أردوغان عثماني إسلامي متعطش لرئاسة تركيا الأتاتوركية

الأحد 2014/08/10
أردوغان يريد تعديل الدستور لجهة توسيع صلاحيات الرئيس التي تبقى حتى الآن فخرية

أنقرة- يتوجه الناخبون الأتراك إلى صناديق الاقتراع اليوم الأحد لاختيار رئيس جديد لبلادهم بشكل مباشر لولاية تستمر خمس سنوات وسط توقّعات أولية بفوز رئيس الوزراء الحالي رجب طيب أردوغان في السباق الرئاسي ومخاوف علمانية من نوايا أردوغان المهددة لتركيا الكمالية.

وقرر رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان عدم اختصار سنوات حكمه بـ11 عاما على رأس الحكومة وترقية نفسه من رئيس للوزراء إلى رئيس للجمهورية التركية.

بين أنصار كثر ومعارضين أكثر يخوض رئيس الوزراء التركي سباق الانتخابات الرئاسية، التي تبدأ جولتها الأولى اليوم الأحد حيث يتوجه الناخبون الأتراك إلى صناديق الاقتراع لاختيار رئيس جديد لبلادهم بشكل مباشر وليس عن طريق البرلمان كما كان يحدث من قبل. حيث كان في السابق يتم انتخاب الرئيس بشكل شرفي من قبل البرلمان لفترة واحدة مدتها سبع سنوات، لكن بعد تعديل الدستور فإن الرئيس المنتخب الجديد لديه فترة ولاية مدتها خمس سنوات، ويحق له الترشح لولاية ثانية.

ورئيس الوزراء التركي الحالي يعتبر أحد ثلاث مرشّحين هم إلى جانب أردوغان، مرشح حزب “العدالة والتنمية” الحاكم، إحسان أوغلي، الأمين العام السابق لمنظمة التعاون الإسلامي والمرشح التوافقي لعدد من أحزاب المعارضة، أبرزها “الشعب الجمهوري”، و”الحركة القومية”، أكبر حزبين معارضين، والكردي صلاح دميرتاش مرشح حزب “الشعوب الديمقراطي”.

قد لا تمثل هذه الانتخابات بالنسبة إلى أوغلي ودميرتاش نفس الأهمية التي تشكّلها عند أردوغان الحفيد العثماني الطامح إلى مكانة كمال أتاتورك، باني دولة تركيا الحديثة. ويقول أردوغان، المتعطّش للسلطة، إنه يأمل في أن يكون رئيسا للبلاد في عام 2023 عندما تحتفل تركيا بمرور مئة عام على تأسيس الجمهورية الحديثة من خلال مصطفى كمال أتاتورك.

ويخشى منافسا أردوغان من أن يعطي النظام الرئاسي على نمط تنفيذي مزيدا من السلطات لشخص يتهمونه بأنه أصبح مستبدا بشكل كبير في السنوات الأخيرة. ويشكل فوز أردوغان في الجولة الأولى عاملا مهما يتيح له تحقيق هدفه الخاص بإجراء تغييرات دستورية لدعم الرئاسة.

تعتمد تركيا على دستور عام 1982، الدستور الذي سنّ غداة الانقلاب العسكري الذي وقع في الثاني عشر من سبتمبر من العام 1980. وهو رابع دستور أسس لجمهورية تستند إلى نظام برلماني يعتمد على فصل بين السلطات، وبالتالي فإن دور رئيس الدولة يكمن أساسا في دور الحكم بفيتو محدد جدا وبتعيين كبار رجال الدولة خاصة في الجانب الإداري.

وقد لمّح رئيس الوزراء التركي إلى إمكانية تغيير النظام المعمول به في تركيا من نظام برلماني إلى نظام رئاسي خلال تصريحات أدلى بها في برنامج “الأجندة الخاصة مع أردوغان”، وقال: “الرئيس التركي الجديد الذي سيختاره الشعب بنفسه، بعد انتخابه سيصبح في مكانة تجعله يتخذ قررا بشكل أقوى في مسألة صلاحياته الدستورية، فقد يمكنه تغيير النظام في تركيا من برلماني إلى رئاسي، وهو الذي سيقرر هذا”.

