أردوغان لن يفرّط في أوراقه السياسية ويماطل القاهرة لاستنزاف الوقت

مصر تفتح الباب للتقدم مع تركيا عندما ترضى عن الحلول المطروحة للقضايا العالقة.
الأحد 2021/10/03
لا تحسّن في الأفق

القاهرة- مضى نحو شهر على إجراء الجولة الثانية من المحادثات الاستكشافية بين مصر وتركيا، ولم تظهر مؤشرات حقيقية حول حدوث تحسن ملموس في العلاقات بينهما أو تستجيب أنقرة لمطالب القاهرة الواضحة لتجسير الهوة في القضايا الخلافية.

وأوضح وزير الخارجية المصرية سامح شكري في مداخلة له مع برنامج الحكاية على قناة “أم.بي.سي- مصر” مساء الجمعة، أن الأمر لم يصل بعد إلى الخطوة القادمة، “إنما هناك قدر من التقدم نأمل أن يتم البناء عليه.. والاتصالات لا تزال تسير على نفس الوتيرة لما تمّ في الجولتين الأولى والثانية”.

وأكد شكري أن بلاده تقيّم إلى أي مدى تراعي أنقرة القواعد التي تحكم العلاقات الثنائية، والالتزام بعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ومبدأ الاحترام والاعتراف بسيادة الدولة، في إطار المراجعة للسياسات المنتهجة على المستوى الإقليمي، قائلا “سنفتح الباب للتقدم في علاقتنا عندما نكون راضين عن الحلول المطروحة للمسائل العالقة بيننا”.

أحمد سلطان: النظام التركي يناور بورقة الإخوان إلى أقصى مدى

وتحرص تركيا على لفت الأنظار إلى الضجيج المثار في ملف الإخوان المسلمين الذي يحتل جاذبية لدى وسائل الإعلام وتعلن من حين إلى آخر عن خطوات سياسية وأمنية واقتصادية وإعلامية تقول إنها تستهدف قيادات وكوادر الجماعة لطمأنة القاهرة بأنها جادة في حل الأزمة بينما المضمون الحقيقي يظل محصورا في نطاق الدعاية.

وأكدت مصادر تركية لـ”العرب” في القاهرة أن العلاقات بين البلدين لن تصل إلى مستوى الاستقرار الذي تهدف إليه المحادثات المشتركة، طالما يصر نظام الرئيس رجب طيب أردوغان على التمسك بمماطلاته في الأزمة الليبية والوجود الإخواني الكثيف في تركيا، “فكل ما اتخذ من إجراءات حتى الآن هو من قبيل تجميل صورته السياسية”.

ولم يطلب نظام أردوغان من عناصر الإخوان صراحة، بمن فيهم الأكثر خطورة مثل يحيى موسى وعلاء السماحي، مغادرة الأراضي، ولم يقم بتحجيم أنشطتهم بشكل كامل بدليل أن الجماعة أجرت انتخابات داخلية هي الأولى منذ سنوات في قلب منطقة الفاتح في إسطنبول مؤخرا، ولم يتم التدخل لمنعها من قبل السلطات الأمنية التركية.

وتعد تركيا ملاذا آمنا وربما مثاليا لجماعة الإخوان، ولا يوجد حديث جدي عن رحيل جماعي لعناصر الإخوان إلى مكان آخر، والحديث يدور حول انتقال جزء من المنصات الإعلامية إلى بعض الدول الأوروبية، في مقدمتها بريطانيا وإسبانيا، مع تأكيد أنقرة لقيادات الإخوان عدم تسليم أي منهم لمصر بذريعة أن القانون التركي يمنع ذلك.

وأكد الكاتب المحلل السياسي التركي المعروف مراد يتكين أن تركيا لم تتخذ إجراءات رسمية فعلية لترحيل شخصيات إخوانية إلى مصر، لأنه لا توجد أصلا بين البلدين اتفاقيات لتبادل أسماء من جماعة الإخوان مقابل تسليم عناصر تابعة لمنظمة فتح الله كولن في مصر، والتي تدرجها أنقرة ضمن المنظمات الإرهابية.

