أردوغان ""الإخواني".. يمّمَ وجهه شطر إيران

الاثنين 2013/11/25
الأحلام العثمانية لأردوغان تتحطم عند أسوار القاهرة

قرار النظام المصري السبت الماضي بطرد السفير التركي في القاهرة بعد تصريحات لرجب طيب أردوغان قال فيها إنه لا يكن «أي احترام» لمسؤولين يعينهم الجيش، لم يكن مجرد قرار دبلوماسي بل كان مؤشرا على نفاذ الصبر المصري من الدور التركي في المنطقة، ومن الانتصار الأردوغاني لرئيس إسلامي أقيل بفعل قرار شعبي.

القرار المصري لا يمثل رد فعل على مجرد زلة لسان» لمسؤول من الصف الأول، يمكن له أن يتراجع عنها أو يبررها، بل هو رجع صدى لنسق سياسي يمارسه «حزب العدالة والتنمية» الإسلامي التركي في المنطقة، وهو أيضا صورة لتفاعل «الإسلام السياسي» في صيغته التركية مع ما يسود المنطقة.

ما ظهر في الأداء السياسي للنظام الإسلامي التركي في السنوات الأخيرة وخاصة بعد منعرج الثورات العربية، كان يوحي بأن أوردوغان وصحبه يسعون جاهدين إلى نشر النموذج الإسلاموي في المنطقة، والنموذج الإسلامي المدعوم تركيا كان بلا ريب النموذج الإخواني الأقرب إلى الهوى التركي.

قبل الثورات العربية كانت أنقرة محجا و»قبلة» لكل القيادات الإسلامية العربية وكانت مراكز الدراسات التركية تفتح لهم أبوابها وتدعم أنشطتهم وتنشر ما يحبّرونه (مثال راشد الغنوشي التونسي والغزل المتبادل بينه وبين نظام أوردوغان دليل على ذلك). وكانت تركيا تحتضن قيادات النهضة التونسية وقيادات حماس و»بارونات» التنظيم الدولي للإخوان المسلمين.

ويذكر أن النظام التركي حاول آنذاك تمرير مبادرات تهدف لإقامة «مصالحة» بين الأنظمة القائمة في مصر وسوريا، والتنظيمات الإخوانية يسمح بموجبها للإخوان في القطرين بتشكيل أحزاب وخوض غمار العمل السياسي لكن المبادرة فشلت لاسباب متداخلة.

أما بعد الثورات العربية، فقد دعمت تركيا بكل ما أوتيت من امكانات وصول التيارات الإسلامية في تونس ومصر، ثم ضاعفت من نسق جهودها بعد الإطاحة بمرسي من سدة الحكم. وهنا مربط الفرس في قرار الخارجية المصرية بطرد السفير التركي. فالقرار المصري لم يكن مجرد تفاعل مع تصريح لرئيس وزراء دولة أدلى به في ظروف معينة. بل كان تعبيرا على تململ من الدور التركي في المنطقة بأسرها وفي مصر خاصة.

فمنذ سقوط نظام محمد مرسي في 3 يوليو الماضي، تحولت تركيا إلى مركز إقليمي لانشطة التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، ونذكّر هنا باجتماع التنظيم الذي انعقد في اسطنبول في العاشر من يوليو الماضي وشهد حضور عدد كبير من قيادات التنظيمات الإخوانية العربية والإسلامية من مختلف أنحاء العالم العربي والإسلامي، مثل يوسف ندا ومحمد رياض الشقفة وراشد الغنوشي فضلا عن ممثلين عن حماس وغيرهم. وقد اهتم المؤتمر ببحث مستقبل التنظيم الدولي للإخوان، وكيفية استرجاع السلطة في مصر، وطرق تفادي المثال المصري في تونس وكذلك حماية حكم حماس في غزة.

أداء النظام التركي بعد الثورات العربية، أوحى بأن أردوغان وصحبه يسعون إلى نشر النموذج الإسلاموي، والنموذج المدعوم تركيا كان بلا ريب النموذج الإخواني الأقرب إلى الهوى التركي

من ناحية ثانية كان السعي التركي لمحاصرة النظام المصري القائم بعد مفصل 3 يوليو 2013، اقتصاديا وسياسيا، عبر تشكيل محور تركي/ قطري هدفه مزيد الضغط على النظام الجديد وعزله حتى يتسنى للإخوان «استرجاع شرعيتهم» المسلوبة، ولعل تنديد تركيا وأردوغان بشكل خاص بما جرى أثناء فضّ اعتصام رابعة والنهضة، كان دليلا على عمق ارتباط «العدالة والتنمية» بالتيار الإخواني. الثابت أن النظام القائم في أنقرة، كان يسعى قبل وأثناء وبعد، الثورات العربية إلى بناء تحالف لتيارات الإسلام السياسي بما يمكنها من إعادة بلورة المشهد السياسي الإقليمي. وكانت تعمل في هذا الصدد بتنسيق عالي المنسوب مع الدولة القطرية (الراعي الرسمي لصعود الإخوان ماليا وإعلاميا).

