أردوغان يخوض مغامرة إعدام استقلالية القضاء

الأربعاء 2014/01/15
هل ينجح أردوغان في فك استقلالية القضاء عن طريق البرلمان

أنقرة - تعيش الحكومة التركية منذ حوالي شهر على وقع أزمة أثارتها قضايا الفساد التي شملت مجموعة هامة من الوزراء ورجال الدولة وذويهم، ومنذ بداية الأزمة وسياسات الحزب الحاكم تتخبط باحثة عن الحلول، فبعد محاولة أردوغان بسط نفوذه على الإعلام ها هو أنه يسعى إلى القضاء على استقلالية القضاء وتطويعه لرغباته.

وأبدى رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، الثلاثاء، استعداده لسحب مشروع القانون المثير للجدل الهادف إلى تعزيز الرقابة السياسية على القضاء لكن بشروط وذلك في أوج فضيحة الفساد التي تشهدها البلاد.

وقال أردوغان أمام نواب حزب العدالة والتنمية الحاكم غداة محادثات مع الرئيس التركي عبد الله غول حول هذه المسألة التي تثير غضب المعارضة: “إذا وافقت المعارضة على تغييرات دستورية حول هذه المسألة، فسنتخلى عن اقتراحنا”.

ولكن بمجرد أن أرسلت الحكومة اقتراحا قانونيا إلى البرلمان بهدف إعادة هيكلة المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العموميين وربط القضاء بوزير العدل، فإنها قد عبرت بشكل صريح عن رغبتها في بسط نفوذها على المؤسسة القضائية، وتتمحور التعديلات المطروحة في الاقتراح حول إعطاء مزيد من الصلاحيات لوزير العدل بحيث تصبح لديه سلطة مطلقة على أعضاء المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العموميين، فتنتقل إليه مراقبة وتفتيش القضاة وأعضاء المجلس الأعلى كافة.

ويقف حزب العدالة والتنمية الحاكم وراء مشروع هذا القانون الهادف إلى منح وزارة العدل الكلمة الفصل بشأن تعيين القضاة في مؤسسات أساسية مثل المحكمة الدستورية، في حين لطخت فضيحة فساد مقربين من رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، ومن الحزب ذاته والمصادقة على مثل هذا القانون يمكن أن تمثل حلا يقلب موازين التحقيقات والأحكام في قضايا فساد تعد الأكبر في عهد الحكومة الحالية، وهو بدون شك قادر على أن يخضع السلطة القضائية للحكومة وتحديدا لرئيس الوزراء بما أنه قادر على التدخل في مهام وقرارات وزير العدل.

عندما يصبح وزير العدل صاحب السلطة المطلقة على المجلس الأعلى الذي يدير الشؤون الشخصية للقضاة، يفقد القضاء استقلاليته

وقوبل هذا المقترح برفض ومعارضة من جميع الأطراف المتدخلة في مجال العدالة والقضاء، فقد اعتبر المجلس الأعلى للقضاة، أحد أبرز المؤسسات القضائية في تركيا، أن مشروع إصلاح القضاء الذي قدمته السلطة التركية، والهادف إلى تعزيز رقابة الحكومة على القضاء، “غير دستوري”، وقال المجلس في بيان إن “الاقتراح يخالف مبدأ دولة القانون”، مندداً بـ”رغبة الحكومة التي تشهد فضيحة سياسة-مالية ظهرت قبل ثلاثة أسابيع، في المساس باستقلاليته”.

ووصفت المعارضة والنواب العامون هذه البادرة بأنها منافية للدستور، واندلعت حوادث أثناء اليوم الثاني من النقاش داخل لجنة العدل في البرلمان، بحسب وسائل إعلام محلية أشارت إلى رمي زجاجات ماء وآي-باد بين المشاركين إضافة إلى تبادل لكمات أثناء جلسة صاخبة.

وسجل هذا التوتر إثر إعلان حزب الشعب الجمهوري أبرز أحزاب المعارضة معارضته للتعديلات المقترحة التي وصفها أيضا بأنها “غير دستورية” مطالبا بسحب مشروع القانون، وتجمع نحو 20 ألف متظاهر في الساحة الرئيسية في العاصمة التركية مرددين “الثورة ستنظف (البلاد من) الوساخة” و”إنهم لصوص” ولوح بعضهم بدولارات مزيفة طبعت عليها صورة أردوغان.

ويأتي هذا الإصلاح بعد أن قام رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بحملة تطهير غير مسبوقة في صفوف الشرطة، ويحاول السيطرة على القضاء متهما إياه بالعمل ضده عبر فتح تحقيقات في قضايا فساد أدت إلى سجن حوالي عشرين شخصية مقربة من السلطة وتسببت باستقالة ثلاثة وزراء.

وفي رد عن الطاعنين في دستورية القانون المقترح، أعلن رئيس الوزراء التركي “أن حكومته لن تتخلى عن مشروع القانون حول تعزيز الرقابة السياسية على القضاة”، وصرح أمام صحافيين في اسطنبول أن لجنة العدل التابعة للبرلمان “عرضت المقترحات على التصويت وقررت أنها ليست مخالفة للدستور”.

ويتشبث أردوغان وحزبه بهذا المقترح لاشتباهه بأن تكون جماعة الداعية فتح الله غولن، حليفته السابقة التي دخل معها في صراع، قد تسربت إلى الشرطة والقضاء وتلاعبت بالتحقيق في الفساد بهدف إسقاطه قبل أشهر من الانتخابات البلدية في مارس والرئاسية في أغسطس.

ومن المعلوم أنه عندما يصبح وزير العدل صاحب السلطة المطلقة على المجلس الأعلى الذي يدير الشؤون الشخصية للقضاة والمدعين العموميين، ويحدد ضوابط المتابعة ومعايير المراقبة المتعلقة بهم، عندها يفقد القضاء استقلاليته، وتنتقل السلطة والصلاحيات القضائية إلى حوزة وزير العدل، ويكون هو وحده صاحب الرأي والقرار، وبذلك يصبح القاضي بمثابة موظف عادي، شأنه في ذلك كشأن أي موظف آخر يعمل في دائرة من دوائر الحكومة، ويفقد مكانته وامتيازه، والأهم من ذلك كله يخضع للسلطة الحاكمة.

وهذا ما سيفسح المجال لرئيس الوزراء أردوغان لكي يستخدم سلطته على وزير العدل بوصفه الرئيس والمشرف على المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العموميين، ويتدخل في جميع التحقيقات، ويتخذ القرارات التي يريد، فيغير ما لا يعجبه من الأحكام القضائية عبر أوامر يصدرها إلى وكلاء النيابة مباشرة.

12