أردوغان "صانع سلام" منحاز إلى الدوحة

فشلت تركيا في أن تكون محايدة في التعامل مع أزمة قطر وقرار السعودية والإمارات والبحرين ومصر ودول أخرى مقاطعتها، ما يجعلها تفقد الأهلية لتلعب دور الوسيط لإيجاد حل. أسباب كثيرة تدفع الرئيس رجب طيب أردوغان إلى أن ينحاز سريعا إلى خط الدوحة، حليفته الاستراتيجية والاقتصادية؛ لكن، ماذا يمكن لأنقرة أن تقدم من بدائل وهي التي يبدو بيتها من زجاج أيضا، فهي بدورها تواجه العزلة وفشل مشاريعها في المنطقة ومتهمة بدعم الجماعات المتشددة وورد اسمها في تقارير تتحدث عن علاقاتها بداعش في سوريا. وعلى غرار قطر تدعم تركيا عددا من حركات الإسلام السياسي وترتبط بعلاقات ودية مع إيران.
الجمعة 2017/06/09
هامش المناورة ضيق

أنقرة – تتعامل تركيا مع تطورات الأزمة غير المسبوقة في الخليج العربي بين قطر والمملكة العربية السعودية وحلفائها باعتبارها تؤثر عليها بالدرجة الأولى، الأمر الذي يدفع “الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى أن يقف مع قطر ضد السعودية، في دعم جماعة الإخوان المسلمين ضد مصر، وحركة حماس في قطاع غزة، ولكنه عرض أن يتدخل بصفته “صانع سلام””، حسب وكالة بلومبرغ.

وتحاول تركيا، التي تعتمد سياسة قريبة من السياسة القطرية في الشرق الأوسط، مساعدة الدوحة بعد عزلها من جانب جيرانها، لكن هامش المناورة بالنسبة إليها محدود، بحسب ما يقول محللون.

وعلى غرار قطر، تدعم تركيا برئاسة الرئيس رجب أردوغان، عددا من حركات الإسلام السياسي مثل الإخوان المسلمين وحماس، وترتبط بعلاقات ودية مع إيران التي زار وزير خارجيتها الأربعاء أنقرة في أوج الأزمة بين عواصم خليجية والدوحة.

في بداية الأزمة، أجرى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سلسلة اتصالات مع عدد من القادة، من بينهم العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز، وعرض أن تلعب أنقرة دور الوسيط لرأب الصدع في البيت الخليجي.

وقال إن أنقرة ستبذل كل ما في وسعها للمساعدة في إنهاء الأزمة. حرص أردوغان في تصريحاته على عدم توجيه انتقاد مباشر إلى الرياض، حيث سعى جاهدا في الفترة الأخيرة إلى التقرب منها وتقديم نفسه باعتباره حليفا إقليميا سنيّا في مواجهة تهديدات إيران، التي سعت بدورها إلى الركوب على موجة الأزمة ودخلت على خط توسيع دائرة الخلاف الخليجي والتدخل فيه من بوابة الوساطة، أيضا.

لكن، لم يمض وقت طويل حتى كشف أردوغان أنه يفتقد لأبسط مقومات الوسيط، وهي صفحة الحياد، بعد أن انبرى للدفاع عن الدوحة.

وانتقد الرئيس التركي العقوبات التي فرضت على قطر وأكد نيته تطوير علاقات بلاده مع الدوحة. وكان أمير قطر أحد أول قادة العالم الذين قدموا الدعم لأردوغان إثر محاولة الانقلاب في تركيا في منتصف يوليو 2016.

ما يصح لتركيا لا يصح لغيرها

أعلن أردوغان، الذي عادى أغلب الدول الأوروبية وتصادم مع واشنطن بسبب إصراره على تتبع غريمه فتح الله غولن، وطرد السفير الهولندي من أنقرة وأغلق سفارتها في بلاده بعد عدم سماح هولندا لوزير تركي من دخول أراضيها والترويج لحملة التعديلات الدستورية، رفضه للقرار الذي اتخذته السعودية ودول عدة حليفة لها ضد قطر، التي تسببت سياساتها في تهديد أمن الدول المقاطعة وعلى رأسها مصر والبحرين.

ماذا يمكن لأنقرة أن تقدم من بدائل وهي التي يبدو بيتها من زجاج أيضا، فهي بدورها تواجه العزلة وفشل مشاريعها

وقال أردوغان “نحن لا نعتبر أن العقوبات التي فرضت على قطر أمر جيد”، مضيفا “سوف نواصل ونعزز علاقاتنا مع قطر كما مع كل أصدقائنا الذين دعمونا في الأوقات الأكثر حرجا، ولا سيما خلال انقلاب 15 يوليو”. وقد عملت قطر وتركيا بشكل وثيق في سوريا ومصر وتونس وليبيا خلال السنوات الأولى للربيع العربي لتمكين الإخوان.

