أردوغان الإقصائي يبحث اليوم عن ائتلاف ينقذ الاستقرار

الثلاثاء 2015/06/09
التصويت العقابي يحشر أردوغان في الزاوية

أنقرة – قال مراقبون إن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان دفع ثمن تسميم الأجواء داخل البلاد والمنطقة، وإن رغبته في الاستحواذ الكامل على السلطة كانت السبب الرئيسي وراء تراجع نتائج حزبه في الانتخابات التشريعية التي جرت الأحد.

ولجأ مئات الآلاف من الأتراك إلى أسلوب التصويت التكتيكي العقابي لمنع حزب العدالة والتنمية من تحقيق أغلبية برلمانية ومن ثم قطع الطريق أمام رغبة أردوغان في تعديل الدستور والتشريع للدكتاتورية باسم الأغلبية.

وبعد إدراكه بضياع طموحه بشكل كبير، دعا الرئيس التركي أمس الاحزاب السياسية في بلاده إلى التصرف “بمسؤولية” للحفاظ على “استقرار” البلاد غداة الانتخابات التشريعية التي تلقى حزبه فيها ضربة قاسية”.

وقال في بيان أصدره مكتبه “رأي شعبنا فوق كل شيء آخر”. وأضاف “أعتقد أن كل الأحزاب ستقيم النتائج التي لا تتيح الفرصة لأي حزب لتشكيل حكومة حزب واحد بصورة سليمة وواقعية”.

ويبدو اردوغان يائسا بعد ان تقلصت طموحه بتغيير الدستور التركي بشكل كبير. وشبه محللون مساعي تغيير الدستور الذي كان اردوغان يسعى إليه بشكل حثيث بكفاح لتحويل تركيا إلى إيران أخرى في المنطقة.

ولم تبتعد الإصلاحات التي كان يطمح إليها أردوغان عن تشديد الرقابة على وسائل الإعلام وقمع المعارضين والناشطين الحقوقيين والتمتع بصلاحيات مطلقة، تشبه تلك التي يحظى بها علي خامنئي المرشد الأعلى للثورة الإيرانية في طهران.

وبدلا من الذهاب بتركيا العلمانية إلى أقصى اليمين، انتقل اليسار بقوة إلى واجهة المشهد لكي يخلق توازنا سيؤثر على قدرة حزب العدالة والتنمية على وضع يده على المؤسسات الحساسة منفردا.

فلم يعد الحزب وحده قادرا على تحديد اسم رئيس البرلمان كما اعتاد في السابق، كما لن تكون رئاسة اللجان المهمة داخل البرلمان ضمن حصته لوحده، وسيجد صعوبات كبيرة لتمرير حزم القوانين التي تعزز من قبضة الشرطة وتسهم في قمع المعارضين وفرض الرقابة على وسائل الإعلام.

كونستانز ليتش: سياسة أردوغان الإقصائية أدت إلى مزيد من الانقسام في تركيا

ووجد الرئيس التركي حزبه أمام عدة خيارات أقربها إلى التحقق كان منذ أيام كابوسا بالنسبة إلى أردوغان ورئيس الوزراء أحمد داود أوغلو الذي أثبت فشله في قيادة حزب العدالة والتنمية.

ويتمثل هذا الخيار في إجراء انتخابات تشريعية مبكرة إذا فشل حزب العدالة والتنمية في التوصل إلى اتفاق مع أحد أحزاب المعارضة بما يمكنه من تشكيل حكومة ائتلافية يبدو متلهفا لقيادتها.

لكن بعد نفي زعماء حزبي الشعب الجمهوري (132 مقعدا) والشعوب الديمقراطي (79 مقعدا) إمكانية المشاركة في هذه الحكومة الائتلافية، ودعوة زعيم حزب الحركة القومية (81 مقعدا) إلى إجراء انتخابات مبكرة، بات السيناريو الذي يخشاه أردوغان حتميا.

ويقول مراقبون إن المؤيدين لحزب العدالة والتنمية يعترفون بأن وصولهم إلى هذا السيناريو سيشكل تراجعا قاسيا على المستوى الشعبي.

ويدرك الكثيرون بين القواعد الشعبية التقليدية الداعمة للحزب أن انتخابات السابع من يونيو كانت نهاية محققة لحكم الإسلاميين، وأنه لم يعد لدى أردوغان أي جديد ليقدمه وبات في الوقت نفسه غير قادر على تغيير جلده قبل الانتخابات المبكرة أو بعدها.

وأثرت نتائج الانتخابات على نظرية آمن بها الأتراك منذ الحرب العالمية الأولى وهي أن تركيا لديها ما يكفيها من مشكلات كي تكون بعيدة عن التورط في منطقة الشرق الأوسط.

واستحدث أردوغان استقطابات كبيرة داخل البلاد خصوصا، أدت إلى ابتعاد الكثير من الناخبين عن الأحزاب الصغيرة التي لن تستطيع عبور حاجز 10 بالمئة ودفعهم إلى ما يسمى بالتصويت التكتيكي العقابي، أي التصويت لأحزاب كبيرة حتى وإن لم يؤمنوا بالمبادئ التي تنادي بها.

وقالت كونستانز ليتش في صحيفة الغارديان البريطانية إن استراتيجية فرق تسد التي اتبعها أردوغان لدفع حزبه المحافظ دينيا إلى الواجهة، أدت إلى مزيد من الانقسام في تركيا بل وفي بعض الحالات إلى العنف.

وبدل أن تزيد من شعبيته بين الناخبين، فإن مواقف أردوغان العدائية لخصومه فرقت الناس من حوله وعزلته خاصة أن قائمة الأعداء تضم المدافعين عن تركيا أتاتورك في مواجهة عثمانية “السلطان” أردوغان.

وتركزت سياسة التصويت العقابي في مدن الجنوب التي تعمد أردوغان إغفال تداعيات الحرب السورية في الجوار وتدفق اللاجئين عليها.

وقال الكاتب البريطاني سيمون تسودال “إن الانتخابات بشكل عام كانت عقابا لأردوغان الذي رفض الناخبون سلوكه وأن حجمه قد تقلص كما تراجع تأثيره ونفوذه”.

ووجد سكان الجنوب الذين كانوا مستفيدين من الحركة الاقتصادية النشيطة مع سوريا قبل 2011 أنفسهم في وضع صعب بعد أن قرر أردوغان أن يضحي بهم من أجل تحقيق أمنيته في أن يتحول إلى زعيم إقليمي، وذلك بعد أن تزعم حملة للإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد، وساعد على تسلل آلاف المقاتلين الأجانب إلى سوريا.

وجلب العداء للأسد متاعب أمنية وإنسانية لتركيا خاصة مع تدفق مئات الآلاف من اللاجئين، لكنه أثار أيضا غضب أبناء الطائفة العلوية الموجودين في تركيا.

وتجسم هذا الغضب يوم الأحد في نتائج الانتخابات، تماما مثلما تجسم غضب الآلاف من الشباب الذين تظاهروا منذ ثلاث سنوات في ساحة تقسيم ضد استهداف أردوغان للحريات.

تفاصيل أخرى:

الأتراك متمسكون بنموذج تركيا القديمة

السيناريوهات المحتملة لتشكيل الحكومة التركية

تركيا تتلمس مستقبلا غامضا عقب الإطاحة بحزب أردوغان

1