أردوغان يتحدث عن حرب مقبلة لكسب أصوات الناخبين

أردوغان يحاول أن يجعل من التوتر المجتمعي والسياسي والدبلوماسي الموجود في الداخل والخارج، بالإضافة إلى حديثه الدائم عن القومية، عمودا فقريا لاستراتيجيته السياسية.
الخميس 2018/04/05
رجب طيب أردوغان يتوسط المطربين التركيين إبراهيم طاتليسس وسيبل جان

توجه عدد من الفنانين، من بينهم المطرب الشعبي، ذو الأصول الكردية، إبراهيم طاتليسيس، مع لفيف من الرياضيين، يتقدمهم رئيس نادي بيشكتاش الرياضي، فِكرَت أورمان، إلى منطقة الحدود التركية السورية؛ لتوجيه رسالة شكر، ولرفع الروح المعنوية للجنود الذين شاركوا في عملية غصن الزيتون في عفرين السورية.

وسبق هذه الزيارة تصريح أدلى به الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، انتقد فيه -بشكل حاد- الفنانين، الذين عارضوا عملية الجيش التركي داخل عفرين، حيث قال “نعلم يقينا ما فعله الفنانون الذين لم يقدموا لنا الدعم أثناء احتجاجات غيزي في الماضي. نعلم أنهم قاموا بالشيء نفسه في عفرين، عندما امتنعوا عن دعم الفنانين الذين توجهوا إلى هذه المنطقة. ها هم يرتكبون اليوم أيضا نفس الحماقة”.

شيء غريب أن يوجه أردوغان نداءه هذا إلى الذين عارضوا هدم مركز أتاتورك الثقافي، في سياق حديثه عن عملية عسكرية جديدة في شمال العراق، وأنه سيدخل إلى سنجار في ليلة واحدة، في غفلة من أهلها، على الرغم من أنه كان هو نفس الشخص الذي خاطب هؤلاء المحتجين أنفسهم، في خِضم أحداث غيزي، قائلا “تعالت صرخات المحتجين على هدم مركز أتاتورك الثقافي، أريد أن أقول لكم: اصرخوا، اغضبوا، موتوا بغيظكم كيفما شئتم، لقد هدمناه”.

يحاول أردوغان أن يجعل من التوتر المجتمعي والسياسي والدبلوماسي الموجود في الداخل والخارج، بالإضافة إلى حديثه الدائم عن القومية، عمودا فقريا لاستراتيجيته السياسية. إنه يظن، بما يصدره للمواطنين الأتراك من تصريحات بشأن تحسن الوضع السياسي للدولة، بالشكل الذي يطمح إليه، أنه يخطط بذلك للفوز في الانتخابات المزمع إجراؤها في 2019.

وفي الوقت الذي يزعم فيه الرئيس العام لحزب الشعب الجمهوري، كمال كليجدار أوغلو، أن تحالف حزب العدالة والتنمية لن يحصد أكثر من 43.5 بالمئة من الأصوات، نجد أن هذا يخالف طرحًا آخر، جاء هذه المرة من الكاتب عبدالقادر سيلفي، وهو أحد المقربين من السلطة الحاكمة، حين قال “إن العملية العسكرية التي نفذتها في عفرين رفعت من نسبة الأصوات المؤيدة لحزب العدالة والتنمية الحاكم لتصل إلى 55 بالمئة حسب آخر استطلاعات للرأي.

أردوغان يزيد في هذه الأيام من جرعة خطاباته السياسية، ويضمنها شعارات أكثر حدة ويؤجج المناخ السياسي؛ بالحديث عن حرب مقبلة، ظنا منه أن ذلك سيجعل أصوات الناخبين تتكتل خلف حزبه

 بيد أننا، عندما نطالع نتائج استطلاعات الرأي العام، التي قامت بها شركات ومراكز متخصصة في هذا المجال مثل غيزيجي، وسونار، ومتروبول، وماك، نجد أن الحقيقة ليست كما يزعمون؛ حيث لم تصل نسبة الأصوات المؤيدة لحزب العدالة والتنمية -حسب هذه الشركات- إلى نسبة 50+1 بالمئة. وهذا يعني أن هناك تبايناً بين الاستطلاعين، يتراوح بين 5-8 بالمئة بالزيادة”.

