أردوغان في ثوب الواعظ.. تحديد النسل خيانة لدولة تركيا

يصر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على تكرار دعواته للأتراك لتشجيعهم على الإنجاب كلما أتيحت له الفرصة. وفي كل مرة يستند إلى حجج جديدة ويمرر خطابا كثيرا ما يكون صادما بالنسبة للمدافعين عن حقوق المرأة ولمعارضي سياسات حزب العدالة والتنمية الاجتماعية. وخلال الدعوة الأخيرة التي هاجم فيها أردوغان برامج تنظيم النسل لم يقدم على إثارة المعطيات الاقتصادية والصعوبات المعيشية والإمكانيات المادية التي تدفع الأتراك إلى الحد من عدد الولادات وهو ما لم تعِه الطبقة السياسية وعلى رأسها رئيس الدولة.
الأربعاء 2016/06/01
تبني رؤية الإخوان المسلمين للأسرة

أنقرة - لا يعاني المجتمع التركي من بلوغ التهرم السكاني درجات قصوى ولا من نسب لافتة للشيخوخة مقارنة بالعديد من الدول في العالم رغم تراجع معدلات الإنجاب في السنوات الأخيرة، لذلك لا يعتبر الأتراك مسألة زيادة الولادات أولوية في قائمة قضاياهم الرئيسية وهو ما يفسر عدم الاستجابة لدعوات أردوغان المتكررة للإقبال على الزواج والإنجاب رغم إقراره جملة من الإجراءات والتحفيزات المالية.

منذ كان رجب طيب أردوغان رئيسا للوزراء لم يضيع ولو فرصة واحدة في تمرير خطاب يشجع الأتراك على الإنجاب ومضاعفة عدد الولادات وفي كل مرة كان يعتمد حججا اجتماعية وأسرية يرتكز فيها على دور المرأة الأصلي برأيه والمتمثل في الأمومة والإنجاب لكن في دعوته الأخيرة قفز من مستوى الدور الرئيسي للمرأة في الأسرة والمجتمع ليبلغ مستوى انضباط الأسر المسلمة لمبادئ الدين الاسلامي.

وخلال خطاب ألقاه مؤخرا في اسطنبول قال الرئيس التركي إن الأسر المسلمة يجب ألا تنخرط في أي برنامج لتحديد النسل أو تنظيم الأسرة داعيا مجددا المسلمين لإنجاب المزيد من الأطفال. وقال “سنضاعف أعداد أحفادنا. يتحدثون عن تنظيم الأسرة وتحديد النسل. يتعين على الأسر المسلمة عدم انتهاج أي من هذه الأساليب.” وأضاف “لا أحد يمكنه التدخل في عمل الله. ونحن نسير على سنة الله ورسوله.الواجب الأول هنا يخص الأمهات”.

جدير بالتذكير أن أردوغان سبق وأن طلب في العام 2013 أثناء تقلده منصب رئاسة الوزراء، من النساء التركيات إنجاب ثلاثة أطفال على الأقل لدعم الأمة، واعتبر أنه من المفيد أن تنجب كل امرأة ثلاثة أطفال على الأقل، كما تقدم أيضا بمقترحات لفرض قيود على الحق في الإجهاض الذي وصفه بـ“جريمة ضد الإنسانية” ووسائل منع الحمل التي اعتبرها “خيانة للأجيال التركية المستقبلية” كما عبر عن نظرته للتنظيم العائلي الذي تعتمد المرأة وسائله للحد من عدد الولادات بقوله “أعلم أن هناك من يزعجهم كلامي لكن بالنسبة لي المرأة هي أم قبل كل شيء”، استمرارية هذا الخطاب أردوغاني الطابع تحتمل قراءات وانتقادات متعددة الوجوه.
بدل أن تعكف الحكومة والرئيس على البحث عن حلول للمشاكل الاقتصادية المتنامية تطالب الأسر بزيادة الأبناء

أولها أن أردوغان كزعيم سياسي للحزب الحاكم في تركيا ذي الخلفية الإسلامية اعتلى منصب رئيس الدولة لا يتوانى في خدمة الأهداف الأيديولوجية لحزبه والتي تتماشى مع رغباته وطموحاته الشخصية والتي تقوم على بناء مجتمع تركي جديد يقطع مع الماضي العلماني ويتبنى النمط الإسلامي (لكن بالطبع وفق رؤية حزب العدالة والتنمية وزعمائه لمفهوم إسلامية المجتمع)، أردوغان يسعى دوما إلى انتهاج السبل الكفيلة بتغيير نمط التفكير والمعيشة في تركيا وإلى أن يدمج أكثر فأكثر الدين الإسلامي في الحياة اليومية والخاصة للأتراك من ذلك نفيه لأن توصف العائلة بالمسلمة عندما تتبنى نهج التنظيم العائلي وتعتمد وسائل منع الحمل والحد من الولادات.

