أردوغان مشغول بإثبات نظرية صراع الحضارات

في ظل حكم أردوغان المحاط بأصدقاء مشابهين في التفكير، لا ينبغي أن يكون هناك أي شك في أنه سيتم دفع تركيا إلى ما هو أبعد من هذا الحد.
الأربعاء 2019/03/27
أردوغان يعمل على وضع تركيا كجبهة قتال ضد الغرب

أصبحت المذبحة في نيوزيلندا أقوى تذكير بصحة أطروحة صامويل هنتنغتون بشأن “صراع الحضارات”، والتي تم تجاهلها أو مهاجمتها أو تهميشها ذات يوم كمشروع لأصحاب نظرية المؤامرة. ومع ذلك، فهي صالحة كما كانت دائماً ويجب أن تؤخذ على محمل الجد. لقد كان كلامه مليئاً بالبصيرة.

قال هنتنغتون إن تركيا أصبحت، منذ الحرب العالمية الأولى، “دولة كلاسيكية ممزقة”، دولة بثقافة إسلامية واحدة مهيمنة تضعها في منطقة من الحضارة في حين سعى قادتها، بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، حتى تسعينات القرن الماضي لتحويلها إلى حضارة أخرى.

وبحسب هنتنغتون، لئن اندفع صراع الحضارات بحركة بطيئة إلى تحول تكتوني على نطاق عالمي بعد الحرب الباردة، فإن تركيا ستكون على أكثر خطوط الصدع الثقافية والسياسية حساسية.

ولبعض الوقت، كل ما حدث في أنقرة يدعم توقعات هنتنغتون. يبدو الأمر كما لو أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد قرأ الكتاب ووافق على أطروحته وفعل كل ما في وسعه لإثبات أن هنتنغتون على حق. يفعل أردوغان ذلك على نطاق واسع لوضع تركيا كجبهة قتال ضد الغرب.

لا يوجد بالطبع أي مؤشر على أن أردوغان يدرك مضمون الكتاب، ومن السهل أن يجادل المرءُ بالقول إن خطاب أردوغان الحاد -بعد أن تخطى الحدود إلى خطاب الكراهية- يهدف إلى المصالح الشخصية إذ يريد البقاء السياسي ولكن تأثير اختياره للكلمات يضعف الأسس الثقافية التي يرتكز عليها المجتمع التركي المعقد. وبما أن المذبحة التي وقعت في مسجدين في نيوزيلندا أدت إلى حالة حداد عالمية وموجة عزاء من جميع الأديان، فإن أردوغان ورجاله لم يترددوا في اتخاذ موقف معاكس، إذ استخدموا المذبحة لتوجيه الكراهية ضد “الغرب الصليبي”. وسيقول “إذا لم تتعامل مع الهجمات ضد الإسلام، فسنفعل نحن ذلك”.

كان أردوغان حريصاً على الظهور كزعيم للسلام والمنطق السليم. ما من شك في أن العمود كان نتاجاً للالتفاف، كتبه بشكل واضح مستشارو أردوغان المذعورون

قد يجادل البعض بأنه بالنسبة لأردوغان، كانت المذبحة “هبة من الله” لصرف الانتباه عن الاقتصاد المتراجع بشكل حاد في الداخل، والذي لا يملك أردوغان أي حلول سحرية ليقدمها له، واستعادة دعم الناخبين من حوله. ومع ذلك، هناك ما هو أكثر من ذلك؛ ظل أردوغان يزرع الغضب والازدراء ويغذي ترسانة الانتقام في المجتمع التركي.

ثمة كثيرون في تركيا مفتونون بهذا الخطاب المسموم. كلما زاد وعي أردوغان بالتهديدات التخيلية من حوله، أصبح يكسر كل الحواجز بلا هوادة. لا عجب في أنه بعد المذبحة التي وقعت في كرايستشيرش، استخدم أردوغان إحياء ذكرى المعاناة الجماعية في جاليبولي في الحرب العالمية الأولى كوسيلة للضغط من أجل انتهاك قدسية الألم الجماعي الذي لا يزال محفوراً في ذاكرة نيوزيلندا وأستراليا. وقال أردوغان “لقد جاء أجدادكم إلى هنا… عاد بعضهم في التوابيت. إذا أتيتم بنفس النوايا، فإننا في انتظاركم أيضاً…”.

غطى أردوغان ذكرى أتاتورك وتركيا بدثار من العار، محطماً أي صورة تركتها تركيا كعضو في الجزء الإنساني من الحضارة. هذا هو العمل الذي جاء لإثبات أن هنتنغتون على حق. في ظل حكم أردوغان المحاط بأصدقاء مشابهين في التفكير، لا ينبغي أن يكون هناك أي شك في أنه سيتم دفع تركيا إلى ما هو أبعد من هذا الحد.

بعد المجزرة، فاجأت صحيفة واشنطن بوست قراءها على الأرجح بنشر عمود يحمل اسم أردوغان. في تراجع بنسبة 180 درجة عن الموقف الذي كان يبديه، كان أردوغان حريصاً على الظهور كزعيم للسلام والمنطق السليم. ما من شك في أن العمود كان نتاجاً للالتفاف، كتبه بشكل واضح مستشارو أردوغان المذعورون. قد يهنئون أنفسهم على النجاح في نشر المقال، لكنه يلقي بظلال من الشك على سمعة صحيفة واشنطن بوست كحصن للحكم النقدي. يجب أن تكون وسائل الإعلام الغربية الرئيسة أكثر حذراً قبل إعطاء مساحة للحكام المستبدين أو سيُنظر إليها أيضاً على أنها مثل أولئك الذين يعملون لإثبات تنبؤات هنتنغتون بحدوث صدام عالمي.

 

13