أردوغان على حق للأسباب الخطأ

الاثنين 2016/08/08

تخيل أن سفينة يتصارع قبطانان على قيادتها تبحر وسط أمواج متلاطمة يمينا ويسارا، وتسمع داخلها صيحات الركاب الهائمين دون جدوى. هل سيقود هذان القائدان السفينة بمن عليها إلى مكان آخر سوى عمق المحيط؟ ماذا لو كان هذان القبطانان يقودان مؤسسة أو شركة؟… ماذا لو كانا يقودان دولة؟

الدول الحقيقية دائما تحظى بمؤسسات هي عادة الممثل الوحيد للشعب الذي انتخبها. في أغلب دول الشرق الأوسط اعتاد الناس على التعايش مع دولتين متوازيتين داخل كيان واحد.

تختطف الدولة الموازية عمليا جزءا من الشعب وتكون مسؤولة عنه. تكسب هذه الدولة بالتدريج ولاءات المجموعة المختطفة على أساس علاقة تتحول مع الوقت إلى ثقة متبادلة. قاعدتا هذه الثقة غالبا هما الدين والاقتصاد.

في تركيا ومصر والعراق كانت العلاقة التوافقية بين الدولة والإسلام السياسي محيرة. أوكلت الدولة في البلدان الثلاثة مهمة تولي قطاع واسع من الناس ورعايتهم إلى مؤسسات دينية يديرها رجال دين أو قادة إسلاميون يحلمون بالسلطة. في النهاية لم يكن أمام الدولة من مفر سوى التعامل مع دولة موازية نهضت على ثنائية القائد السياسي ورجل الدين. من السادات ومبارك/ الإخوان في مصر إلى المالكي والعبادي/ السيستاني في العراق، وأردوغان/ كولن في تركيا.

يحمل أردوغان بلاده حتما إلى عصر جديد من الاستبداد. هذه حقيقة لم يعد هناك مجال لإنكارها. لكن هل كل ما يفعله أردوغان اليوم خطأ تماما؟

من الجنون الاعتقاد بأن اعتقال الصحافيين وفصل الأكاديميين وتوقيف حكام كرة القدم والفنانيين سلوك ديمقراطي. لا يملك جرأة اتخاذ مثل هذه القرارات سوى المستبدين المصابين بمرض التسلط، بعد أن تكون حالتهم قد ساءت تماما.

مفهوم أن يُعتقل جنود مدججون بالسلاح، ورجال أمن محترفون ساهموا في مباراة خطرة ومحسوبة بالنقاط لإسقاط حكومة منتخبة. لكن ما ذنب الجمهور الجالس في المدرجات؟

لنأخذ الأمر من زاوية أخرى. في مصر كان الإخوان، واقعيا، دولة موازية تتولى مسؤولية المعونة الشعبية تحت عين الدولة الرسمية. بعد ثورة 2011 خرجت الدولة الموازية من تحت سيطرة الدولة الرسمية، وسرعان ما احتلت مكانها.

لم يتحمل الشعب حكم الدولة الموازية ببساطة لأنها لم تتصرف أو تدرك أنها صارت دولة رسمية.

بعد أن أطاح المصريون بحكم الإخوان، هل كان لعبدالفتاح السيسي أن يقبل برئاسة دولة تحكم نصف المجتمع؟ ليس السيسي أفضل حاكم تستحقه مصر، لكن في نهاية الأمر يجب أن يكون هو الحاكم الفعلي والوحيد، ولا يقبل بتقاسم الحكم مع أي جماعة مهما بلغت قوتها أو توغلها في المجتمع.

انظر مثلا إلى العراق اليوم. من يحكم هذا البلد فعليا؟ هل هو رئيس الوزراء حيدر العبادي الذي لا يملك حتى منع قاسم سليماني أو غيره من العربدة في طول البلد وعرضه؟ هل تأتمر ميليشيات الحشد الشعبي فعلا بأوامره؟ إذا كان هذا صحيحا، لماذا يسرع في كل مرة يتعرض فيها لمأزق إلى المرجع السيستاني طلبا للتأييد الشعبي؟

نظام الحكم في تركيا ليس استثناء بعيدا. لا يريد أردوغان أن يجد نفسه في نهاية المطاف رئيس نصف تركيا، وكولن رئيس النصف الآخر. وضعت محاولة الانقلاب الفاشلة هذا البلد الكبير على مفترق طرق. لم يعد أمام تركيا من حل سوى الانحدار مسرعة نحو دكتاتورية أردوغان، أو التحول تدريجيا إلى دولة يديرها صراع الولاءات.

لا يقتصر الأمر على تركيا وحدها. المنطقة كلها باتت تتوق إلى الاستبداد، وترى فيه حلا وحيدا للقضاء على أي ولاءات موازية.

تعلمت دول الشرق الأوسط من تجربة أخرى مجاورة هي إيران. هذا بلد عقائدي يحكمه نظام ثيوقراطي وحشي. رغم فسيفساء الأقليات المكونة للمجتمع، وقسوة ودموية النظام، لم تتعرض إيران لانقسامات داخلية كافية لزعزعة اسقرارها، لأن الدولة لم تسمح بقيام دولة أخرى موازية لها.

كم من الوقت سيحتاج الأمر لينقل أردوغان فلسفة حكم تركيا كي تصبح أقرب إلى إيران؟ بالطبع ليس المقصود هنا استحالة تركيا العلمانية إلى بلد يحكمه رجال “الدين”، بقدر تحوله إلى مجتمع يهيمن عليه رجال “الدين السياسي”.

ما عاد أمام الأتراك من خيار آخر. في سبيل الخلاص من الدولة الموازية، عليهم تحمل سنوات قادمة من عنجهية أردوغان وصفاقته في سبيل تحقيق طموحه الشخصي.

لا بأس، طالما أن ذلك سيحافظ على وحدة البلد، الذي لا تتحمل منطقة الشرق الأوسط ولا أوروبا انهياره. على الأقل سيكون هناك قبطان واحد للسفينة.

كاتب مصري مقيم في لندن

6