أردوغان وذراعه فيدان.. الإسلام السياسي مستقويا بالمخابرات

حياة "سلطان الظل" هاكان فيدان يلفها الكثير من الغموض وتضارب المعطيات، وتبقى الكثير من مساراته غامضة وقد لعب دورا حاسما في القضاء على ما سمي بـ"التنظيم الموازي".
الجمعة 2018/08/24
شخصيتان من "وادي الذئاب"
 

الدول التي تحكم باسم الإسلام السياسي لا تحتكم إلى مبدأ فصل السلطات كما هو الحال في الديمقراطيات العريقة بل تسعى إلى ممارسة الحكم بصفة تتماهى فيها العقيدة الأيديولوجية مع أجهزة الدولة عبر الولاءات الشخصية والسياسية لتكون النتيجة دكتاتورية مدمرة كما هو الحال في تحالف رجب طيب أردوغان في تركيا مع ظهيره رجل الاستخبارات، هاكان فيدان، الذي استقدمه الرئيس التركي ليثبت قواعد حكمه بتلك الصورة التعسفية، وقد حاولت -وما زالت تحاول- أنظمة إخوانية كثيرة السير على نفس المنهاج.

لعل شخصية مراد علمدار، في سلسلة “وادي الذئاب” -تلك الدراما التركية التلفزيونية الشهيرة- تشبهه من باب المصادفة، ولربما تمثله هو بالذات والصفات، لكن خارج السينما والتلفزيون هذه المرة، يتعلق الأمر بشخص حقيقي وموجود على أرض الواقع. اسمه هاكان فيدان، أو حقان فيدان، غير أنه يحمل عدة ألقاب مريبة داخل تركيا وخارجها: “ثعلب تركيا”، “السكين”، “سلطان الظل”، “منقذ أردوغان”، “كاتم أسرار أردوغان”، إلخ. بلغة الاحتراف السياسي فهو ممثل “الدولة العميقة” بامتياز وبلا منازع.

قدمته الكثير من وكالات الأنباء الرسمية باعتباره “مهندس عملية إحباط ما سمي بانقلاب ليلة الجمعة 15 يوليو 2016″. لكن ليس يخفى أنه صاحب فكرة توجه أردوغان بالحديث إلى الشعب التركي بنحو مباشر عقب “الانقلاب” المثير للجدل، حيث قال له بالحرف الواحد “سنقاتلهم حتى الموت، أما أنت فانزل إلى الشارع وابق مع الشعب”. استجاب أردوغان للنصيحة، ومكث في الشارع “رفقة الشعب” لعدة أيام كما شاهدنا، لا يفعل من شيء سوى أنه يخطب في الناس صباح مساء، إلى أن أذنت له “الدولة العميقة” بالعودة إلى الحياة السياسية الطبيعية.

في المقابل، وبينما كانت الأنظار مركزة على خطب أردوغان وتهديداته، والتي كانت تتخذ في بعض الأحيان شكل شطحات خارج النص وخارج السياق، انتهز هاكان فيدان الفرصة لكي يشرع خلف الستار في إدارة أكبر عملية تطهير للدولة منذ انقلاب كمال أتاتورك، وفيما يبدو كأنه انقلاب لا يحمل اسمه هذه المرة، بل يحمل اسم “مقاومة الانقلاب”. فقد تمكن من طرد ما يفوق مئة ألف موظف خلال أيام معدودة، واعتقل العشرات منهم، ضمنهم المئات من القضاة والضباط والإعلاميين والأساتذة الجامعيين. وعموما فقد كانت اللائحة معدة سلفا في انتظار الفرصة المواتية.

حياة الرجل يلفها الكثير من الغموض وتضارب المعطيات، وتبقى الكثير من مساراته غامضة، لكن ثمة واقعة محيرة ولعلها معبرة أيضا، ففي عام 2015، أي قبل “الانقلاب” المثير للجدل، استقال بنحو مفاجئ من رئاسة جهاز المخابرات التركية، ورشح نفسه للانتخابات على قوائم حزب “العدالة والتنمية”، الأمر الذي أزعج أردوغان الذي لم يخف أسفه وانزعاجه. لكنه بعد أقل من شهر عن الاستقالة عاد بنحو مفاجئ إلى عمله في إدارة المخابرات، لكي يتمكن هذه المرة من تجميع كافة أجهزة المخابرات الداخلية والخارجية تحت إدارة مركزية يشرف عليها بنفسه، ما أثار غضب الكثيرين في مختلف أوساط الأجهزة الأمنية، والذين سيتخلص منهم في سياق حملته التطهيرية.

شخصية هاكان فيدان تعبر عن حالة التحالف بين جهاز المخابرات العسكرية التركية والإسلام السياسي، ما يعني بلغة واضحة وبمعزل عن الأوهام الشائعة أن الجيش الذي كان يتحكم في الدولة طيلة مرحلة الخلافة العثمانية، هو نفسه الذي بقي يتحكم في الدولة خلال مرحلة أتاتورك، وهو نفسه الذي لا يزال يتحكم في الدولة في مرحلة أردوغان

بهذا النحو أصبح هاكان فيدان في الأخير الرجل الأقوى في تركيا، “سلطان الظل” بلا منازع، لا يظهر إلا نادرا وبحسبان، كما لا تظهره الفضائيات التي من عادتها ألا تظهر إلا الظاهر. ماذا عن مساره المهني؟ تلقى هاكان فيدان تكوينا أكاديميا في كل من تركيا والولايات المتحدة الأميركية، ثم عمل في منظمات دولية مختلفة، قبل أن يتم تعيينه في 2009 نائبا لرئيس الاستخبارات التركية إيمره انير. ومباشرة بعد تقاعد هذا الأخير إثر أزمة حادث سفينة مرمرة، أصبح فيدان في عام 2010 أصغر رئيس للاستخبارات التركية، حيث لم يكن عمره قد تجاوز الثانية والأربعين عاماً.

في السنوات القليلة الماضية لعب هاكان فيدان دورا حاسما في القضاء على ما سمي بـ”التنظيم الموازي”، والمقصود به تحديدا حركة خدمت التابعة لجماعة رجل الدين الشهير فتح الله غولن. ومعروف كيف اتهمت السلطات التركية الشيخ غولن وجماعته بالتورط في محاولات لزعزعة استقرار البلاد، كان آخرها اتهامه بالوقوف خلف محاولة “انقلاب 15 يوليو 2016” المثيرة للجدل.

واضح أيضا أن شخصية هاكان فيدان تعبر عن حالة التحالف بين جهاز المخابرات العسكرية التركية والإسلام السياسي، ما يعني بلغة واضحة وبمعزل عن الأوهام الشائعة أن الجيش الذي كان يتحكم في الدولة طيلة مرحلة الخلافة العثمانية، هو نفسه الذي بقي يتحكم في الدولة خلال مرحلة أتاتورك، وهو نفسه الذي لا يزال يتحكم في الدولة في مرحلة أردوغان. تتغير اليافطات والمتحكم واحد.

من يدري؟ لربما تكون تجربة التحالف بين المخابرات العسكرية والإسلام السياسي هي التجربة التي حاول إعادتها محمد مرسي عندما قام بتعيين عبدالفتاح السيسي رئيسا للأركان بدل الطنطاوي، وبقي مطمئنا إليه بنحو مثير إلى اللحظة الأخيرة. ومن يدري أيضا؟ فربما هناك في مكان ما، أو في أكثر من مكان، من يحاول إعادة إنتاج نفس التجربة، ولو بتفاصيل قد تختلف قليلا أو كثيرا.

13