نزلت تركيا بثقلها لدعم قطر في خطوات يقول خبراء ومتابعون إنها أصبحت معروفة في سياسات حزب العدالة والتنمية التي يتبعها كلما أراد “شرعية” وبحث عن دعم لمخططاته، حيث يتم تجييش الأنصار والموالين لحزب العدالة والتنمية الحاكم وتنظيم المظاهرات وتسخير وسائل التواصل الاجتماعي، التي تحجبها السلطات في أغلب الأوقات، وتوالي تصريحات مختلف المسؤولين الأتراك. وأصدرت وكالة أنباء الأناضول مجموعة من التقارير والتغطيات التي توضح الانحياز التركي الكامل لقطر، ما يجعل أنقرة وفق الخبراء غير مؤهلة للقيام بدور الوسيط ويفقد “جهودها الدبلوماسية” لحل الأزمة المصداقية.

واكتفت التقارير الإعلامية التركية بالترويج لوجهة النظر القطرية، دون غيرها، والتي تتركز أساسا حول نظرية المؤامرة وقلق بعض الدول من “السياسات الخارجية المستقلة التي اتبعتها قطر خلال السنوات الأخيرة، والعلاقات الطيبة التي أقامتها مع الحركات الإسلامية في العالم العربي”.

ونقلت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية عن غالب دالاي، مدير الأبحاث في منتدى الشرق، وهي منظمة بحثية تركية، قوله إن تركيا انتقلت من دور الوسيط المحايد إلى دور الداعم القوي لقطر.

ويقول الخبراء إن أردوغان لا يترك فرصة إلا ويستغلها لدعم سياساته، حيث وجد في الأزمة الراهنة مناسبة للمصادقة على اتفاقية دفاعية موقعة بين الدوحة وأنقرة منذ سنة 2014. ففي خضم الحدث عمل حزب العدالة التنمية الحاكم في تركيا والحاصل على الأغلبية البرلمانية، على تسريع استصدار تشريع من أجل إرسال قوات إلى قطر.

ويجري الإعداد لهذه الاتفاقية منذ عدة أشهر، وقد جعل اتخاذ خطوة التسريع من وتيرة إصدار التشريع في الوقت الذي تواجه فيه قطر أزمة كبيرة مع جيرانها في الخليج العربي، حزب المعارضة الرئيسي، حزب الشعب الجمهوري، يعبر عن مخاوفه من دعم الحكومة لقطر في الأزمة الراهنة، مشيرا إلى أن السعودية تتهم قطر بدعم جماعات متشددة.

حملة سعودية لمقاطعة المنتجات التركية

"الأخ" أردوغان

علاوة على العلاقات الدبلوماسية القوية بين قطر وتركيا، يمكن تفسير موقف أنقرة أيضا بالوزن المتنامي للاستثمارات القطرية في الاقتصاد التركي والتي تبلغ قيمتها، بحسب أرقام نشرتها الصحف التركية، حاليا إلى 1,5 مليار دولار.

وفازت شركات تركية بعقود بقيمة تفوق 13 مليار دولار في مشاريع بناء في قطر على صلة بكأس العالم لكرة القدم في 2022.

كما تعمل الشركات التركية أيضا في حوالي 130 مشروعا، بما في ذلك بناء مترو الأنفاق في الدوحة، الذي يكلف بناؤه 4.4 مليار دولار. كما حققت قطر وتركيا عائدات تجارية بلغت 692 مليون دولار في عام 2016.

وعلى الرغم من أن بعض الخبراء يقولون إن أزمة قطر لا يمكن أن تؤثر بشكل مباشر على تركيا، فإن أنقرة لديها ما تخشاه، حيث تعلم جيدا أنه إذا واجهت قطر مشاكل اقتصادية خطيرة، فإنها ستؤثر في المقام الأول على تركيا، مثلما هو الحال مع الأوضاع السياسية والدبلوماسية، وذلك لأنهما تنتهجان مقاربتَين شبه متطابقتين للأزمات في الشرق الأوسط، كل هذا يدفع أنقرة إلى الوساطة في حل الأزمة.

ويقول خبراء إن الاستنفار التركي يتعدى حدود العلاقة القوية التي تربط أنقرة بالدوحة، وأيضا يتجاوز فكرة الظهور بصورة حليف إقليمي مؤثر، لأن تركيا، التي تعاني من العزلة وفشلت مخططاتها في استثمار الربيع العربي وتمكين الإخوان وتحقيق اختراق مؤثر للأزمة السورية والتمدد في عالمها التركي المجاور، وورد ذكر اسمها في تقارير تتحدث عن علاقات بداعش وتنظيمات مصنفة على قائمة الجماعات الإرهابية، تخشى أن تكون التالية بعد قطر.

وهذه المواقف هي التي جلبت للدوحة غضب السعودية والإمارات والبحرين ومصر التي قطعت علاقاتها مع الدوحة واتخذت إجراءات بغرض عزلها، ويمكن أن تكون سببا في زيادة عزلة تركيا.

وبحسب رئيس مركز "إيكونوميكس اند فورين بوليسي" سنان أولغين في إسطنبول، فإن "هذه الأزمة غير ملائمة بتاتا لتركيا لأنها تقيم علاقات جيدة مع كل من قطر والسعودية".