في حالة فوز أردوغان في الانتخابات فإنه سيعمل في القريب العاجل بمحاولة تسوية العلاقة بين الرئيس ورئيس الحكومة ومجلس الوزراء والبرلمان

وأضاف رئيس الحكومة التركية قائلا: “وأنا أرى أن تركيا ستكون أفضل إذا ما انتقلت إلى النظام الرئاسي، وستكون مختلفة عن ذي قبل”، مشيرا إلى أنهم اقترحوا من قبل فكرة نظام نصفه رئاسي، والنصف الآخر برلماني، ولكن المعارضة رفضت، على حد قوله.

وذكر أردوغان أن كلاّ من الرئيسين السابقين الـ8 “تورغوت أوزال”، والـ9 “سليمان دميرال” “فكرا في تحويل البلاد إلى النظام الرئاسي لكنهما لم ينجحا في ذلك”، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن هذا الأمر سيُطرح على الشعب ليقول كلمة الفصل فيه. وذكر أن عهد الانقلابات قد مُحي من قاموس تركيا.

وينظر إلى الانتخابات الرئاسية التركية في جوانب كثيرة على أنها استفتاء على شعبية رئيس الوزراء، الذى تشير استطلاعات الرأي إلى وجود حالة انقسام بين الأتراك بشأن أدائه. وشهدت شعبية أردوغان تراجعا وبدأت الصورة التي حرص على نقلها تهتز منذ المظاهرات التي شهدها العام الماضي في متنزه “جيزي بارك” في يونيو 2013، وتم قمعها بقوة فاجأت الجميع داخل تركيا وخارجها.

وفي قمّة الجدل السياسي والشعبي حول حقيقة رئيس الوزراء، تلطخت سمعة أردوغان، الذي وصفه الشارع بأنه “ديكتاتور”، خلال هذه الاحتجاجات الشهيرة، باتهامه في قضية فساد مالي غير مسبوقة في الشتاء الماضي الأمر الذي هز فعليا أركان نظامه.

وأظهرت تسجيلات هاتفية مقرصنة على أنه “عرّاب” يبتز الرشاوى من أرباب العمل أو مستبد يفرض ما يريده على وسائل الإعلام. وقد أثارت قراراته بحجب مواقع التواصل الاجتماعي ومنها يوتيوب وتويتر ردود فعل واحتجاجات في تركيا والعواصم الغربية على حد سواء.

أردوغان يطمح لتعزيز سلطة الرئيس وتوسيع صلاحيته

وعشية الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية استقال رئيس تحرير صحيفة حريت التركية بعدما انتقد رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان التغطية الصحفية لمجموعة دوغان للإعلام المالكة للصحيفة. وكثيرا ما أبدت جماعات حقوقية مخاوفها بشأن ضغوط الحكومة على وسائل الإعلام في تركيا ولفتت الانتباه لاتجاه متزايد لإقالة رؤساء تحرير وصحفيين.

وتسببت الإجراءات المتبعة ضد ما تصفه الحكومة التركية بـ”الدولة الموازية المتغلغلة” داخل الحكومة التركية”، والتي تعززت باعتقال وتسريح مئات الضباط، باحتقان سياسي، وذلك رغم إصرار رئيس الوزراء التركي وحزب العدالة والتنمية على الاستمرار في نفس النهج في حال الفوز بالانتخابات.

وزاد من الاحتقان الخلاف الكبير المعلن بين أردوغان وحزبه من جهة، والمحكمة الدستورية ونقابات عديدة أبرزها نقابة المحامين من جهة أخرى، وذلك على خلفية تعديل قانون مجلس القضاء لتكون قراراته تابعة لوزير العدل والحكومة، وهو ما اعتبر تدخلا للحكومة في الحريات العامة والخاصة.

وبحسب أبرز معارضي أردوغان، كمال كيليجدار أوغلو، فإن أردوغان “فقد نهائيا أي شرعية لحكم البلاد”. لكن رئيس الوزراء الذي يصفه منافسوه ومؤيدوه أحيانا بأنه “سلطان” جديد لم يستسلم. ولأنه يثق بقدرته الانتخابية عمد إلى الرد على الحملات ضده عبر استئناف استراتيجيته المفضلة، وهي الاضطلاع بدور الضحية.

