أردوغان والإخوان.. تصريح الدفاع وبيان الالتزام

النزوع العربي والإقليمي والدولي نحو تصنيف جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية أصبح يقترب من حالة الإجماع، وحتى الدول غير المعنية بالجماعة أضحت معنية بالحذر من استقبال قياداتها وأخذ الحيطة من تحركاتها وشبهات تمويلاتها. في ظل هذه الوضعية، كان طبيعيا أن تبحث الجماعة عن كل مساعدة، سواء كانت حقوقية أو إنسانية، وتحولها إلى موضوع تضخيم وإشادة. لذلك نزل تصريح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان برفض تصنيف الجماعة "إرهابية" بردا وسلاما على قيادات الإخوان، إلى درجة إصدار بيان موسوم بـ"شكر وتقدير لفخامة الرئيس أردوغان".
الأربعاء 2017/02/22
أردوغان والإخوان: العروة الوثقى

لئن لم يكن مستغربا أن يرفض أردوغان اعتبار جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، وهو المعروف بأنه يدور في فلكها الفكري منذ عقود، إلا أن المثير في تصريحه هو توقيته المتصل بالسياق الإقليمي والدولي والعام، مثلما تزامن مع تصريحات أخرى كان قد أدلى بها تذهب به بعيدا عن سجل الإخوان وأدبياتهم المعروفة.

اللافت أيضا في ذود أردوغان عن الإخوان أنه سعى إلى تأكيد كونها "جماعة فكرية لم تقم بأي عمل مسلح"، وهو ما يعني نفي صلتها بكل العمليات الإرهابية التي ثبت ضلوع الجماعة فيها، في أقطار عربية مختلفة، بدءا من مصر معقل الجماعة الأم، مرورا بتونس، دون نسيان العديد من الأقطار الخليجية التي توصلت إلى تفكيك العديد من الخلايا المتصلة بالجماعة. أردوغان تجنب قبول مقارنة الإخوان بجماعة "الخدمة" التي يتزعمها فتح الله غولن، عدوه اللدود، انطلاقا من اعتباره أن الأخير وجماعته ضالعان في الانقلاب الأخير.

صلة غولن بالانقلاب التي تبرر، حسب أردوغان، وجاهة مطالبة أنقرة للولايات المتحدة بتسليمه، هي ذات الصلة التي قدمتها أقطار عربية مختلفة منطلقا لمطالبة تركيا بتسليم العشرات من القيادات الإخوانية التي آواها أردوغان. وعبّر عن ذلك بالقول "نحن نتلقى طلبات بين وقت وآخر لكن نوجه سؤالا، هل هذه منظمة إرهابية مسلحة؟ هل الذين تطالبون بهم تورطوا في عمل إرهابي أو مسلح؟”.

فهل أن الحجج التركية على "إرهاب" غولن صالحة للمطالبة بتسليمه، في حين يشوب قرائن الأقطار التي طالبت النظام التركي بتسليمه قيادات إخوانية الفساد والضعف والخلو من الوجاهة؟ مع العلم أن تركيا تؤوي المئات من القيادات الإخوانية، وتستضيف مؤتمرات كبرى التنظيمات الإخوانية، من قبيل التنظيم الدولي أو الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين (جدير بالتذكير اجتماع التنظيم الدولي في يوليو 2013 ودرس خلاله ذراع التخطيط في التنظيم الذي يحمل اسم المركز الدولي للدراسات والتدريب سبل تعامل الجماعة مع مرحلة ما بعد مرسي).

تصريح أردوغان المدافع عن الإخوان يمثل وجه القضية، وقفاها هو بيان الجماعة المعنون "شكر وتقدير لفخامة الرئيس أردوغان"

توقيت التصريح ومكانه (المملكة العربية السعودية في إطار جولة خليجية) مع ما احتواه من انتقائية، جعلت العديد من القراءات تبحث عن خلفيات التصريح وآثاره السياسية، وإمكانية أن يكون أردوغان يبحث عن منفذ للجماعة أو إمكانية صلح مع الأقطار الخليجية ومصر، وهي الأقطار التي تتخذ موقفا حاسما من الجماعة.

المثير في القضية أن أردوغان شدد، في الحوار ذاته الذي ذاد فيه بشراسة على الإخوان، على أن "تركيا لن تتحول إلى خلافة إطلاقا"، مدافعا عن ديمقراطية بلاده التي تتهيأ لتنظيم استفتاء حول نظام الرئاسة يفترض تنظيمه في أبريل القادم، والإشارة إلى ديمقراطية أنقرة وتبرئها من الخلافة وتزامن ذلك مع التشديد على أن الإخوان منظمة فكرية، تشي بأنه يسعى إلى الإقناع بإمكانية الرهان على إسلام سياسي “ديمقراطي”، وهو التوجه الذي لطالما شدد عليه (ويلتقي في ذلك مع مفهوم الإسلام الديمقراطي الذي ينظر له راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة التونسية).

تصريح أردوغان المدافع عن الإخوان يمثل وجه القضية، وقفاها هو بيان الجماعة المعنون “شكر وتقدير لفخامة الرئيس أردوغان”. الجماعة تلقت بسرعة رسالة أردوغان وردت بأحسن منها، إذ اعتبرت في بيانها أنها تصريحات "قوية ومنصفة". قوية لأنها صادرة عن رئيس دولة، يكاد يكون الوحيد الذي يواظب على الدفاع عن الإخوان، ومنصفة لأنها، حسب الجماعة، ردت الاعتبار لها في زمن الحصار العربي والإقليمي والدولي.

على أن المهم في بيان الإخوان وفي تصريح إبراهيم منير، نائب المرشد العام للإخوان المسلمين، هو الالتزام بكونها “"لن تخذل الرئيس أردوغان أو أي مدافع عن الحق في مواقفها وفكرها، مهما زادت الضغوط وكثرت الافتراءات، وهذا عهد تحافظ عليه الجماعة، بأنها ستكون أمينة حازمة في مراعاة أصول الضيافة، واحترام قوانين الدولة التركية وقوانين أي قطر مضيف آخر".

التزام الجماعة، في البيان وفي تصريح منير، بكونها لن تخذل أردوغان، المدافع الأخير عن قلعة الجماعة، وستحترم أصول الضيافة، هو أيضا تطمين للجهات الرسمية التركية التي أبدت في العديد من المناسبات تبرّمها من وجود عدد كبير من القيادات الإخوانية ومن أنشطتهم ومن خلافاتهم. الإشارة إلى أن جماعة الإخوان ستحترم "قوانين الدولة التركية وقوانين أي قُطْر آخر" هي جملة ملتبسة ومضللة، حيث تُرك الباب مفتوحا للإشادة بكل "قطر" يساند الإخوان ويرفض تصنيف الجماعة إرهابية.

رجب طيب أردوغان كان وفيا لإخوانيته، وانتقائيا في تقييم الفعل الإرهابي، ومنسجما مع طموحاته السياسية، والجماعة ردت التحية بأحسن منها، بألا تخذل المساند الأخير. المسألة أبعد من مجرد تصريح وأعمق من بيان شكر.

13