من أجل هذا، يزيد رئيس الجمهورية، والرئيس العام لحزب العدالة والتنمية، رجب طيب أردوغان، في هذه الأيام من جرعة خطاباته السياسية، ويضمنها شعارات أكثر حدة ويؤجج المناخ السياسي؛ بالحديث عن حرب مقبلة، ظنا منه أن ذلك سيجعل أصوات الناخبين تتكتل خلف حزبه. وكان شمال العراق، وسنجار هما العنصران الجديدان الداعمان له في هذا الاتجاه.

لقد تناثرت الأنباء مؤخرا بخصوص توقيت هذه العملية العسكرية التي تعتزم القوات المسلحة التركية، بالتعاون مع الجيش العراقي، تنفيذها في شمال العراق، إذ يعتقد البعض أنها ستنفذ بعد الانتهاء من الانتخابات البرلمانية في العراق، المزمع إجراؤها في الثاني عشر من مايو المقبل.

وفي تصريح له في التاسع من مايو الماضي، ذكر وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، “أن العملية العسكرية التي يقوم بها الجيش التركي في عفرين لن تنتهي قبل شهر مايو المقبل، وأن الجيش التركي سينفذ، عقب ذلك، عملية أخرى خلف الحدود العسكرية. ومع هذا وجدنا أن العملية العسكرية، التي يتحدث عنها، قد انتهت بالفعل بدخول عفرين في الثامن عشر من مارس الماضي”.

لم يتوانَ الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، عن الخروج بتصريحات، في ذات اليوم، ألمح فيها إلى عمليات عسكرية أخرى سينفذها الجيش التركي في العراق وسوريا، بعد انتهاء مهمته في عفرين.

وفي الوقت الذي كثرت فيه الأقاويل، حتى أسابيع قريبة، عن وجود مخطط لتحرك عسكري مشترك مع الجيش العراقي، تسربت أخبار أخرى الأسبوع الماضي عن تغيُّر مفاجئ في موقف الحكومة العراقية. فقد أعلنت الحكومة العراقية عن دخول الجيش العراقي، وميليشيات الحشد الشعبي الشيعي المدعومة من إيران إلى مدينة سنجار، تزامنا مع انسحاب عناصر حزب العمال الكردستاني منها، وأنه تم للجيش العراقي السيطرة على الوضع هناك بالتعاون مع هذه الجماعة.

في الوقت نفسه، أعلنت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية، هيذر نويرت، عن دعمها للعبادي، وأكدت، في تعليقها على عبارة “قد ندخل سنجار” التي قالها أردوغان، على ضرورة أن تحصل تركيا على موافقة الحكومة العراقية قبل التفكير في أي عملية عسكرية بشمال العراق؛ لأن العراق دولة ذات سيادة.

يدرك أردوغان جيدًا تردي الوضع الاقتصادي في البلاد وتعد حكومة العدالة والتنمية العدة للتغطية على هذه المشكلة ومنع ظهور أي أصوات، أو احتجاجات تنتقد أداء السلطة الحاكمة

لقد قلبت هذه التصريحات الوضع رأسًا على عقب، وأحدثت نوعًا من الخلل في الاستراتيجية السياسية والانتخابية التي يتبناها أردوغان، والتي يسعى من خلالها إلى تنفيذ معادلة “حرب حتى الانتخابات”، واتجه الوضع نحو التأزم، مع تغيير الحكومة العراقية لموقفها، وتصريحها “لن نسمح بوجود عسكري على أراضينا”، تزامناً مع دخول الولايات المتحدة الأميركية في اللعبة.

كان انسحاب العناصر التابعة لحزب العمال الكردستاني بمباركة أميركية، بمثابة إفراغ لأهداف أردوغان من محتواها، وجعلها مجرد توجهات لا مبرر لها. اللافت للانتباه كذلك أن الإعلان عن انسحاب عناصر حزب العمال الكردستاني من سنجار، وتمركز عناصر الحشد الشعبي الشيعي مكانها، قد جاء على الرغم من ردة الفعل القوية التي أبداها أردوغان من قبل، عندما شاركت نفس الجماعة الشيعية في العملية العسكرية التي نفذها الجيش العراقي ضد داعش في الموصل؛ تحت زعم أن الموصل “مدينة سنية”.

