أردوغان يبتز الناتو: دعم خططنا في سوريا مقابل حماية البلطيق

الإدارة الأميركية ترفض تصنيف الوحدات الكردية على اللائحة السوداء كمنظمة إرهابية.
الأربعاء 2019/12/04
أردوغان يريد وضع يده على شمال سوريا

نبرة الرئيس التركي والمحيطين به لم تخلُ من ابتزاز للشركاء في حلف شمال الأطلسي، حينما ربطوا موافقة تركيا على خطة للدفاع عن بولندا ودول البلطيق، بتأييد الناتو لمشاريعها في شمال سوريا، محل الخلاف في صفوف الحلف.

لندن – يراهن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على القمة الحالية لحلف شمال الأطلسي المنعقدة في العاصمة البريطانية لندن، لجر أقدام الشركاء الغربيين وفي مقدمتهم الولايات المتحدة إلى خططه في شمال سوريا. ولم يتوان أردوغان، للحصول على مبتغاه، عن استخدام أكثر الأساليب الدبلوماسية إثارة للجدل وهي الابتزاز، الأمر الذي استفز واشنطن.

ويسوّق أردوغان لإقامة منطقة آمنة في شمال شرق سوريا ويريد الرئيس التركي أيضا إدراج وحدات حماية الشعب الكردي تنظيما إرهابيا، ويعتبر أن القمة التي يحضرها زعماء الحلف الأطلسي الفرصة المثالية لتحقيق أهدافه، بيد أن كثيرين يتشككون في إمكانية نجاحه، في ظل قناعة لدى العديد من الشركاء في الناتو بأن الغايات التركية تتعدى التبريرات التي تروجها أنقرة بشأن “مواجهة التهديد الكردي المزعوم” إلى محاولة توسيع دائرة نفوذها في هذا الجزء من البلد، الذي لطالما اعتبرته تابعا لها وتم انتزاعه منها عبر اتفاقية “مجحفة” عقب انهيار الإمبراطورية العثمانية إبان الحرب العالمية الأولى.

ينس ستولتنبرج: هناك خلافات بين الحلفاء حول تعريف الوحدات الكردية
ينس ستولتنبرج: هناك خلافات بين الحلفاء حول تعريف الوحدات الكردية

وأكد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرج الثلاثاء أن هناك خلافات في وجهات النظر بين الحلفاء حول كيفية تعريف تنظيم وحدات حماية الشعب الكردي في سوريا، مشككا في إمكانية حلها، حينما قال “لا أستطيع التعهد بذلك ولكننا نعمل على الأمر”.

وتكتسي قمة لندن أهمية خاصة للشركاء في الناتو حيث تتزامن مع إحياء الذكرى السبعين لنشأة الحلف في ظل انقسامات غير مسبوقة في صفوفه، وتعتبر تركيا مساهما رئيسيا في تلك الانقسامات بتحدي شركائها وشراء منظومة الدفاع الروسية المتطورة “آس 400” في مخالفة للمبادئ التي قام عليها التحالف، وعقد اتفاقية بحرية مثيرة للجدل مع ليبيا تهدد مصالح دول أعضاء على غرار اليونان.

وهناك حاجة ملحة لظهور التحالف الذي تأسس في العام 1949 ويضم 29 دولة، في عيده السبعين بثوب المتماسك خاصة بعد التصريحات التي وصفت بالمحبطة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي قال إن الناتو في “حالة موت دماغي” إلا أن حديث اردوغان قبيل ساعات قليلة من انعقاد القمة، تجعل هذه المهمة صعبة.

ويقول دبلوماسيون غربيون إن حالة التساهل التي تبديها واشنطن وباقي الشركاء الأوروبيون حيال تصرفات أردوغان وسياساته تجعله يتمادى إلى حد ممارسة الابتزاز العلني من خلال ربط دعمه لخطة تهدف إلى الدفاع عن بولندا ودول البلطيق الثلاث، بتأييد مشاريعه التوسعية في شمال شرق سوريا وفرض تصنيف حليف سوري في القتال ضد تنظيم داعش وهو وحدات حماية الشعب الكردي، منظمة إرهابية.

وصرح الرئيس التركي الثلاثاء قبيل قمة الناتو إن بلاده ستعارض أي خطة دفاعية عن بولندا وأستونيا وليتوانيا ولاتفيا، إذا لم يقر الحلف بأن أنقرة تقاتل جماعات إرهابية في سوريا.

وقال أردوغان في تصريحات في أنقرة قبيل مغادرته إلى القمة، إنه تحدث مع الرئيس البولندي أندريه دودا عبر الهاتف الاثنين واتفق على الاجتماع معه ومع زعماء دول البلطيق في لندن لبحث الأمر. وأضاف “بكل سرور، يمكننا أن نجتمع ونبحث هذه القضايا هناك”.

واستدرك قائلا “لكن إذا لم يقر أصدقاؤنا في حلف شمال الأطلسي بأن ما نعتبرها منظمات إرهابية في سوريا هي فعلا منظمات إرهابية… فإننا سنقف في وجه أي خطوة تُتخذ هناك”.

