشر العربية الكتاب الشعبي؟

20