أردوغان يدير تركيا كرئيس شركة مساهمة بلا رقابة

أردوغان يريد إدارة تركيا كرئيس لشركة مساهمة لكنه يتناسى أن رؤساء الشركات يخضعون للمساءلة.
السبت 2018/08/11
شعبوية أردوغان تتحدى صبر الشارع التركي

الأجواء في تركيا ساخنة للغاية، والأتراك يواجهون مع ارتفاع الرطوبة والحرارة إلى مستويات لا تطاق، وابلا من زيادات الأسعار بشكل دائم لا تعطيكم فرصة لالتقاط الأنفاس.

لم يعد بالإمكان الحديث عن أي خطط للتنمية سواء أكانت “متوسطة أو طويلة الأجل”؛ من أجل خروج البلاد من كبوتها الاقتصادية. وأصبحنا نختنق في كل لحظة بأزمات جديدة.

في هذه الأثناء تنهمر علينا تعميمات الرئاسة التركية دون انقطاع. وينقل إلينا أحدها أن كافة صلاحيات اللجنة العليا للخصخصة واللجنة العليا للتخطيط انتقلت إلى الرئيس أردوغان في خطوة كبيرة مثيرة للجدل.

وهذا يعني أن خصخصة الشركات العامة وبيعها أصبحت في قبضة أردوغان، إضافة إلى جميع الملفات الاقتصادية الحساسة مثل تحديد الإجراءات المتعلقة بتحفيز الاستثمار والتصدير، والموافقة على ميزانيات الإسكان الاجتماعية.

وعلى نفس الشاكلة بات من حق أردوغان استخدام صلاحيات لجنة التخطيط العليا بشأن نظام البناء والتشغيل ونقل الملكية والشراكة بين القطاعين العام والخاص في المجال الصحي.

ولا عجب أن تجتمع كل هذه الصلاحيات في يد أردوغان الذي شدد ذات مرة في مقابلة تلفزيونية على الهواء مباشرة على ضرورة أن تدار تركيا كشركة مساهمة، على أن يكون هو المدير التنفيذي لتلك الشركة. وأكد أنها ستكون بذلك أكثر إيجابية وإنتاجا.

ولذلك فإن ذلك التعميم خوّل الرئيس التنفيذي للشركة صلاحيات تجاوزت كافة الصلاحيات من على شاكلته من رؤساء تنفيذيين، فهو لا يخضع لأي رقابة، ولا يمكن المساس به مطلقا للحساب أو المساءلة أو ما شابه.

الرئيس نسي أو تناسى وهو يتحدث عن ضرورة أن تكون تركيا شركة مساهمة، أن مثل تلك الشركات لديها جمعية عمومية مكونة من المساهمين، وهي تعين مجلس الإدارة الذي يختار الرئيس التنفيذي للشركة ويراقب عمله.

لو كانت تركيا شركة مساهمة كما يقول، فعليه أن يعلم أنه لا بد من تشكيل لجنة كل 3 أشهر مكونة من مراقبين مستقلين لمراجعة أعمال الشركة ومجلس إدارتها، لتقديم تقارير يتم إعلانها بكل شفافية ونزاهة.

كما أن مجلس الإدارة في تلك الشركات، وكذلك الرئيس التنفيذي يخضعان للمساءلة والمحاسبة على كافة القرارات والخطوات التي يتخذانها. أما في دولة تركيا فقد أصبح لدينا رئيس تنفيذي يمكنه أن يبيع ويشتري متى يشاء دون رقابة أو حساب بأي حال من الأحوال!

حينما يبدأ شخص بإدارة بلد كشركة مساهمة وتجتمع في يده كل الصلاحيات دون رقيب، فإن من ينظرون إليه من الخارج لن يروا سوى شخص واحد، أي أنهم لن يروا الدولة بكافة مؤسساتها. وهنا يزداد احتمال أن تتسبب كل كلمة أو فعل يقوم به ذلك الشخص في أزمة مثلما يحدث في تركيا حاليا.

ولعل الأزمة الأخيرة مع الولايات المتحدة من هذا النوع الذي نتحدث عنه. ولأن ترامب، الرئيس التنفيذي لأكبر شركة مساهمة  لديه ثقة كبيرة بنفسه، وجدنا أنفسنا أمام ورطة قضية القس أندرو برانسون المسجون في تركيا منذ عام 2016.

وعلاوة على ذلك نحن هذه المرة أمام عملاق حقيقي باقتصاد يتخطى حاجز 20 تريليون دولار وقوة عسكرية وتكنولوجية جبارة. وعلينا ألا ننسى أن صلاحيات دونالد ترامب الرئيس التنفيذي لهذه الشركة، محدودة، كما أنه مضطر لتقديم كشف حساب للكونغرس والقضاء.

كما أننا في هذه الأزمة لا نمتلك “ورقة اللاجئين” التي دأبنا على إشهارها باستمرار بوجه أوروبا في خضم أزماتنا معها. لا نمتلك الآن سوى ورقة “شراكة” حلف الناتو، وهذه ورقة تجاوزنا فيها الحدود كثيرا من قبل، والدولة الوحيدة التي تغاضت عن ذلك هي الولايات المتحدة التي نختلف معها حاليا.

لكن من شبه المؤكد أن هذه الأزمة باتت ذريعة للركود الاقتصادي الذي أصبح حتميا الآن. وهي وسيلة هامة لإقناع الناس بـأن يصبحوا فقراء، خاصة أن أردوغان يردد كثيرا أننا في غمار حرب اقتصادية.

وسبق أن قال “نحن نواجه الآن حربا اقتصادية، لكن لا تقلقوا؛ سنخرج منتصرين من هذه الحرب”. وبالتالي فقد حمّل فاتورة الأداء الاقتصادي السيء للقوى الخارجية منذ زمن بعيد.

وفي نفس السياق خرج وزير الدفاع خلوصي آكار بتصريحات في نفس الاتجاه الذي يسير فيه أردوغان، ليقول إن العقوبات الأميركية على وزيري العدل والداخلية التركيين “الهدف منها إيقاف مسيرة تركيا المقدسة، لكن بلادنا تحت قيادة الرئيس أردوغان ستواصل مسيرتها”.

وأضاف أن “أي جهة مهما كانت قوتها لن تقوى على وقف هذه المسيرة العظيمة”. وبالطبع الهدف من هذه التصريحات، ليس حل الأزمة، وإنما اختلاق حجج وأعذار يعلقون عليها الفشل في إدارة الملف الاقتصادي.

أما بالنسبة لدور المعارضة وسط كل هذه التطورات، فمهما كتبنا وتحدثنا، فلا فائدة ترجى منها. فهي في جميع مواقفها المتضاربة حيال العديد من القضايا تثبت بما لا يدع مجالا للشك أنها هي المشكلة الأكبر بالنسبة لتركيا.

فأحزاب المعارضة سبق أن أكدت مرارا أن القضاء في تركيا غير مستقل، لكنها أمام العقوبات الأميركية الأخيرة خرجت علينا بشعار تؤكد فيه أن “القضاء التركي مستقل” لتكشف بشكل جلي عن الازدواجية التي تعاني منها.

10