أردوغان بعد موت مشروع القرن الإسرائيلي التركي: "فيها.. لأخفيها"

أنقرة أدركت حقيقة وضعها الغازي مبكرا، فخططت لتكون محورا لخطوط نقله بين منتجيه ومستهلكيه، ليصل إليها "محملا على آخرين" ولتستفيد من رسوم مروره.
الأحد 2020/03/15
وداعا "مشروع القرن"

كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يوما يتباهى بما سماه “مشروع القرن” الإسرائيلي التركي. وكان يمني النفس بصنابير الغاز الطبيعي المتجه لأوروبا.. تبخر كل شيء. لذلك، بديهي أن يصرخ “فيها.. لأخفيها”.

و”هو فيها.. لأخفيها”، استنكار بالعامية المصرية لتصرفات من يدس أنفه في ما ليس له يد فيه. في ذاكرة طفولة كل منا ولد يلفظه الجميع ويرفضون لعبه معهم، سواء لأنه لم يشارك في تجهيز مكونات اللعبة أو لسمعته كمفسد لها أو لسوء سلوكه عامة، فيتمدد بجسده وسط ساحة اللعبة ليمنع الآخرين من اللعب،وهو يصرخ “فيها.. لأخفيها”. هذا هو ما يقوم به، حرفيا، رجب طيب أردوغان.

مقاربة ساخرة ودالة معا، تؤكدها تصريحات مستفزة للعثماني الجديد، كررها مرات بقوله “لن نسمح باستبعادنا من ثروات شرق المتوسط”. وفي 16 يناير الماضي تباهى بتعمد تعطيل اللعب، قائلا إنه “لا يمكن للاعبين الآخرين التنقيب في مناطق الاتفاق البحري بين أنقرة وطرابلس”، وهي تمتد، وفق افتعاله لما سماه “الوطن الأزرق”، من شواطئ الأناضول حتى ساحل ليبيا! متحديا ثوابت قانون البحار وفواصل جغرافية طبيعية بينهما.

على دربه سار فريقه، فنائبه فؤاد أقطاي يطمئن محرري الأناضول، بقوله “أفشلنا مؤامرة حبسنا في مياهنا الإقليمية عبر الاتفاق مع ليبيا” و”أيّ خطة تتجاهلنا لن تنجح”. في المقابل، نبه سنان أولجن، الدبلوماسي التركي السابق الذي يرأس مركز دراسات الاقتصاد والسياسة الخارجية في إسطنبول، في تصريحات لوكالة رويترز أن “لعبة أنقرة ليست مساعدة طرابلس على الفوز فهذا غير واقعي. بل خلق جمود ثم مفاوضات تحمي ترسيم الحدود البحرية”.

يقاس الغاز بالقدم المكعبة (ق.م)، وهي تعادل 28.26 متر مكعب. وتركيا من أفقر الدول في إنتاج الطاقة، واحتياطيها المؤكد برا وفي بحر إيجه والبحر الأسود والبحر المتوسط وقف عند 177 مليار ق.م. و312 مليون برميل بترول، وفق تقدير إدارة معلومات الطاقة الأميركية 2017. مع توقع زيادة كبيرة في استهلاكها من الغاز تصل لـ81 مليار متر مكعب عام 2030. وبلغ احتياطيها من الغاز الصخري المؤكد، 13 تريليون ق.م، ولا يصلح للاستخراج منه سوى العشر! وتستورد تركيا الآن 99 في المئة من احتياجاتها الغازية و94 في المئة من النفطية.

أنقرة تنقب في شرق المتوسط منذ 1966 دون جدوى، ومؤشرات ما وصفته رويترز، في 7 نوفمبر 2019، بـ”أحد أهم أحواض غاز العالم”، وقدرته هيئة المسح الجيولوجي الأميركية “مبدئيا” عام 2010 بـ122 تريليون ق.م تغطي كامل احتياجات أوروبا 30 عاما، تتوزع بين ست من دوله السبع.. لمصر 60 في المئة، ولحوض المشرق الذي يضم لبنان وسوريا وقبرص 32 في المئة، ولفلسطين المحتلة البقية، وغابت مياه تركيا عنه!

أدركت أنقرة حقيقة وضعها الغازي مبكرا، فخططت لتكون محورا لخطوط نقله بين منتجيه ومستهلكيه، ليصل إليها “محملا على آخرين” ولتستفيد من رسوم مروره، وتمسك بورق تلاعب به منتجيه، وأيضا القارة العجوز.. سواء عامة أو في ملف الانضمام لاتحادها.

أطماع أردوغان أبعد من مذكرة للتفاهم مع حكومة السراج
أطماع أردوغان أبعد من مذكرة للتفاهم مع حكومة السراج

لكن، لم يتحقق من ذلك سوى الخط الآتي من روسيا، وهو الأكبر احتياطا. وأصبح في علم الغيب خطان، الأول من إيران، الثانية احتياطا، عبر العراق وسوريا ثم تركيا فأوروبا. والثاني من قطر، الثالثة احتياطا، عبر السعودية للأردن وسوريا ثم تركيا فأوروبا. درة خطوطها يمتد من إيلات على البحر الأحمر عبر فلسطين المحتلة لشاطئها المتوسطي، ومنه لأعماق المياه الدولية إلى تركيا فأوروبا.