ورغم تحصل حزب العدالة والتنمية (حزب أردوغان) على 43 بالمئة من الأصوات في الانتخابات البلدية التي أجريت في 28 مارس، وهو ما يتجاوز 39 بالمئة التي تحصل عليها الحزب في الانتخابات البلدية السابقة بالرغم من عدم بلوغ نسبة الخمسين بالمئة تقريبا التي فاز بها في الانتخابات العامة الأخيرة، فقد بدت المؤشرات تؤكد أن البلاد تسير بعيدا عن الديمقراطية وحكم القانون مع فترة جديدة من حكم إسلاميي تركيا.

تمثل الانتخابات الرئاسية القادمة في تركيا مسلكا خطيرا يحدد مستقبل الدولة التركية ويضع ملامح دورها الإقليمي وبوصلتها واتجاهاتها خلال المرحلة القادمة. وتأتي أهمية تلك الانتخابات من كونها أول انتخابات رئاسية تتم بالاقتراع العام المباشر.

كما أنها ستأتي بأول رئيس للجمهورية التركية منتخب مباشرة من الشعب، مما يعطيه صلاحيات حقيقية تمكّنه من حكم البلاد وإحكام قبضته عليها في حال تم إجراء تعديلات على الدستور التركي توسّع من صلاحيات رئيس الجمهورية على حساب صلاحيات رئيس الوزراء.

وتتخوف المعارضة العلمانية من أن حزب العدالة والتنمية الحاكم يعمل على إلغاء سياسة الفصل بين الدين والدولة التي اعتمدها مؤسس الدولة التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك.

المتنافسون في رئاسيات تركيا
◄رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء مرشح حزب «العدالة والتنمية» الحاكم

◄أكمل الدين إحسان أوغلو مرشح توافقي لعدد من أحزاب المعارضة

◄صلاح الدين دميرتاش مرشح حزب «الشعوب الديمقراطي»

وخلال الأعوام العشرة التي قضاها رئيسا للوزراء قلّص أردوغان نفوذ النخبة العلمانية التي هيمنت منذ أسس مصطفى كمال أتاتورك الجمهورية الحديثة على أنقاض الدولة العثمانية في عام 1923. ويراه المعارضون سلطانا معاصرا تتسبب جذوره الإسلامية وعدم تقبله للمعارضة في إبعاد تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي والمرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي عن مبادئ أتاتورك العلمانية.

ويقول مساعدون إن بإمكان أردوغان أن يتولى فترتين رئاسيتين ويبقى في الحكم حتى عام 2023 الذي سيوافق الذكرى المائة لتأسيس الجمهورية العلمانية. ولا تخفى هذه الرمزية على زعيم تعج خطبه بالإشارات للتاريخ العثماني.

في المقابل، لا يتوقع محللون آخرون أن يتخلى أردوغان، حفيد العثمانيين ذو التوجّه الإسلامي، والطامح إلى رئاسة تركيا، على المبادئ الأتاتوركية التي تسير بها تركيا منذ أن تقلّد أتاتورك منصب أول رئيس لتركيا الحديثة سنة 1923.

ويشير الباحث دارون أجموغلو في هذا السياق إلى أن حزب العدالة والتنمية يمكن أن يقلّد سابقيه من الكماليين، لكن من غير المحتمل أن يكون المجتمع التركي طيعا مثلما كان في السنوات السابقة، إذ غدا الشباب في البلاد أكثر ليبرالية وأكثر استقلالية وأحسن اطلاعا مما كانوا عليه من قبل، فضلا عن أن احتجاجات العام الماضي أوضحت أن الشباب أصبح أكثر تعطشا للمشاركة السياسية والديمقراطية.

والقضاء الذي استلهم من المجتمع المدني التركي المستيقظ حديثا لم يعد يقنع بأن يكون منقادا، ومن ذلك رفض المحكمة الدستورية لبعض القوانين والمراسيم القمعية التي أصدرها حزب العدالة والتنمية.

ومن المهم ملاحظة أن المحكمة الدستورية بقيامها بمثل هذه التدخلات لم تتكلم لمصلحة النخبة العسكرية البيروقراطية (مثلما كان دورها تحت حكم حزب الشعب الجمهوري) بل لفائدة قطاع واسع من السكان، ومن ثمّة لفائدة حكم القانون والمؤسسات السياسية التي تضم الجميع.

4