يتخوف بعض المحللين الأتراك الذين شبهوا سياسة الدوحة بسياسة أنقرة، من أن تتعرض تركيا بدورها لرد فعل من السعودية وحلفائها.

ويؤكد المحلل مارك بيريني، من مركز كارنيغي أوروبا، إن فرص نجاح وساطة تركية محتملة في هذه الأزمة ضعيفة.

ويقول إن “تأثير سياسة مصالحة مصدرها تركيا سيكون بالتأكيد محدودا بسبب الخلاف شبه الدائم بين أنقرة والقاهرة” منذ الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي، حليف أردوغان والمنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، وتولي عبد الفتاح السيسي رئاسة مصر.

ويضيف “تعتبر تركيا في الخليج العربي حليفا سياسيا مقربا من قطر. وبشكل غير مباشر، يمكن أن تتأثر سلبا على الصعيد الدبلوماسي من هذا الوضع الجديد في شبه الجزيرة العربية”.

قرار تركيا بإنشاء قاعدة عسكرية لها في قطر سيضعها في مسار تصادمي مع بقية حلفاءها وخاصة المملكة العربية السعودية

ويؤكد الباحث ديدييه بيليون، من معهد العلاقات الدولية والإستراتيجية، أن تركيا تجد نفسها “في وضع صعب"، معتبرا أن "توجهها الرئيسي سيكون محاولة تخفيف الضغط، لكن فرص أن يستمع إليها أحد في هذه المرحلة نسبية جدا”.

هل يتم استهداف تركيا

يشير الخبراء إلى أن القلق هو الذي يدفع تركيا إلى الوقوف بشدة في الصف القطري؛ فالموقف الأخير أثبت لأردوغان، الذي قام منذ مدة قصيرة برحلة خليجية عاد منها محملا باتفاقيات استثمارية وسياسية، أن التأكيد الخليجي على أن أنقرة شريك استراتيجي، يعني أن عليها إثبات هذه الثقة بالفعل لا فقط بالقول، وأن تلتزم بأن تكون عضوا فاعلا في مواجهة التهديدات الأمنية والتحديات التي تحيط بالمنطقة، لا سببا فيها.

في هذه النقطة تركيا أقرب إلى قطر منها إلى بقية دول الخليج العربي؛ بل وفي موقف يؤكد على خصوصية العلاقة بين الدوحة وأنقرة يذكر الباحث والمحلل التركي متين كورجان أن الرئيس رجب طيب أردوغان والشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ينادي أحدهما الآخر بـ”أخي”، مشيرا إلى أنهما يواجهان معضلات متشابهة.

لذلك، يرى الخبراء أن تركيا لا تملك الكثير من البدائل التي يمكن أن تقدمها لحليفتها، وأن الأزمة تتعدى تدبير إمدادات الغذاء والماء؛ وقد تجر قدمها هي أيضا إلى عمق العاصفة.

ويقول طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، إن “العلاقات التركية مع المجتمع الدولي متشابكة، وبالتالي يمكن أن يحدث لتركيا ما حدث لقطر، إذا رأت الولايات المتحدة أن هناك فرصة لتطويق تركيا وحصارها”.

ويرى سنان أولغين أن تركيا يمكن أن تتأثر بالعقوبات التي فرضت على الدوحة. ويقول "إن خسارة قطر لاستقلالها في مجال السياسة الخارجية سيضعف الشراكة بين تركيا وهذا الحليف الأساسي في الخليج".

وأطلق نشطاء سعوديون على مواقع التواصل الاجتماعي حملة واسعة تدعو إلى مقاطعة المنتجات التركية في المملكة احتجاجا على سياسة أنقرة.

جذبت الحملة تحت الوسم #مقاطعة_المنتجات_التركية عددا كبيرا من المغردين السعوديين المتفاعلين معها، لتتصدر قائمة المواضيع الأكثر تفاعلا على تويتر؛ كما سجلت الليرة التركية انخفاضا أمام الدولار بنسبة 1 بالمئة، بمجرد أن انتشر خبر مصادقة البرلمان على القانون الذي يسمح بتمركز قوات تركية على الأراضي القطرية، وقد رد مغردون على هذا القرار ساخرين من أن تركيا التي فشلت في التمدد في عالمها التركي المجاور في آسيا تكتفي بإرسال بضعة جنود لدولة صديقة.

وأكدت صحيفة فايننشال تايمز أن قرار تركيا بإنشاء قاعدة عسكرية لها في قطر سيضعها في مسار تصادمي مع المملكة العربية السعودية، على الرغم من أن عدد القوات التركية المقرر إرساله للدوحة سيكون ضئيلا جدا لا يتعدى المئات. ولفتت الصحيفة إلى أن الإدارة التركية فشلت في تأدية دور المحايد في الأزمة.

ويقول يوسف سينار، رئيس المركز التحليلي التركي، لوكالة تريند الإخبارية، إن “لهذه الأزمة تداعيات سلبية على تركيا التي لن تتمكن من التصرف بشكل مستقل في المنطقة كما كان الحال خلال فترة رئاسة أوباما، وسيتعين على تركيا الالتزام بسياسة حلف الناتو في المنطقة”.

6