كانت إسرائيل الأسرع في التنقيب شرق المتوسط، فهي علمت مبكرا بنتائج المسح الأميركي. وأول حقولها “غزة مارين” اكتشفته عام 2000. وملكت، مؤقتا، أكبر الاكتشافات بشرق المتوسط، إذ يتجاوز احتياطي ثلاثة من حقولها الخمسة المكتشفة 30 تريليون ق.م. لكن لا قيمة لغاز لا يصل لمستهلكه، فأتت مساعي أنقرة لنقله إلى أوروبا.

مصر الأقدم في إنتاج وتصدير غاز المتوسط. وأول حقل اكتشفته كان عام 1969. ومثّل كشف حقل ظهر في يناير 2015، كأكبر حقول غاز كامل البحر المتوسط انقلابا غيّر معادلات سوق حوض المتوسط، حسب تقرير لنيويورك تايمز، (13 مارس 2019).

قبلها بسنوات خططّت دولتها العميقة للتمركز كمحطة إقليمية للطاقة. وحدها في الحوض التي تمتلك بنية تحتية هي حجر زاوية تجارة الغاز، تتقدمها 3 وحدات إسالة أنشأتها بين عامي 2000 و2003، تكلفت وقتها 2.3 مليار دولار. والآن تتجاوز 16 مليارا. ووحدتي تخزين وإعادة توضيب عائمة (Fsru)، و29 محطة معالجة، ومستودعات ضخمة، وقطارات نقل مجهزة، وأرصفة شحن واستقبال مؤهلة على البحرين الأحمر والمتوسط. وخطوط أنابيب تربطها بحقولها الوطنية وبشبكة انتاج الغاز الإسرائيلية، واتفاق مع قبرص على خط بحري يكتمل 2022.

معطيات منطقية، وفق تقارير متتابعة لوكالة بلومبرغ الاقتصادية، تزكي القاهرة للعب دور مركزي في تجارة الغاز. وهي معطيات لا تملكها أنقرة، لكنها كانت تعتمد، حينها، سياسة صفر مشاكل، التي صاغها أحمد داود أوغلو، حليف أردوغان وقتها وعدوه الآن، وتدعي أن مرور الغاز عبر الأنابيب لا يحتاج إسالة.

نستعيد تصريحات نقلتها رويترز عن وزير الطاقة التركي الأسبق، حلمي جولر، في 15 ديسمبر 2006، كشف فيها عما سماه حرفيا “مشروع القرن”، موضحا أنه “خط أنابيب يربط البحر الأسود والبحر الأحمر”، في خطوة قال إنها “تعزز أمن طاقة إسرائيل ودور تركيا كمركز لها” و”تنهي مخاوف تل أبيب الدائمة من صعوبة تصدير غازها البحري”.  وتوقع أن “تكون له نتائج سياسية إقليمية هامة”.

ونقلت رويترز أيضا احتفاء الإعلام التركي بـ”مشروع القرن”. وذكرت صحيفة “راديكالي” أن الخط سيمتد إلى مدينة عسقلان حيث يلتقي بخط أنابيب موجود يصل لإيلات، وأنه يسمح بالتصدير إلى الأسواق الآسيوية عبر البحر الأسود، وأرضيا إلى أوروبا. كما نقلت رويترز عن دبلوماسي إسرائيلي أن الخط قد يُمد للأردن والأراضي الفلسطينية.

عقب توقيع اتفاق خط “إيست ميد” بين قبرص واليونان وإسرائيل، أعادت تركيا التلويح بالتمدد وسط الملعب بـ”الوطن الازرق” لتعطيل مد الخط لأوروبا، التي تتشوق لتخفيف اعتمادها على الغاز الروسي، ما يحرم أنقرة من رسوم مروره.

بالتوازي جددت محاولات إحياء “مشروع القرن” وفق هيئة البث الإسرائيلي 2 يناير 2020، التي كشفت أن مسؤولا تركيّا رفيعا نقل رسالة لتل أبيب بإن بلاده “تنتظر تشكيل حكومة مستقرة في إسرائيل وتعيين وزير طاقة جديد لإعادة بحث المشروع”.

وهاجمت أنقرة منتدى غاز شرق المتوسط الذي انعقد في القاهرة، في يناير 2020، واعتبرته “تكتلا معاديا” لها، واستشهدت بعدم دعوتها هي وما تسميها “جمهورية شمال قبرص” لعضويته.

المنتدى، وفق نظامه، يقبل عضوية منتجي ومستهلكي غاز شرق المتوسط. وتركيا لا تنتجه، وكيانها القبرصي المزعوم لا اعترافا دوليا به، تماما كما وطن أردوغان الأزرق. وليس أمامها سوى أن تستورد غاز شرق المتوسط، غالبا من مصر، حينها تتأهل لعضوية المنتدى، وإلا ظلت في خانة “الولد المعطل” الذي يلجأ لبلطجة التمدد بجسده وسط الملعب، صارخا: فيها.. لأخفيها.

6