ثانيا يبدو أن تركيز أردوغان على بسط نفوذه من خلال الانفراد بالحكم وتنفيذ الأجندة الإسلامية الراسخة في فكره جعله يتجاهل أو ينسى فعلا أنه رئيس لدولة حديثة تريد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والالتحاق بمصاف الدول المتقدمة وهي دولة لا تعاني من ظاهرة الشيخوخة لتحتاج إلى سياسات ودعوات تلح على تشبيب المجتمع وزيادة الولادات بل إنها دولة يعاني فيها الشباب من البطالة ومن مشاكل مادية واقتصادية جعلته يعزف عن الزواج والإنجاب.

وبدل أن تعكف الحكومة والرئيس على البحث عن حلول للمشاكل الاقتصادية المتنامية ويعيان بضرورة تحسين مستوى العيش والرفع من إمكانيات الفرد المادية عبر الاستثمار في الموارد والبحث عن موارد جديدة لتحسين الأداء الاقتصادي يتجهان نحو سياسات تعالج مظاهر المشاكل بحلول سطحية لا تمس العمق. ورغم أن الواقع يفرض على القادة السياسيين وخاصة رؤساء الدول التعامل مع المسائل ببراغماتية وبمنطق الأرقام فإن أردوغان يتجه نحو النصح والإرشاد الاجتماعي والوعظ الديني.
لعل أردوغان توقع أنه من خلال استغلاله للجانب الروحي واعتماده على الربط بين اعتماد وسائل تحديد النسل وبين تنافي ذلك مع مبادئ الشريعة الإسلامية ومع السنة النبوية سيكون أكثر إقناعا

من جهة أخرى يشي تركيز أردوغان على الزيادة في الولادات من خلال النصح والخطب وإجراءات التشجيع على الزواج وتحفيز النساء على إنجاب ثلاثة أطفال فما فوق وإقرار إجراءات قانونية ومنح مالية للمنجبات في إجازة الأمومة وللمقدمين على الزواج بأنه يعتمد سياسة صماء لا تكترث بآراء المنتقدين والمعارضين السياسيين ولا حتى بمواقف الجماعات المدافعة عن حقوق المرأة الذين انتقدوا تدخلات أردوغان الجريئة في الأمور الخاصة وفي القرارات الشخصية نظرا لتحديده للمرأة عدد الأطفال الذي يتعين عليها أن تنجبه، ولتجاهله الأفكار والتوجهات الدولية المتعلقة بالمساواة بين الجنسين ودعم حقوق النساء.

وقد نشرت وسائل إعلام عديدة تنديدات بخطاب أردوغان؛ من ذلك أن موقع الاكسبراس الفرنسي نقل عن المعارضة والحركات النسوية التركية تنديدها بخطاب أردوغان على تويتر حيث قالت جمعية “كادن سينيالتوري” المناهضة للعنف ضد المرأة ” لا يمكنكم اغتصاب حقنا في تحديد النسل ولا باقي حقوقنا بتصريحاتكم وخطبكم التي ترجع إلى القرون الوسطى. سوف ندافع عن حقوقنا”.

لعل أردوغان توقع أنه من خلال استغلاله للجانب الروحي واعتماده على الربط بين اعتماد وسائل تحديد النسل وبين تنافي ذلك مع مبادئ الشريعة الإسلامية ومع السنة النبوية سيكون أكثر إقناعا بفكرة زيادة الولادات ولكنه غفل عن أنه يواصل التدخل وفرض رأيه في مسائل خاصة لا يمكن أن تبت فيها قرارات سياسية حتى وإن صدرت من أعلى هرم السلطة فقرار الإنجاب من عدمه لا تتخذه إلا المرأة والأسرة وفقا لما تتيحه الظروف المعيشية والاقتصادية.

12