أردوغان لم يعد مصدر إلهام إخوان الجزائر

ارتدادات محاولة الانقلاب على أردوغان، مازالت مستمرة لدى الجماعات الإخوانية في العالم العربي، بل وتكاد تشكّل انقلابا حقيقيا في مواقف البعض من القيادات كما هو الحال لدى إخوان الجزائر، الذين بادروا بالانتقاد الشديد للحملات التطهيرية التي يشنها أردوغان على خصومه، ممّا يدلّل على تغلغل “جماعة الخدمة” واتساع نشاطاتها في الجزائر التي اكتفت سلطاتها بالتنديد بالانقلاب دون التعرّض لاستثمارات الجماعة، التي تشكل تنظيما موازيا بزعامة فتح الله كولن.
الاثنين 2016/08/15
إسلاميو الجزائر لم يعد هواهم أردوغانيا

الجزائر - رغم عدم ارتباطهم الوثيق بهيكل التنظيم العالمي لتنظيم الإخوان المسلمين، إلا أن حملة التطهير التي يشنها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ضد خصومه في تركيا بعد الانقلاب الفاشل، أثارت امتعاض قيادة أكبر الأحزاب الإخوانية في الجزائر، الأمر الذي سيطرح أسئلة عميقة حول مصير أيام شهر العسل بين الطرفين، ويطرح إمكانية الارتباطات الخفية بينها وبين التنظيم الموازي، خاصة بعدما كشفت تقارير إعلامية في الجزائر، عن تغلغل تنظيم جماعة الخدمة لزعيمه فتح الله كولن في الجزائر.

حذر زعيم حركة مجتمع السلم الإخوانية عبدالرزاق مقري، من إمكانية تحول حملة التطهير التي يشنها أردوغان، ضد التنظيم الموازي المتهم بتدبير محاولة الانقلاب عليه في منتصف الشهر الماضي، إلى أضرار وخسائر على المسلمين والأمة الإسلامية، بسبب التعاطي الاستئصالي مع منتسبي جماعة الخدمة، والعقاب الجماعي المسلط عليها، والافتقاد لأساليب الاحتواء والتمييز تجاه المعــاقبين في مختلف الفئــات والانتمـاءات.

وقال عبدالرزاق مقري في الرسالة التي نشرت على موقع حركة “حمس” وصفحته الرسمية على شبكة التواصل الاجتماعي فيسبوك “أريد أن أعبر عن وجهة نظر في ما أعتقده صوابا، وذلك من منطلق العدل الذي أمرنا الله به، وأريد أن يكون هذا الموقف علنيا من باب تحمل المسؤولية حتى ولو أغضبت البعض من أحبائنا”، في إشارة إلى أيّ ردود فعل من قيادة حزب العدالة والتنمية التركي، أو من المناصرين لأردوغان في الجزائر أو غيرها.

وأضاف “أرى أن الحملة التي يقودها أردوغان ضد جماعة فتح الله كولن تجاوزت العدل، وأنه ستترتب عليها خسائر جمة، يتضرر منها المسلمون، وقد تعود بالضرر أيضا على حزب العدالة والتنمية ذاته”، وهو موقف يعكس تململا داخل رموز التنظيم الإخواني ضد أردوغان، وأول رد فعل مفاجئ من حلفاء العدالة والتنمية، تتداخل فيه النصيحة والانتقاد، ولا تعكس أجواء فتح إسطمبول لأبوابها أمام إخوان الجزائر خلال السنوات الأخيرة، واحتضانها لرجل الأعمال والقيادي في “حمس” جعفر شلي، غداة ما سمي بـ”المضايقات التي يتعرض لها في الجزائر”.

رغم موقف الجزائر المتضامن مع الرئيس التركي، إلا أنه لم يصدر ما يشير إلى التضييق على جماعة الخدمة الناشطة في الجزائر

وتابع “من حق أردوغان أن يكسر شوكة جماعة الخدمة، بالقدر الذي يبطل تأثيرها السلبي عليه وعلى مشروعه وعلى تركيا عموما، وينهي قدرتها على التآمر مع أميركا إلى الأبد، إن ثبت هذا التآمر أو حتى الاستعمال المباشر وغير المباشر، ولكن أن يعاقب الناس بمجرد الانتماء إلى جماعة الخدمة، وأن تغلق المدارس والمؤسسات، ويقضى على رجال أعمال والمستقبل المهني لأعداد كثيرة من الناس لهذا السبب، فهذا غير مقبول، وأظن أن التعامل مع الجماعات الدينية الفاعلة التي تستعملها قوى الاستعمار الخارجي والطغيان الداخلي، يجب أن يكون استيعابيا لا استئصاليا، ويجب أن نميز بين رؤوسها الذين لا يجب التسامح معهم حين لا ينفع معهم الحوار، وتتأكد عمالتهم، وبين الأتباع الذين يعملون للإسلام بصدق ومؤسساتهم الخادمة لأي غرض من الأغراض النافعة للأمة، والذين تجب المحافظة على رصيدهم وعدم تحويلهم إلى أعداء”.

