أردوغان متمسّك بدبلوماسيته الهجومية رغم تداعياتها الخطرة على اقتصاد بلاده

النزاعات التي يؤججها أردوغان في مناطق كثيرة ترمي بثقلها على الاقتصاد التركي المأزوم.
الجمعة 2020/11/27
دبلوماسية مدمرة لتركيا

أنقرة – يمضي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في سياسته الهجومية التي تزداد حدة منذ 2016، ما عمّق الهوة بين أنقرة وحلفائها الغربيين عدا عن تفاقم الوضع الاقتصادي في البلاد.

ويستبعد محللون أن يغيّر أردوغان نهجه رغم الأزمات العميقة والحادة التي وضع تركيا فيها سواء داخليا أو خارجيا.

ويواجه الرئيس التركي اتهامات من منتقديه باعتماد دبلوماسية هجومية لتعبئة قاعدته الانتخابية الإسلامية القومية، في ظل صعوبات اقتصادية تضر بشعبيته، لكن الحكومة التركية تؤكد أنها تدافع عن مصالح البلد في منطقة تعاني من انعدام الاستقرار، وفي مواجهة قوى معادية.

ومع اشتداد الأزمة الاقتصادية، حاول أردوغان في الأيام الأخيرة تبني مواقف تهدئة مع أوروبا، مؤكدا أن مستقبل تركيا لا ينفصل عن مستقبل القارة العجوز، لكن الواقع أن عمليات أنقرة، التي تنشر قوات في مناطق مختلفة من ليبيا إلى سوريا مرورا بشرق المتوسط، ما زالت تثير غضب الغرب.

وإن كانت عروض القوة هذه تلقى شعبية في تركيا، إلا أنها قد تبعد أي مستثمرين محتملين، في حين أن تركيا بأمس الحاجة إلى أموال خارجية حاليا.

وأوضح سنان أولغن رئيس مركز إدام للأبحاث في إسطنبول أن سياسة أردوغان الخارجية أفضت إلى "علاقة متوترة بين تركيا وشريكيها الاقتصاديين الرئيسيين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة".

ويحمّل خبراء الاقتصاد في تركيا أردوغان وسوء إدارته سياسيا واقتصاديا مسؤولية انزلاق الوضع المالي في البلاد خاصة خلال الحرب على جائحة كورونا أو عبر تضخم الديون الخارجية، ما جعل تركيا تتراجع في السوق الدولية وتتذيل قائمة الأسواق الناشئة.

عقوبات محتملة

أنقرة تتخوف من تفعيل بايدن للعقوبات الأميركية ضدها
أنقرة تتخوف من تفعيل بايدن للعقوبات الأميركية ضدها

وتشكل عمليات التنقيب عن الغاز التي تقوم بها تركيا بشكل أحادي في مناطق متنازع عليها مع اليونان وقبرص في شرق المتوسط، أحد المواضيع الخلافية الرئيسية بين أنقرة والاتحاد الأوروبي.

وهددت بروكسل بفرض عقوبات إذا استمرت أنقرة على هذا النهج، وستكون المسألة في قمة أوروبية تعقد في 10 و11 ديسمبر.

وقد يدفع التهديد بفرض عقوبات أوروبية الاقتصاد التركي إلى الهاوية.

 ويبدو أن هزيمة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي أقام أردوغان معه علاقة شخصية، في الانتخابات الرئاسية، أقنعت الرئيس التركي بخفض حدة نبرته في الأسابيع الأخيرة. فإلى جانب إبداء تمسكه بأوروبا، وعد في مطلع نوفمبر بإجراء إصلاحات قضائية لـ"تعزيز دولة القانون"، سعيا منه لطمأنة المستثمرين الأجانب.

غير أن فوز الديمقراطي جو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية قد يطرح مشكلات جديدة لأنقرة الخاضعة لعقوبات أميركية إثر شرائها أنظمة صاروخية روسية من طراز أس - 400.

وقد تفسر خطوات أردوغان نحو التهدئة، مخاوفه بشأن ما قد يحدث لاحقا، إذ سارع الزعيم التركي إلى تهنئة بايدن وقبول فوزه ضدّ صديقه ترامب، على النقيض من الزعماء الأقوياء الآخرين الذين استفادوا من ولاية ترامب، مثل البرازيلي جاير بولسونارو أو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وكان بايدن وصف في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز نُشرت في شهر يناير، أردوغان بأنه شخص "مستبد"، وقال إن الولايات المتحدة يجب أن تدعم المعارضين للإطاحة به في صندوق الاقتراع، مضيفا "يتعين عليه أن يدفع الثمن".