علاقة النظام التركي بالتنظيمات الإخوانية والدعم اللامحدود الذي توفره لها، تكشف أن الصورة «الأخاذة» التي كان يحملها المخيال الجمعي العربي عن حكم العدالة والتنمية بدأت في التداعي وزالت عنها الغشاوة.

ذلك أن أغلب الكتابات العربية التي تعاطت مع سياسة «العدالة والتنمية الإسلامي» في تركيا، وتفاعلت معها كانت مأخوذة بما وفره الحزب من «اعتدال»، حيث اعتدت به التيارات الإسلامية واعتبرته دليلا على «إمكانية» نجاح الحكم الإسلامي، واعتبرته بعض الكتابات اليسارية مؤشرا على إمكانية تجنب «إسلام التوتر العالي» (تسمية اعتمدها صادق جلال العظم في وصفه للإسلام السياسي المتطرف) وعلى عدم استحالة التعايش بين الأطروحات الإسلامية والتراث المدني العلماني. لكن نموذج الإسلام المعتدل المتعايش بسلاسة مع إرث كمال أتاترك الضارب في العراقة، بدأ يتلاشى ويفقد ألقه، منذ تكشف المجتمع التركي- أولا- على مسار الأسلمة المحموم الذي دشنه أردوغان منذ سنوات، ولعله كان مبرمجا ومضمرا في انتظار اللحظات السياسية المناسبة، وهذا ما وسمته بعض الكتابات بـ»مسار الأسلمة الناعمة» التي بدأت منذ 2004 مع القانون الذي أراد به أردوغان «جس نبض» تركيا والعالم وهو القانون الذي دفع به حزب العدالة والتنمية لتحريم الزنا وأثار امتعاضا أوروبيا عارما، وهو ما اضطر العدالة والتنمية إلى سحبه خوفا من سطوة القوى العلمانية والعسكرية في تركيا.

من ذلك الوقت تواصلت المحاولات دؤوبة هامسة، إلى أن توصل أردوغان وصحبه إلى تمرير حزمة من القوانين عام 2012؛ بدأ بالسماح بفتح معاهد «إمام خطيب» أمام كل من أنهى دراسته الابتدائية، واختتمت برفع السلطات التركية حظر ارتداء الحجاب في مدارس التعليم الديني وفي المدارس العادية، وما بينهما سلسلة من القوانين التي تذمرت منها القوى المدنية التركية ولكن الحيز لا يكفي لاستعراضها. ولكنها تشي بأن الإسلام السياسي التركي الذي تم التسويق- بإتقان- لاعتداله ووسطيته، هو «معتدل» و»وسطي» فقط لتجنب ردّ فعل الإرث المدني العريق في تركيا، ولكنه مع ذلك يسير ببطء وتؤدة. هذا دون إغفال الجانب الخارجي الذي أثر في اعتماد نموذج إسلامي معتدل (أو الادعاء به) هو مراعاة الضوابط والمعايير الصارمة التي ستسمح لتركيا بالانضمام للاتحاد الأوروبي.

الارتماء التركي في أحضان إيران يمثل قرينة على أن سياسة «الصفر مشاكل» التي انتهجتها تركيا تحولت إلى «صفر نجاح» في ظل الفشل في سوريا، وبعد الضربة الدبلوماسية التي سددتها لها مصر ما بعد مرسي

لذلك كله كان التفات تركيا إلى فضائها العربي الإسلامي متجسدا في الاصطفاف جنب التيارات الإخوانية، ومعبرا كذلك عن العودة إلى أصولها الإيديولوجية الأولى، أصول عدنان مندريس (زعيم الحزب الديمقراطي في الخمسينات) ونجم الدين أربكان (مؤسس ورئيس حزب الرفاه المحظور منذ عام 1998).

الملفت للنظر هنا أن الخلاف المصري- التركي ليس خلافا دبلوماسيا بالمعنى المباشر للكلمة، بل هو تباين تناقض بين مشروعين؛ مشروع يرنو إلى إعادة الإخوان إلى الحكم ومن ثمة استدعاء أحلام دفينة خبئت طويلا لدواع سياسية (داخلية وخارجية شتى)، ومشروع آخر يحاول «الانضباط» لأصوات شبابية قامت بالثورة على نظام استبدادي، ثم ثارت مجددا على من قرصن ثورتها وصادرها.

ويترتب عن ذلك أن مساحة التباين بين مصر وتركيا ستتوسع لتشمل أقطارا عربية أخرى، ترفض بدورها مواقف الحكومة التركية التي أصبحت تمثل الراعي الرسمي للتنظيم الإخواني الأممي وتحتضن اجتماعاته.

ولعل الارتماء التركي الأخير في الأحضان الإيرانية يمثل قرينة أخرى على أن سياسة «الصفر مشاكل» التي انتهجتها تركيا مع جيرانها تحولت إلى «صفر نجاح»، في ظل الفشل التركي الذريع في سوريا، وفي ظل الضربة الدبلوماسية التي سددتها لها مصر ما بعد مرسي. لكن «القناة» الإيرانية والعراقية الجديدة التي فتحتها تركيا، تحيل أيضا على أن أردوغان لم يذهب بعيدا جدا عن منطلقاته الإسلاموية، طالما أن القوى الإسلاموية دأبت على التحالف التكتيكي وإن تباينت أهدافها.

13