وخطة الدفاع عن بولندا ودول البلطيق ليست بالجديدة بل تعود إلى سنوات مضت حيث كشفت، وثائق مسربة أن وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون وقعت في يناير 2010 برقية تقول إن الحلفاء في الأطلسي وافقوا على أن تشمل خطط طوارئ موضوعة للدفاع عن بولندا، دول البلطيق، أي أستونيا ولاتفيا ولتوانيا، ضد أي هجوم روسي محتمل.

وعقب تلك التسريبات تراجع الحديث عن الخطة، لتعود في العام 2014 إلى دائرة الضوء، بناء على طلب من الدول المعنية، بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم وما أثارته تلك الخطوة من مخاوف حيال إمكانية أن تقدم موسكو على خطوات مماثلة ضد الدول السوفييتية السابقة.

وتدفع كل من بولندا وإستونيا ولاتفيا ولتوانيا بتشجيع من الولايات المتحدة اليوم نحو إقرار تلك الخطة بسرعة وهذا الأمر يحاول أردوغان استغلاله لمقايضة موافقته بشأنها والمساهمة فيها بتأييد مشاريعه في سوريا.

ونقلت وكالة “رويترز” مؤخرا في تقرير لها عن أربعة مصادر دبلوماسية في الناتو، أن أنقرة تطالب بتصنيف “الوحدات الكردية” ضمن قائمة الإرهاب في البيانات الرسمية للحلف، إلى جانب دعم خطتها لإقامة المنطقة الآمنة.

وقال أحد المصادر إن تركيا “تأخذ شعوب شرق أوروبا رهائن بعدم موافقتها على الخطة العسكرية بشأنها إلى حين حصولها على تنازلات”، في حين قال مصدران آخران إن الأمل لا يزال يحدو مبعوثي الحلف في الوصول إلى حل وسط، لأن أنقرة تريد أيضا اعتماد خطة عسكرية متطورة منفصلة بشأن كيفية دفاع الحلف عن تركيا في حالة تعرضها لهجوم.

ويسعى مبعوثو الحلف للحصول على موافقة رسمية من كل الدول الأعضاء على الخطة العسكرية للدفاع عن بولندا ودول البلطيق، غير أنه في حال رفضت تركيا، فسيكون صعبا على الحلف تعزيز دفاعاته في هذه الدول.

Thumbnail

ودعا وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر في وقت سابق تركيا إلى الكف عن إعاقة خطة الدفاع عن دول البلطيق وبولندا. وقال إسبر، في تصريحات أدلى بها على متن طائرة متجهة إلى لندن لحضور قمة الحلف، إن “الجميع لا يرون التهديدات التي تراها تركيا”، مؤكدا أنه لن يدعم تصنيف وحدات حماية الشعب إرهابية لحل الأزمة مع أنقرة.

وأضاف “الرسالة الموجهة إلى تركيا هي أننا بحاجة للمضي قدما في خطط الاستجابة (بشأن دول البلطيق) وأنها لا يمكن أن تُعلّق بفعل مخاوفهم الخاصة”. وتابع الوزير الأميركي “وحدة الحلف وجاهزيته تعني أن يركز الأتراك على القضايا الأكبر. والقضية الأكبر هي جاهزية الحلف. وليس الجميع مستعدين للموافقة على أجندتهم”.

وكان وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو صرح الأسبوع الماضي أنه من الضروري أن يتحرك الناتو لتخفيف المخاوف الأمنية لجميع أعضائه. وأضاف “في هذا الصدد، ما هو مطلوب لمنطقة البلطيق يجب أن يطلب لنا أيضا”، محذرا من أنه إذا اعترضت بعض دول الحلف على إزالة هذه المخاوف فإن ذلك سيحرم الناتو من وحدته.

وجدد وزير الخارجية التركي تنديد أنقرة بدعم الولايات المتحدة لـ”وحدات حماية الشعب” الكردية في سوريا، مشددا على أن واشنطن “تتخذ خطوات خاطئة رغم التحذيرات”.

وحاول مصدر أمني تركي التخفيف من وطأة ابتزاز بلاده للشركاء في الناتو بالقول “حلف الأطلسي مؤسسة تتمتع فيها تركيا بكامل حقوق النقض، سياسيا وعسكريا، وهناك إجراءات قائمة. لا يوجد شيء اسمه ابتزاز تركي، ومثل هذا الادعاء غير مقبول”.

ومن المتوقع أن تعقد تركيا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا اجتماعا منفصلا على هامش قمة الحلف. وقال أردوغان إنهم سيبحثون بالأساس الخطط التركية لإقامة منطقة آمنة في شمال شرق سوريا، وهي خطط قوبلت إلى الآن بالانتقاد من حلفاء أنقرة الأوروبيين.

ويقول محللون إن النبرة الخشنة لأنقرة، تشكل إحراجا كبيرا للولايات المتحدة وللقوى الأوروبية، ويدرك الطرفان أن الخضوع للابتزاز التركي سيكون مكلفا ليس فقط لجهة أن ذلك سيعني عدم القدرة مستقبلا على ردع أنقرة، بل وأيضا هي رسالة سلبية للعالم عن تآكل هيبة الدول الكبرى.                                    

2