أردوغان في مواجهة صعوبات داخلية وخارجية

الضغوط الاقتصادية وتغير الإدارة الأميركية يضاعفان قلق أردوغان من تغيرات محتملة في الوضع التركي.
الأربعاء 2020/11/25
وضع مربك

أنقرة – يواجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان صعوبات داخلية وخارجية من شأنها أن تضاعف الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا وزادت تداعيات جائحة كورونا من حدتها.

وبحسب مصادر تركية مطلعة، فإن الرئيس التركي قد لجأ إلى إقالة رئيس البنك المركزي هذا الشهر بعد ساعات من تلقيه إحاطات عن الوضع الاقتصادي الهش، وتلك الخطوة المفاجئة هي التي حدت بصهره براءت البيرق إلى الاستقالة من منصب وزير المالية.

وقرّر أردوغان ترقية ناجي إقبال إلى رئاسة البنك المركزي بعد أن حذر هو وأعضاء كبار آخرون بحزب العدالة والتنمية الرئيس من تناقص حاد للاحتياطيات الأجنبية.

وتكشف شهادات المصادر التحول الاقتصادي المفاجئ الذي شهدته تركيا خلال عطلة نهاية الأسبوع بين السادس والتاسع من نوفمبر. في غضون ذلك، يحاول المستثمرون استكشاف الحقبة الاقتصادية الجديدة التي تحدّث عنها أردوغان، بعد أن ارتفعت الليرة عشرة في المئة لدى الإعلان عنها ثم عادت وتراجعت خمسة في المئة هذا الأسبوع.

وتضمنت الإحاطات التي تلقاها أردوغان على مدى يومين قبل أن يتخذ قراره في السادس من نوفمبر تحذيرا من الفشل في تدبير تمويل أجنبي جديد من الخارج، ومن ضغوط من تراجع الليرة 30 في المئة منذ يناير جراء كوفيد - 19، وفقا للمصادر.

ونتيجة لذلك، استدعى الرئيس الذي أصابه القلق محافظ البنك المركزي آنذاك مراد أويصال ليسأله كيف تراجعت احتياطيات النقد الأجنبي أكثر من النصف هذا العام وما خططه لإعادة بنائها، رغم أن التراجع مسجل في بيانات البنك المركزي المعلنة وبالتالي لا يمكن أن يكون مبعث مفاجأة، لكن المصادر قالت إن ذلك النقاش أقنع أردوغان بضرورة تغيير أويصال.

وقال أحد المصادر، وهو قريب من دوائر حزب العدالة والتنمية الحاكم، “إقالة أويصال وتعيين إقبال حدثا في غضون ساعات”، فيما امتنعت الرئاسة عن التعليق بشأن اجتماعات أردوغان قبيل إقالة أويصال، والتي أُعلنت في الساعات الأولى من ذاك السبت دون إعطاء تفسير.

ويوم الأحد التالي، استقال براءت البيرق زوج ابنة أردوغان من منصبه وزيرا للمالية، في زلزال سياسي هزّ شخصية واسعة النفوذ كان من المتوقع أن تكون خلفا محتملا للرئيس.

وقال مصدر ثان إن أردوغان أُحيط علما ببواعث قلق لدى رجال الأعمال من “موجة بطالة كبيرة” فور رفع الحكومة حظر التسريح المفروض بسبب فايروس كورونا.

وفي الأسبوع الماضي، قرر البنك المركزي تحت رئاسة إقبال رفع سعر الفائدة 475 نقطة أساس، في أكبر خطوة من نوعها خلال أكثر من عامين. لكن تراجع العملة هذا الأسبوع ينبئ بأنه قد يتعين على أردوغان بذل المزيد لإظهار جديته حيال الوعد الذي قطعه في 11 نوفمبر بإصلاحات اقتصادية تستلهم آليات السوق.

ويقول اقتصاديون إن دعوات أردوغان المتكررة إلى خفض أسعار الفائدة هي التي حدت من قدرة البنك المركزي على احتواء التضخم، واضطرته إلى السحب من الاحتياطيات الدولارية لدعم العملة المحلية.

وقال المصدر الأول "أردوغان لم يُحط علما بانتظام عن الوضع الاقتصادي. كان دائما ما يحصل على معلومات منمقة من جانب واحد". وقال مصدر ثالث إنه تلقى وعدا في السابق بأن الاحتياطيات ستنتعش هي والليرة.

ويقول أحد المصادر إن بعض أعضاء الحزب من ذوي النفوذ سابقا ساورتهم في الآونة الأخيرة “مشاعر من الاستياء والتهميش” لكن أصبحت لهم الآن “أدوار فاعلة”.