مراد يتكين: تركيا لم تتخذ إجراءات رسمية لترحيل شخصيات إخوانية إلى مصر

وبادرت قيادات في حزب العدالة والتنمية الحاكم إلى تكذيب ما تردد في بعض وسائل الإعلام العربية بشأن تسليم عناصر إخوانية للقاهرة، خشية تأثير ذلك على قاعدتهم الإسلامية في الانتخابات التشريعية التي سوف تعقد بعد نحو عامين.

يميل أردوغان إلى تبني مواقف رمادية في المفاوضات مع مصر لتحسين العلاقات معها ويريد الحفاظ على مستوى الهدوء الظاهر حاليا، وتأجيل قرار حسم الموقف من الإخوان إلى حين تجاوز انتخاباته المقبلة لعدم خسارة الكتلة المحافظة في حزبه.

وقال المحلل التركي محمد عبيدالله لـ”العرب”، “إن أردوغان لم يتخل تماما عن خطابه الإسلاموي الفترة الماضية، واستغل فرصة صعود حركة طالبان في أفغانستان للعزف عليه وتأكيد روابطه الأيديولوجية معها لحصد مكاسب معنوية”.

وتعني هذه الخطوة صعوبة إحراز تقدم كبير في العلاقات مع القاهرة في المدى المنظور لأن أجندته العقائدية سوف تبقى عنصرا محوريا في توجهاته السياسية في الداخل والخارج، ما يتعارض مع تصورات مصر لمبدأ تحسين العلاقات مع تركيا.

وذكر عبيدالله أن الرمادية الطاغية في تحركات أردوغان لا تتعلق بمصر فقط، بل تظهر تجلياتها في غالبية مواقفه وفي عدد كبير من القضايا الإقليمية، ومن بينها ملف الإخوان ويعمل على توظيف التهدئة مع دول عديدة لتحسين صورته الخارجية، لكنه حتما سيعود إلى طموحاته الخاصة برغبته في زعامة العالم الإسلامي.

وتبدو البراغماتية التي تحكم سلوك الإخوان، ويمتاز بها أيضا نظام أردوغان، هي المحدد الرئيسي في الاستجابة الرمزية لطلبات السلطات التركية التي وجهتها لقيادة الإخوان، مع التأكيد على أن أنقرة لن تتخلى عن ورقة الجماعة وسوف تحافظ عليها وتقبض عليها بيديها لاستخدامها في أي فرصة أو مناسبة مقبلة.

وذكر الباحث المصري في شؤون الحركات الإسلامية أحمد سلطان لـ”العرب” أن رضوخ الإخوان للتعليمات التركية المتتالية “لا يعد دليلا قاطعا على وجود تغيرات جذرية في سلوك الجماعة أو يعكس مؤشرا على التحول الكبير في تصورات أنقرة”.

وأضاف أن النظام التركي يبحث عن عملية إعادة تموضع رشيدة، لأنه بات منخرطا في صراع جيوسياسي مع قوى إقليمية ودولية ويسعى لتأمين مصالحه الذاتية، لكن كالعادة يريد أردوغان تطبيعا مجانيا ويرفض دفع الثمن، ويناور بورقة الإخوان إلى أقصى مدى ويبرز مواقف معينة مثل منع بث برامج لإعلاميين تابعين للإخوان للإيحاء بأن هناك تحركات يقوم بها تتوافق مع مطالب القاهرة.

ولفت سلطان إلى أن النظام التركي يتواصل مع جماعة الإخوان عبر لجان تنسيق مشتركة وسرية بينهما، وأنه لن يسلم أفرادها للحكومة المصرية، وقد طلب منهم بوضوح تهدئة نبرة النقد تجاه القاهرة لوجود مصلحة معها في الوقت الراهن.

وتفسر هذه المعطيات أسباب الجمود الحاصل في العلاقات بين البلدين، ودواعي التصريحات المصرية المتحفظة في مسألة الإفراط في التفاؤل، وقد تجري محادثات في القاهرة أو أنقرة، لكن ما يعقبها يشير إلى أن الوصول إلى مرحلة التطبيع الكامل يحتاج إلى إرادة حقيقية، ولذلك لن تتجاوز اللقاءات الطابع الاستكشافي وعملية استهلاك الوقت إلى أن تتأكد مصر من حُسن نوايا النظام التركي بصورة عملية.

3