أردوغان والمقايضة بالدم السوري

كلام أردوغان، الذي توجه به إلى الأوروبيين خصوصا، في استمرار لعملية الابتزاز التي دأب عليها حيالهم في موضوع أزمة اللاجئين، لم يكن له أي دلائل عملية حقيقية على الأرض السورية.
الخميس 2019/05/09
مقايضات تركية كثيرة

خلال كلمته في اجتماع مجلس حلف شمال الأطلسي الاثنين قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان “أعدنا الهدوء إلى إدلب، وبذلك منعنا مقتل مئات الآلاف من الأبرياء، وقطعنا الطريق أمام موجة هجرة كانت ستهز أوروبا”.

كلام أردوغان، الذي توجه به إلى الأوروبيين خصوصا، في استمرار لعملية الابتزاز التي دأب عليها حيالهم في موضوع أزمة اللاجئين، لم تكن له أي دلائل عملية حقيقية على الأرض السورية. فقذائف الطائرات الروسية وبراميل طائرات النظام جنبا إلى جنب مع القصف المدفعي والصاروخي استمرت بالانهمار على قرى وبلدات ريفي إدلب الجنوبي الشرقي والجنوبي الغربي، وكذلك على ريف اللاذقية الشرقي وقرى وبلدات جبل الزاوية وسراقب وكفرنبل، لتضيف إلى قوائم الضحايا والمصابين والنازحين الذين لا يجدون مكانا يأوون إليه سوى بساتين الزيتون.

وكالمعتاد، تستهدف قوات النظام وطائراته وكذلك الطائرات الحربية الروسية النقاط الطبية والمستشفيات ومراكز وسيارات الدفاع المدني لتمنع إمكانية إسعاف المصابين ولتزيد من حجم الخسائر البشرية.

لقد مر على المنطقة المشمولة باتفاق “خفض التصعيد” والتي يضمنها الرئيسان أردوغان وفلاديمير بوتين من خلال اتفاق سوتشي الذي عقداه حول إدلب في شهر سبتمبر 2018، أسبوع من التصعيد لم تشهده من قبل أدى إلى مقتل المئات من المدنيين وجرح الآلاف وتشريد مئات الآلاف، ولم يحرك الضامن التركي ساكنا. وحين تكلم أردوغان في اجتماع الحلف الأطلسي تكلم كذبا.

لقد اعتدنا على سياسة أردوغان القائمة على المقايضة بالدم السوري منذ بداية الثورة السورية في عام 2011. حينها حاول التفاهم مع نظام الأسد الذي كانت تربطه معه اتفاقيات استراتيجية على صعد الاقتصاد والتجارة والتنسيق الأمني، وذلك خوفا على المكاسب الكبرى التي تحققها له تلك الاتفاقيات.

وحين فشل في إقناع بشار الأسد بالتعامل الإيجابي مع الحراك السلمي وقتها، شارك مع القوى الدولية والإقليمية في تطويق الثورة السورية وتفخيخها بالجهاديين الذين فتح لهم الحدود العريضة للتوغل إلى المناطق التي باتت خارج سيطرة النظام، وسهل لهم الحصول على الأموال والعتاد ليكونوا الخنجر الذي يطعن الشعب السوري الثائر من الخلف، وليلتحقوا بالإرهابيين الذين أطلقهم بشار الأسد من معتقلاته ليشكلوا معا الفصائل الجهادية المسلحة: جبهة النصرة وتنظيم داعش وأحرار الشام وسواها من المسميات التي عمل أردوغان على الاستثمار فيها والمقايضة بها حيث يجد ذلك مفيدا لمد نفوذه على الساحة السورية.

يمكن ملاحظة النفس الطويل الذي اتبعه أردوغان في سياسته السورية خصوصا بعد إسقاط قواته للطائرة الروسية فوق الحدود التركية – السورية، حيث لمس بوضوح أن الوجود الروسي في سوريا ليس مؤقتا ولكنه يتمتع بقوة التوافق مع الولايات المتحدة. لذلك رأيناه يذهب بنفسه إلى سان بطرسبورغ لملاقاة الرئيس الروسي بعد أن اعتذر له عن إسقاط الطائرة الروسية.

ومنذ ذلك التاريخ برزت بوضوح سياسة المقايضة التي انتهجها أردوغان في سوريا، فقد ترافق سقوط مدينة حلب مع توغل الجيش التركي في الشمال السوري ودخوله مدينة جرابلس في إطار عملية ما سمي بدرع الفرات، وكانت عملية غصن الزيتون واجتياح عفرين مع سيطرة النظام على الغوطة وريف حمص الشمالي، واليوم تحاول قوات النظام بدعم الطيران الحربي الروسي قضم المنطقة منزوعة السلاح المشار إليها في اتفاق سوتشي، في حين تحاول تركيا، الضامنة الصامتة عما يدور في إدلب، قضم منطقة تل رفعت.

لا يا سيد أردوغان. لم يعد الهدوء إلى إدلب، ولا تزال مجازر النظام الأسدي والحليف الروسي متواصلة هناك، وما زال مئات الآلاف من السوريين ينزحون إلى مناطق في العراء قد يرونها أكثر أمنا، وما زال الدم السوري الذي تقايض به يسفك والضحايا قد لا يجدون من يواريهم.

في الليالي الماضية لم ينم السوريون في إدلب لينهضوا إلى سحورهم كما باقي الناس، وقد وصلنا من أصدقاء مقيمين في سراقب خبر عن مجزرة ارتكبها الطيران الروسي في إحدى القرى المجاورة. والضامن التركي ينام قرير العين، ففي الأفق الكثير من المقايضات على ما يبدو.

8