أردوغان يخسر معركة تطويع أقلام الصحافيين المعارضين

تواصل الحكومة التركية حملة ممنهجة ضد الصحافيين المعارضين بتهمة، تقديم المساعدة إلى ثلاث مجموعات تصنّفها أنقرة “إرهابية”، لكنها فشلت في ثني الصحافيين عن انتقادهم للسياسات المتسلطة، وأكدوا أنهم مستمرّون في رفض الظلم.
الاثنين 2018/03/12
موقف ثابت

إسطنبول (تركيا) - لم تفلح الحملة الشرسة التي أطلقتها السلطات التركية على الصحافيين المناوئين لها، بتحقيق مساعيها بتطويع أقلامهم وثنيهم عن مواقفهم الرافضة لسياساتها، وهو ما أبرزه الكاتب الصحافي أحمد شيك، الذي أصدر بيانا فور خروجه من السجن، وصف فيه الحكومة بـ”سلطنة المافيا”.

وأفرجت السلطات التركية عن الصحافي الاستقصائي بصحيفة جمهوريت التركية المعارضة، بعد قضاء أكثر من 430 يوما في السجن، ليعود فورا إلى انتقاد الحكومة رغم أنه مازال يواجه محاكمة.

ونشرت جمهوريت فيديوهات على الإنترنت لبيانه الأول، وقال شيك لأنصاره “أؤكد لكم أن سلطنة المافيا تلك ستنتهي.. ثم سنفرح”.

ويقول الادعاء إن الصحيفة باتت تحت سطوة شبكة رجل الدين التركي المقيم في الولايات المتحدة فتح الله غولن الذي تتهمه الحكومة بأنه وراء تدبير محاولة انقلاب في يوليو 2016.

وينفي العاملون بالصحيفة الاتهامات ويقولون إنهم مستهدفون لإسكات منتقدي الرئيس رجب طيب أردوغان. وكتبت جمهوريت عنوانا عريضا الجمعة “فلننه هذا الظلم”.

ويعتبر شيك خبيرا بشأن الحركة المحيطة بالداعية التركي المقيم بالولايات المتحدة فتح الله غولن، وهو واحد من بين 18 موظفا ومديرا تنفيذيا بصحيفة جمهوريت يخضعون للمحاكمة، وتم تحديد الجمعة المقبل موعدا لجلسة جديدة، وهم يواجهون اتهامات بمساعدة عدد من المنظمات الإرهابية من خلال تغطيتهم الإخبارية. وأشار شيك إلى أن آكين أتلاي، وهو مسؤول تنفيذي بارز في صحيفة جمهوريت، ما زال خلف القضبان.

والمفارقة أن أحمد شيك كان قد انتقد بشدة في كتابه تولي حركة غولن مناصب بالسلطة في الدولة التركية، ما تسبب في إيداعه السجن لمدة عام في 2011، واليوم تتهم حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان، شيك، بمساعدة حركة غولن في محاولة الانقلاب الفاشلة، وهي التهمة التي طالت عشرات الآلاف من أنصاره المزعومين وتسبّبت في سجنهم.

وقال شيك “لقد تركت هذا المكان (السجن) قبل ستة أعوام، في شهر مارس مجددا، ما تغيّر من حينها هو أن أحد شركاء الفاشية سقط”، مشيرا إلى الحملة الصارمة التي تستهدف أنصار غولن، وأضاف أن “حكم القانون غير موجود في تركيا”.

165عاملا بمجال الإعلام في السجون في تركيا وأغلبهم متهمون بجرائم على صلة بالإرهاب

وكان شيك قد أغضب، في السنوات الأخيرة، السلطات بسبب تقاريره عن المتشدّدين الأكراد واليساريين والصراع في جنوب شرقي تركيا المضطرب.

بدوره يعيش رئيس التحرير السابق لصحيفة جمهوريت، جان دوندار، في المنفى في أوروبا بعدما حكم عليه بالسجن خمس سنوات لكتابة تقارير صحافية عن شحنات الأسلحة التركية للمسلحين في سوريا، وقد توعّد وقتها الرئيس التركي، بمحاسبة الصحافيين المسؤولين عن التقارير بأقسى العقوبات.