ويشكل موقف رئيس “حمس”الجزائرية عبدالرزاق مقري، أول صوت من بيت التنظيم الإخواني للتنديد بما يتعرض له تنظيم جماعة الخدمة في تركيا، وقد يكون مؤشرا على انشقاق الأحزاب الإخوانية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عن سلطة أردوغان وعن حزب العدالة والتنمية التركي، بعد سنوات من استقطاب إسطمبول للأضواء من القاهرة، وقد يكون بداية لأفول نجم أردوغان في سماء الإخوان. ولم يستبعد مراقبون لشأن الإسلام السياسي في المنطقة، أن تعكس رسالة عبدالرزاق مقري، علاقات خفية بين “حمس” الجزائرية، وتنظيم فتح الله كولن، خاصة في ظل التقارير التي كشفت عن تغلغل جماعة الخدمة، وتأسيسها لأذرع سياسية ومالية وإعلامية موالية لها في الجزائر، وأن الجماعة تشتغل منذ منتصف تسعينات القرن الماضي، في شكل مقاولات ومدارس وإعلام وخدمات متنوعة.

وطالب مقري من حليفه أردوغان بضرورة “مراعاة عدة مسائل في التعاطي مع الخصوم حين تتحقق هزيمتهم، تأتي على رأسها «المسألة الشرعية» القاضية بعدم وجوب الاعتداء في العقوبة، وعدم تجاوز العدل حتى مع الخصوم ولو في حالة الغضب، أو أخذ البعض بجريرة البعض الآخر، ثم توخي الحكمة في استيعاب المهزوم وعدم ملاحقته، والعمل على استيعابه لإضافة قوته إلى قوتك وكسب أهله وذويه وشيعته بالعفو وإشعارهم بأن الأمان هو في الالتحاق بالمعسكر المنتصر، ما دام ذلك يوفر العدل والحقوق المعنوية والمادية”.

مؤشرات على انشقاق الإخوان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عن سلطة رجب طيب أردوغان وعن حزب العدالة والتنمية

ويضيف “من باب الاحتياط، فإن العلمانيين الذين وقفوا مع أردوغان ضد جماعة الخدمة على إثر الانقلاب الفاشل، يكون من أهم دوافعهم استغلال الفرصة للقضاء على أثرها الديني في المجتمع التركي، ولا سيما أن العدالة والتنمية، حزب سياسي ليس له مشروع إحيائي مجتمعي منظم، وهو يعتمد كليا على الدولة في مشروعه الخادم للإسلام والمسلمين، مع ما في ذلك من قيود وثقافة أتاتركية مقاومة ومتجذرة في مختلف المؤسسات الرسمية”.

وخلص إلى أن “جماعة الخدمة تحمل فكرة لها مؤسسات والآلاف من الأعضاء والمناصرين، والفكرة لا يمكن أن تستأصل بالقمع، ولكن بفكرة أخرى تكون أرقى منها، يؤمن بها الناس طواعية فتغيب أمامها كل الأفكار الأخرى”. ورغم الموقف الرسمي في الجزائر المتضامن مع الرئيس التركي بعد محاولة الانقلاب، إلا أنه لم يصدر إلى حد الآن ما يشير إلى التضييق على جماعة الخدمة الناشطة في الجزائر، رغم التقارير المنشورة في الآونة الأخيرة بشكل لافت للانتباه، حيث أكد مصدر ناشط في الخدمات بمدينة وهران (450 كلم غربي العاصمة) في تصريحات لـ”العرب”، بأن “جميع المؤسسات التركية تشتغل بصفة عادية، ولا شيء يوحي بأن السلطات الجزائرية غيرت موقفها إزاء الاستثمارات التركية (جماعة الخدمة)، وتضامنها الرسمي مع الرئيس التركي أردوغان، لا يوحي باستدراجها للتضييق على من يعارضه”.

13