وتزامنا مع هذا، أخذت وسائل الإعلام المقربة من السلطة الحاكمة تروج لمخطط الحكومة لدخول القوات المسلحة التركية إلى شمال العراق؛ بتهيئة الرأي العام بأخبار من قبيل “إن العناصر التابعة لحزب العمال الكردستاني لم تنسحب من سنجار، وأن كل ما يحدث لا يتعدى كونه محاولة لتهدئة تركيا، ومنعها من تنفيذ عمليتها العسكرية في شمال العراق”، في وقتٍ تشير فيه آخر التصريحات الصادرة عن بغداد إلى أن الجيش العراقي، والحشد الشعبي، ومن ورائهما الولايات المتحدة الأميركية، لن يسمحوا لأردوغان بتنفيذ عملية عسكرية شاملة في شمال العراق.

وعلى الرغم من أن الهدف من قول أردوغان لحكومة بغداد “إما أن تجدوا الحل وإما…” قد جعل الرأي العام التركي على صفيح ساخن، إلا أنه قد يُلوِّح -إذا اقتضى الأمر- بالدخول إلى شمال العراق، رغمًا عن الحكومة العراقية؛ حتى يفوز في الانتخابات، مستغلاً رياح الحرب، التي ستؤجج من مشاعر القومية لدى المواطنين الأتراك.

وبالطبع لن يفوته أن يغطي على تردي الوضع الاقتصادي، الذي سيتأثر، بطبيعة الحال، بوضع كهذا، وأن يمنع أي حديث عن هذا الأمر. وقد رأينا أن المتحدثين باسم السلطة الحاكمة في تركيا قد تجاهلوا، وهم يعرضون القفزات الكبيرة التي حققها الاقتصاد في عام 2017 بنسبة نمو تخطت -حسب زعمهم- 7.4 بالمئة، الإشارة إلى أن الاقتصاد التركي حقق بالفعل نسبة نمو بلغت 11.3 بالمئة في الربع الثالث من عام 2017، ولكن هذه النسبة ما لبثت أن تراجعت بشكل حاد في الربع الأخير من العام نفسه لتبلغ 7.3 بالمئة.

الأدهى من ذلك أن نصيب الفرد من الدخل القومي قد انخفض هو الآخر إلى 10 آلاف و597 دولاراً سنويًا؛ أي أن مبلغ 10 آلاف و937 دولاراً، الذي كان يتقاضاه الفرد في عام 2008، قد انخفض إلى نسبة أقل مما كان يتقاضاه الفرد قبل عشر سنوات. جدير بالذكر أن أردوغان، وحزب العدالة والتنمية كانا يتفاخران في عام 2013، بعد أن بلغ نصيب الفرد من الدخل القومي 12 ألفًا و430 دولاراً سنويًا، وقدما وعوداً في حينها بأن الحكومة ستصل بهذا المبلغ إلى 20 ألفًا بحلول عام 2023.

لقد ارتفعت الفواتير بنسبة 2.98 بالمئة اعتباراً من الأول من أبريل الماضي. كما أثَّرت الزيادة التي سجلتها أسعار الوقود السائل في حدوث موجات أخرى من زيادة الأسعار في كل شيء، وبالتالي ارتفعت نسبة التضخم. وليس لهذا معنى آخر سوى ازدياد نسبة الفقر. لقد حوَّلت سياسة “حرب حتى الانتخاب”، واقتصاد الحرب، الذي يدعو إليهما أردوغان، ميزانية الدولة إلى ما يشبه المصفاة.

وفي الوقت الذي تسببت فيه تكلفة العمليات العسكرية في اتساع عجز الميزانية، نجد حجم الإنفاق على الدفاع والأمن قد ازداد من 56.3 مليار ليرة تركية في 2016 ليبلغ 63.4 مليار ليرة تركية في عام 2017. أما بالنسبة لتكلفة حرب عفرين فستقرأون عنها في الميزانية التي ستعلن عنها الحكومة خلال الأشهر القادمة.

يدرك أردوغان جيدًا تردي الوضع الاقتصادي في البلاد. من أجل هذا، تعد حكومة حزب العدالة والتنمية العدة للتغطية على هذه المشكلة، ومنع ظهور أي أصوات، أو احتجاجات تنتقد أداء السلطة الحاكمة. وإذا ظهر من يقولون “نحن جائعون، عاطلون، أجورنا غير كافية”، فستعاجلهم الدولة بالرد “الدولة في حالة حرب”

لا يمكن للاقتصاد التركي أن يستمر على هذا المنوال حتى موعد الانتخابات في 2019؛ لأنه من الواضح أن الفاتورة السياسية ستكون باهظة. ومع هذا، فالواضح أن تحالف حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية لا يملك خيارات أخرى سوى خيار “حرب حتى الانتخابات!”.

7