قلق من تفعيل العقوبات الأميركية في عهد بايدن
قلق من تفعيل العقوبات الأميركية في عهد بايدن

وجاء التحول المفاجئ قبيل فرض قيود جديدة مطلع الأسبوع لاحتواء فايروس كورونا من المتوقع أن تكبح الاقتصاد، بعد فوز جو بايدن برئاسة الولايات المتحدة، وهو ما ينذر بعلاقات متوترة مع الولايات المتحدة.

وقال أتيلا يسيلادا المحلل لدى جلوبال سورس بارتنرز إن أصواتا ذات نفوذ أقنعت أردوغان بأن “الطامة وشيكة”. وتابع "حملوه على إعادة تقييم الأوضاع على الأرض وفُرص أن يجتاز نظامه الأزمة".

ويتوجس الرئيس التركي مما ستحمله السنوات القادمة من صعوبات، إذ من المتوقع أن تكون ولاية الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن مخالفة لسياسة سلفه دونالد ترامب الذي حال دون فرض عقوبات أميركية جاهزة ضد تركيا.

وعندما غادر بايدن منصبه في عام 2017، كان قد أشرف على انهيار في العلاقات مع تركيا من الشراكة الوثيقة إلى انعدام الثقة المتبادل.

وكان بايدن وصف في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز نُشرت في شهر يناير، أردوغان بأنه شخص "مستبد"، وقال إن الولايات المتحدة يجب أن تدعم المعارضين للإطاحة به في صندوق الاقتراع، مضيفا "يتعين عليه أن يدفع الثمن".

وقد يكون هذا الثمن باهظا، فبالإضافة إلى التهديد بفرض عقوبات، من المحتمل أن يتم فرض عقوبات شديدة على بنك تركي حكومي. كما أن هناك أيضا خلافات لم يتم حلها حول وضع المقاتلين الأكراد في سوريا، والمطالب البحرية التركية في البحر المتوسط ومناطق أخرى في ما يتعلق بعمليات التنقيب عن الغاز والنفط.

وقد يساعد قلق أردوغان بشأن ما قد يحدث لاحقا في تفسير قرار الزعيم التركي تهنئة بايدن وقبول فوزه على النقيض من الزعماء الأقوياء الآخرين الذين استفادوا من ولاية ترامب، مثل البرازيلي جاير بولسونارو أو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وفي خطاب ألقاه السبت الماضي، رفض أردوغان الفكرة التي مفادها أن صداقة تركيا الأخيرة مع روسيا كانت “بديلا لعلاقاتنا الراسخة منذ فترة طويلة مع أميركا”. وفي اليوم التالي، دعا إلى تعاون أوثق مع أوروبا التي في خصومة معه منذ عدة أشهر.

وقال داميان مورفي، مستشار الشؤون التركية للعضو الديمقراطي البارز في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ بوب مينينديز، إن أردوغان استطاع أن يفعل ما يحلو له على مدار أربع سنوات “أساسا لأنه كان له صديق في البيت الأبيض”.

وأضاف "من المؤكد أن كل هذا سيتغير من وجهة نظر الولايات المتحدة، عندما تكون لديك إدارة تسلك نهجا يتسم بقدر أكبر من المسؤولية تجاه المنطقة وتجاه أردوغان".

ويبدو أن أردوغان يعد العدة للأسوأ، فقد وافق البرلمان التركي الخميس الماضي (التاسع عشر من الشهر الجاري) على تشريع يعيد إلى تركيا شركات الطاقة والتعدين التركية التي تم تأسيسها في الخارج، ووصف مسؤول بوزارة الطاقة التركية هذه الخطوة بأنها احترازية تحسبا لاحتمال فرض عقوبات.

ويخضع قرار أردوغان الخاص بشراء منظومات الدفاع الجوي الصاروخية روسية الصنع أس - 400 في عام 2019 لعقوبات تبناها الكونغرس الأميركي.

وقال جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأميركي السابق، إن ترامب “لا يريد معاقبة تركيا وهذا واضح تماما”، وأضاف أنه "يقبل حجة أردوغان بأن الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما منع تركيا من شراء صواريخ باتريوت، ولذا لم يكن أمامه خيار سوى شراء أس - 400، وهذا هراء".

وبايدن، الذي كان نائبا للرئيس أوباما في وقت المحادثات الخاصة بمنظومة باتريوت، من غير المحتمل أن يتبنى هذا الخط. وهناك تعديل يشق طريقه في الكونغرس من شأنه على أي حال أن يجبر الرئيس على اختيار ما لا يقل عن خمس عقوبات لفرضها على تركيا من قائمة تضم 12 عقوبة.