أردوغان وطهران: العودة إلى الصديق اللدود

الثلاثاء 2016/03/29
أردوغان يخسر حلفاؤه

واشنطن – رغم الصعاب، تحاول إيران إعادة بناء الجسور، التي تصدعت بين موسكو وأنقرة، في أعقاب إسقاط تركيا لطائرة روسية في أكتوبر الماضي. وجاءت المبادرة الإيرانية ردا على طلب تركي لمعرفة ما إذا كان هناك سبيل للمضي قدما في تحسين العلاقات بين روسيا وتركيا. وتمت مناقشة طلب الوساطة خلال زيارة رئيس الوزراء التركي أحمد داودأوغلو إلى إيران في الرابع من مارس الجاري.

وأشارت المجموعة الاستشارية للشرق أن طهران نقلت رسالة أوغلو بعد أن غادر إيران. وتلقى جواد ظريف ردا أوليا عندما دعاه سيرجي لافروف قبل ساعات قليلة فقط من زيارته المؤجلة إلى أنقرة في مارس الجاري. وتشير القراءات الأولية من أنقرة إلى أن الرد الروسي كان سلبيا.

من الواضح أن هناك تنسيقا من أجل التخفيف من انعكاسات سياسة تركيا في العديد من القضايا الإقليمية كشرط مسبق لإعادة فتح الطريق نحو الشرق. والمفترض أن طريق أنقرة نحو الاتحاد الأوروبي مني بانسداد تام، كما أن علاقاتها مع واشنطن باتت متوترة في ظل إنشاء “كيان” لحزب العمال الكردستاني على الحدود الجنوبية لتركيا بمباركة واشنطن، وتراجع دور تركيا في الحرب السورية إلى حد كبير، إلى جانب تبدد طموحاتها في العالم العربي بعد سقوط الإخوان المسلمين في مصر، وإلغاء مشاريع الطاقة الواعدة مع روسيا، ورفض حلف شمال الأطلسي تقديم المساعدة لأي تحرك تركي ضد الأكراد داخل سوريا. وأخيرا، أصبحت تركيا هدفا لهجمات إرهابية، حيث يشن كل من حزب العمال الكردستاني والدولة الإسلامية هجمات مميتة تستهدف المدنيين الأتراك.

في الواقع، هذه هي معضلة الرئيس التركي. المجد العثماني، الذي رآه يقترب، اختفى فجأة، وعوضته طرق مغلقة في الاتجاهات الأربعة. وقد تمت سرقة جميع أوراق الرئيس التركي بسلاسة، لكنه لن يقبل مساعدة إيران على تسلق الشجرة؟

أدى توني بلينكن نائب وزير الخارجية زيارة إلى تركيا في 22-23 مارس الجاري على رأس وفد مجموعة العمل الأميركية التركية الرابعة لبحث قضايا الأمن الإقليمي في المنطقة، ولكن ماهو الأمن الإقليمي بالضبط؟ لقد تحطم طموح أردوغان في سوريا، في المقابل يحتفل الأكراد على الجانب الآخر من الحدود وتحولت المدن التركية إلى وجهة مفضلة للانتحاريين.

وهنا يأتي دور الإيرانيين، فقد أكد ظريف عندما كان في أنقرة، على الحاجة إلى التعاون الكبير بين البلدين. وقال إن القيادة الإيرانية تولي “أهمية كبيرة” للعلاقات مع تركيا.

والمثير للدهشة، أن أردوغان رحب بالعرض الإيراني، وقال إن تعزيز العلاقات بين إيران وتركيا يخدم مصالح البلدين الجارين، ويمكن أن يسهم في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.

وتبدو حسابات الإيرانيين بديهية، فهذه هي اللحظة المناسبة لاستهداف الأتراك، وإبعادهم عن أي جبهة سنية محتملة في الشرق الأوسط. وإعادة بناء الجسور مع روسيا لن يحدث مجانا، حتى طهران لا تخفي ذلك. ويبدو أن أردوغان مضطر إلى الوثوق في “فأر” ومنحه مفتاح “مخزن الجبن”.

تأخذ طهران في الاعتبار مساندة تركيا لإيران خلال العقوبات، ولا سيما إذا كانوا يصرون على المضي بهذه السياسة لتحدي الغرب. ولكن حتى تلك الحسنات هي جزء من سياسة التحدي. وتطرق ظريف في أنقرة بالحديث، بالتفصيل، عن تحويل العلاقات الإيرانية التركية إلى “نموذج” للمنطقة. وأجاب أردوغان بشكل إيجابي لافتا إلى الحاجة إلى حوار مستمر بين تركيا وإيران وبأن “التعاون بين إيران وتركيا فعال ومفيد في تسوية الأزمات الإقليمية”. ولكن منذ متى يقبل الإيرانيون الشيكات؟ إنهم يتعاملون نقدا. إنها مسألة مبدأ هنا.

من الصعب أن نرى تحركا إيرانيا بمعزل عن التوجه الروسي- الأميركي نحو إقامة نوع من مركز الثقل الاستراتيجي بين الموقفين المتعارضين. والفكرة هي أن جميع الأطراف في هذه المنطقة المضطربة يجب أن ينزلوا من على الربوة والمضي في طريق التسوية. هذا هو السبب الذي دفع بوتين إلى سحب جزء من قواته من سوريا، وهذا هو السبب في تحول واشنطن إلى معاملة أردوغان بفتور.

والوكيل، للقيام بذلك مع الأتراك هو طهران، ويبدو أن اتجاه الرياح مواتية، فأردوغان يعيش كابوسا استراتيجيا حقيقيا، وإيران تقول له نحن يمكن أن نساعدك. في الواقع، عبر التقارب مع طهران يحشر أردوغان نفسه في مكان منذر بكارثة.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تواجه تركيا عواقب سلسلة من الهجمات الإرهابية، والعقوبات الروسية، كما تثير الحملة الوحشية التي يشنها أردوغان على منتقديه تساؤلات حول الاستقرار على المدى المتوسط في البلاد. وتراجعت السياحة، وتم فقدان العديد من الصادرات، وزادت البطالة، وتراجع الاستثمار الأجنبي المباشر، وتباطأ النمو؛ وهذه العوامل تمثل لحظة الاستيقاظ من حلم زعامة الشرق الأوسط.

ومن الطبيعي أن يكون أي منعطف في السياسة الإقليمية التركية مدروسا وحذرا. ولكن إذا هبت نسمة المصالحة والدبلوماسية على المنطقة، سوف يتم إبعاد وجود “احتمال ثان” من طريق أردوغان. فإما أن ينزل الرئيس التركي من الربوة العالية لتطلعات العثمانيين الجدد ويظهر شخصيته الحقيقية كرجل دولة واقعي، أو أنه سيأخذ نفسه وبلده في طريق مسدود آخر.

6