وقد يكون هذا الثمن باهظا، فبالإضافة إلى التهديد بفرض عقوبات، من المحتمل أن يتم فرض عقوبات شديدة على بنك تركي حكومي. كما أن هناك أيضا خلافات لم يتم حلها حول وضع المقاتلين الأكراد في سوريا، والمطالب البحرية التركية في البحر المتوسط ومناطق أخرى في ما يتعلق بعمليات التنقيب عن الغاز والنفط.

وتأمل اليونان ومصر، كذلك، من واشنطن أن تلقي بثقلها في شرق المتوسط لوضع حد للأنشطة التركية التي لم تكن تقلق ترامب على ما يبدو.

ورأى أنتوني سكينر من مكتب “فيريسك مايبلكروفت” للاستشارات أن "العلاقات التركية الأميركية قد تتراجع إلى حد أدنى جديد في 2021".

مخاطر متنامية

سياسة مدمرة للاقتصاد
سياسة مدمرة للاقتصاد

وأوضحت سينام أدار من مركز الدراسات المطبقة حول تركيا في برلين أنه بعد محاولة الانقلاب عام 2016، تكون لدى أردوغان الانطباع بأن “الشركاء الغربيين تخلوا” عن أنقرة.

وتابعت أن الرئيس التركي شعر أنه “لم يعد بإمكانه أن يثق بأوروبا والولايات المتحدة لتعزيز أمن تركيا”، ما دفعه بنظرها إلى القيام بمبادراته أحادية الجانب.

وأنفقت تركيا في السنوات الأخيرة مئات الملايين من اليوروهات لتطوير قدراتها العسكرية، ما يشكل برأي سينام أدار “عاملا أتاح عدائيته المتزايدة”.

وأبرمت تركيا اتفاقا مع روسيا لشراء منظومة أس - 400 في 2017 وبدأ تسليم أول أربع بطاريات صواريخ وقيمتها 2.5 مليار دولار في يوليو من العام الماضي.

وتسبب شراء تركيا للمنظومة الروسية في سياق تقاربها مع موسكو، في خلافات مع عدة دول غربية تقول إن النظام الروسي لا يتماشى ومعدات حلف شمال الأطلسي.

وكان الجيش التركي طلب شراء أكثر من 100 طائرة أف - 35 الأميركيّة المقاتلة. وتمّ تسليم أنقرة طائرتين في يونيو 2018 لكنّهما كانتا لا تزالان على أراضي الولايات المتّحدة عندما بدأت منظومة أس - 400 الروسيّة بالوصول إلى تركيا.

وتعرّضت تركيا للتهديد بفرض عقوبات أميركية عليها بموجب قانون أقرّه الكونغرس عام 2017 وينصّ على اتّخاذ تدابير عقابية تلقائية ضدّ أيّ بلد يشتري أسلحة روسية.

وترتبت على هذا النهج أثمان غالية، إذ خسرت الليرة التركية حوالي ربع قيمتها حيال الدولار منذ مطلع السنة، وما زاد من تدهورها التوتر الدبلوماسي ولاسيما مع فرنسا منذ بضعة أشهر.

وقال أولغن إن “المخاطر الجيوسياسية المتزايدة تشكل ضغطا على الليرة” ولها “وطأة على حركة الاستثمارات المباشرة الآتية من الخارج”.

وتراجعت هذه الاستثمارات الآتية خصوصا من أوروبا والتي تساهم خصوصا في استحداث وظائف، من 16 مليار يورو في 2007 إلى سبعة مليارات في 2019، وفق أرقام الأمم المتحدة.

وعلقت شركة "فولكسفاغن" الألمانية للسيارات العام الماضي قرار إقامة مصنع في تركيا، مبدية “قلقها” حيال الهجوم العسكري الذي شنته أنقرة على المقاتلين الأكراد في شمال شرق سوريا.

وفي نهاية المطاف، تخلت الشركة الألمانية العملاقة نهائيا عن مشروعها في يوليو، متذرعة رسميا بتفشي وباء كوفيد - 19.