أردوغان يحشر تركيا في حفرة اقتصادية

العقوبات تسهل لأردوغان الترويج لروايته الخيالية بأن جميع الدول تقف ضد تركيا لأنها أصبحت أكثر قوة في عهده.
السبت 2019/10/12
الليرة مرشحة لانكماش شديد

من المرجح أن يتمخض الهجوم التركي على شمال شرق سوريا عن اضطرابات اقتصادية هائلة في ظل شبح الهجمات الانتقامية والعقوبات الأميركية المحتمل فرضها على الاقتصاد المتعثر بالفعل.

تكفي الإشارة إلى أن أزمات تركيا الاقتصادية الخانقة كان سببها عقوبات أميركية محدودة وزيادة الرسوم الجمركية على المعادن، والتي فجرت في العام الماضي أزمة عملة خطيرة.

ولا يزال الاقتصاد التركي يعاني من آثار تلك العقوبات، التي دفعته إلى الركود وارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات فلكية عند نحو 20 في المئة والليرة لا تزال ضعيفة، إضافة إلى أن الكثير من الشركات والبنوك ترزح تحت كاهل مستويات عالية من الديون.

ونتيجة ذلك تراجعت شعبية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من نحو 50 في المئة إلى ما بين 30 و35 في المئة بسبب تصاعد حالة السخط والاستياء، التي فاقمها وجود نحو أربعة ملايين لاجئ سوري في تركيا.

كل ذلك وجه ضربة قوية لشبكة المحسوبية والمحاباة التي أنشأها أردوغان منذ منتصف تسعينات القرن العشرين. وساعد ذلك تحالف أحزاب المعارضة على الفوز بخمس من أكبر ست مدن في البلاد خلال الانتخابات المحلية التي أجريت هذا العام.

كما يعكف عدد من أبرز رفاق الدرب السابقين لأردوغان على تشكيل أحزاب منافسة من المرجح أن تفتت أصوات حزب العدالة والتنمية الحاكم. وفي مواجهة ذلك، يبدو أن أردوغان قد آثر السعي إلى حشد الجماهير وراءه في قضية قومية.

غير أن المعارضين لقرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب سحب قوات بلاده من الحدود التركية السورية للسماح بشن العملية التركية يكسبون أرضا جديدة على ما يبدو.

فقد انتقد السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، وهو واحد من أشد مؤيدي ترامب، قرار الرئيس الأميركي “التخلي دون خجل” عن شركاء الولايات المتحدة من الأكراد، وقدم مشروع قانون أعده الحزبان الجمهوري والديمقراطي الأربعاء لفرض عقوبات على تركيا ما لم تقر الإدارة الأميركية للكونغرس كل 90 يوما بأن تركيا لا تعمل في الأراضي السورية.

وسوف تستهدف العقوبات أردوغان وكبار وزرائه وأي مواطن أجنبي يقدم الدعم للجيش التركي. كما يستهدف مشروع القانون قطاع الطاقة ويطالب بفرض عقوبات سريعة على تركيا بسبب شرائها منظومة دفاع صاروخية روسية ويحظر المبيعات العسكرية الأميركية لتركيا.

وأشار ترامب أيضا إلى أنه سيدمر الاقتصاد التركي إذا تجاوز أردوغان الحدود في تركيا.

وقال ترامب “أوافق على العقوبات، لكنني في الواقع أفكر فيما هو أشد كثيرا من العقوبات إذا لم يفعل ذلك بشكل إنساني قدر الإمكان”، في إشارة إلى العملية العسكرية التي شنها أردوغان. وأبلغ ترامب الصحافيين أن مفهوم كلمة “إنساني” في سياق العملية العسكرية التركية تنبغي بلورته طوال سير العملية. وأضاف “لكن إذا تصرف أردوغان بشكل جائر، فسيدفع ثمنا اقتصاديا باهظا للغاية”.

الحكومة التركية تحدثت عن الحصول على تمويل دولي لبناء 200 ألف منزل إلى جانب مستشفيات ومساجد ومدارس في ما تطلق عليه اسم “المنطقة الآمنة” التي تأمل بإقامتها في شمال شرق سوريا.

بالنسبة للحزب الحاكم، يبدو هذا السيناريو مربحا للجميع، فهو يحشد الدعم في الداخل بفضل إعادة السوريين إلى وطنهم وفي الوقت نفسه يساعد شركات البناء المثقلة بالديون التي طالما كانت من الداعمين الرئيسيين لأردوغان.

أما العقوبات فإنها سوف تمثل مشكلة كبيرة للاقتصاد التركي الذي يكابد بالفعل للخروج من أزمة العملة التي نشبت العام الماضي والركود قصير الأمد الذي دفعته إليه. سيعزف المستثمرون الأجانب عن تركيا من جديد رغم التيسير النقدي في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو.

كما أن ضعف الليرة التركية سيمنع البنك المركزي من الاستمرار في تخفيضات أسعار الفائدة التي وصل إجماليها بالفعل إلى 7.5 بالمئة منذ شهر يوليو. وإذا تراجعت الليرة بنسبة أكبر من 10 إلى 15 في المئة خلال الأيام المقبلة، فسيضطر البنك المركزي إلى النظر في التشديد النقدي الذي قد يحول الانتعاش الاقتصادي إلى انكماش من جديد.

صحيح أن معدل التضخم تباطأ إلى 9.3 في المئة في شهر سبتمبر، إلا أنه من المتوقع أن ينهي العام الحالي بنسبة في خانة العشرات، خاصة في ظل العقوبات المحتملة. وسيذهب هدف أردوغان في تحقيق نمو اقتصادي بنسبة 5 في المئة في كل عام من الأعوام الثلاثة القادمة أدراج الرياح.

وسيتسع أيضا عجز الموازنة التركية، الذي تضاعف خلال السنة الأخيرة ليصل إلى ثلاثة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، الأمر الذي يزيد من ارتفاع المخاطر العالية بالفعل.

ولعل أردوغان كان يدرك تمام الإدراك أن النمو لن يصل أبدا إلى مستوى الخمسة في المئة، الذي تعهد به صهره وزير الخزانة والمالية براءت البيرق في برنامجه الاقتصادي الجديد الأسبوع الماضي، وأنه سيتعين عليه أن يفعل المزيد لكسب الدعم من جديد.

لا يتردد الرئيس التركي قط عن رفع سقف المخاطرة، ويجازف بكل شيء على ما يبدو لتحفيز النمو الاقتصادي. وسيقف الأتراك المعروفون بنعرتهم القومية الشديدة بقوة خلف أردوغان حين تكون حياة الجنود عرضة للخطر. وقد كان الحزب المؤيد للأكراد هو الوحيد الذي صوت برفض السماح للقوات التركية بدخول سوريا.

وحين تبدأ العقوبات الاقتصادية، سيكون من الأسهل على أردوغان أن يروج لروايته الخيالية التي يقول فيها إن “جميع الدول تقف ضد تركيا، لأنها أصبحت أكثر قوة في عهده”.

من شأن تصعيد العمليات العسكرية في سوريا أن يتمخض عن اضطرابات سياسية في الداخل، وعقوبات اقتصادية وخيمة. ولربما يستغل الرئيس الحرب في إجراء تغييرات سياسية شديدة الخبث.

10