وحكمت المحكمة بأن دوندار يجب أن يواجه عقوبات أغلظ تصل إلى السجن 20 عاما وأن تعاد محاكمته.

وأفرجت السلطات التركية أيضا عن رئيس التحرير مراد صابونجو الذي قضى 495 يوما في السجن، وقال صابونجو لأنصاره إن رئيس مجلس إدارة الصحيفة المعارضة آكين أتلاي الذي ما زال قابعا في السجن تعهد بأن تستمر الصحيفة في نهجها “بلا خوف”، قائلا إن “جمهوريت ستستمر في الصحافة المستقلة كما تفعل دوما”.

وجاء قرار الإفراج عن شيك وصابونجو في ختام جلسة استماع بالمحكمة استمرت لمدة يوم كامل في مجمع سجن سيليفري في إسطنبول، والتي ركزت على الصحافيين المنتسبين إلى الصحيفة التي تنتقد الحكومة بشدة.

وقال وزير العدل، عبدالحميد غول للصحافيين في مدينة قونية، السبت، إن القضاء التركي مستقلّ، وسيتم احترام قرارات المحكمة.

وأضاف غول “القضاء في تركيا مستقلّ ونزيه وتركيا دولة قانون. يتعيّن أن يحترم الجميع القرارات التي تتخذها المحاكم وقرارات المحاكم ملزمة للجميع. قد لا تعجبك أو (تنتقد) القرار، لكن القرارات ملزمة”.

وثمّة أسماء كبيرة في وسائل الإعلام التركية، على مقاعد المتهمين، مثل الصحافي باللغة الفرنسية قدري غورسيل، ورسام الكاريكاتير موسى كارت، اللذين يمثلان بملء حريتهما بعد الإفراج عنهما السنة الماضية بعد أشهر من الاعتقال. وقد يحكم عليهما بالسجن حتى 43 عاما بتهمة تقديم المساعدة إلى ثلاث مجموعات تصنّفها أنقرة “إرهابية”.

كما قرّرت محكمة تركية الخميس سجن 25 صحافيا مددا تصل إلى سبع سنوات ونصف السنة في ختام محاكمة أخرى تتعلق بمحاولة الانقلاب في يوليو 2016. وأوضحت وكالة دوغان التركية للأنباء أن 23 صحافيا أدينوا بالانتماء إلى مجموعة إرهابية مسلحة، فيما أدين اثنان آخران بتهم مختلفة.

وعمل معظم الصحافيين المدانين في صحيفة الزمان، أبرز وسائل الإعلام المقربة من غولن، وقد استولت عليها السلطات في مارس 2016. فيما عمل الباقون في مجلة اكسيون وموقع “روتا خبر” الإلكتروني، اللذين يعتبران مقرّبين لغولن. وحكم على 10 من المتهمين بالسجن سبع سنوات ونصف السنة، بينهم الصحافي المخضرم اونال تانيك رئيس تحرير “روتا خبر”.

وصدر حكم بالسجن ثلاث سنوات وشهر بحق الصحافي والموسيقي أتيلا تاس المدان بمساعدة جماعة غولن. وحكم بالسجن عامين وشهر بحق الصحافي مراد اكسوي المدان بالتهم نفسها. لكن المحكمة قررت إخلاء سبيلهما شرط عدم مغادرتهما تركيا.

وشكّلت مشاركات على وسائل التواصل الاجتماعي معظم الأدلة في لائحة الاتهام فضلا عن مزاعم أن العاملين كانوا على اتصال بمستخدمي تطبيق بايلوك، وهو تطبيق للتراسل المشفّر تقول الحكومة إن أنصار غولن يستخدمونه.

وتندّد العديد من المنظمات والهيئات الدولية بالهجمة الشرسة على الصحافيين والحريات الإعلامية التي تتلاشى شيئا فشيئا في تركيا، وبحسب الاتحاد الأوروبي للصحافيين، يقبع 165 عاملا بمجال الإعلام حاليا في السجون التركية، وأغلبهم متهمون بجرائم على صلة بالإرهاب.

18