أردوغان يروّج لـ"زعامته" عربيا

ممارسات الرئيس التركي تنسف جهود آلاته الدعائية لتجميل صورته في الشرق الأوسط.
الثلاثاء 2018/04/03
سقط القناع

أنقرة  - تغيّر دور تركيا بصفتها فاعلة في منطقة الشرق الأوسط تغيّرا جذريا في السنوات الأخيرة، ونسفت سياسة رجب طيب أردوغان بالمنطقة ودوره في فوضى الربيع العربي بتلك الصورة الحالمة عن تركيا التي رسمتها الدراما التركية و”بطولاته” في دافوس و”دفاعاته” على القضية الفلسطينية. ولم تعد الآلة الدعائية التركية قادرة على استعادة تلك الصورة بعد أن سقط القناع وتبيّنت حقيقة مشاريع العثمانيين الجدد، داخل تركيا وخارجها، وأضحى ما يكتب في إطار هذه الدعاية، على غرار كتاب جديد صدرت مؤخرا نسخته العربية بعنوان “أردوغان والزعامة السياسية”، حبرا على ورق.

يسعى النظام التركي إلى تلميع صورة الرئيس رجب طيب أردوغان ليس في داخل تركيا فقط، بل في المنطقة العربية أيضا، بعد أن خسر الكثير من رصيده وتحطّمت “صورة البطل التركي”. واليوم، الرئيس التركي في حاجة ماسة إلى استعادة، ولو جزء ضئيل من تلك الصورة، وهو يستعدّ لانتخابات مصيرية في 2019، وبات توطيد سلطته في الداخل مرتبطا بمدى قدرته على إقناع الرأي العام العالمي بنجاعة سياساته وفائدتها لدى بلاده.

وصدر مؤخرا، في بيروت، كتاب يحمل عنوان “أردوغان والزعامة السياسية”، يأتي ضمن جهد متعدد الوسائل للترويج لشخص أردوغان ومحضه بوعاء إيجابي داخل الرأي العام العربي يتم استثماره في انتخابات العام المقبل. والكتاب من تأليف نائب رئيس الوزراء التركي السابق، والنائب البرلماني حاليا، يالجين أكدوغان، وصدر باللغة التركية عام 2017، وترجم إلى العربية والإنكليزية، وستتم لاحقا ترجمته إلى لغات أخرى منها الروسية والتركية الأذرية.

وكتب ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي أن مؤلف الكتاب يحاول تأكيد مصداقية أردوغان في سعي لطرد الصورة المضادة التي تكونت عند الرأي العام الداخلي والخارجي من رجل يعتمد على سياسة “صفر مشاكل” مع دول الجوار لصالح بلده إلى سياسة نشر المشكلات في المنطقة لصالح سلطته.

تركيا تنتقل في عهد أردوغان من حالة إنكار الديمقراطية الليبرالية إلى الحكم الفردي المستبد

وتغيّرت الزاوية التي ينظر بها العرب، كما الغرب، إلى تركيا تغيّرا جذريا في السنوات الأخيرة وذلك بتحولها من نموذج يحتذى به إلى صانعة للمشكلات في المنطقة. ولم يعد خافيا أن أردوغان يعاني من تآكل شعبيته داخل تركيا كما من انكشاف مشروعه داخل المنطقة، وأن الرئيس التركي يواجه معارضة داخلية واسعة ظهرت منذ مواجهات “غازي بارك” الشهيرة وبرزت بشكل حاد من خلال محاولة الانقلاب في يوليو 2016. ويتواصل انحدار شعبية الرئيس التركي بشكل دراماتيكي على وقع حملات القمع المتصاعدة.

ويقول مارك بيريني، الباحث في معهد كارنيغي، “بعد اتخاذ العديد من القرارات السياسية وإجراء انتخابين واستفتاء، وتنفيذ إجراءات قمعية، انتقلت تركيا من حالة إنكار الديمقراطية الليبرالية إلى الحكم الفردي المستبد”.

وتقول أوساط تركية، متابعة لمسار أردوغان، إن سقوط الإخوان المسلمين في مصر وانهيارهم بعد ذلك في بلدان المنطقة جرّد الرئيس التركي من حصانه الوحيد لإعادة النفوذ التركي إلى المنطقة، وإن هزيمة مشروعه في سوريا أمام قوى مثل روسيا أزالت الهيبة عن شخصه وحوّلته إلى رجل سياسي عادي يمارس بمكيافيلية تقليدية وسائل البقاء في السلطة.

وترجع بيت هامرغرن، رئيس برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المعهد السويدي للشؤون الدولية، الكثير من المشكلات الحالية في تركيا، المنطقة الإقليمية، إلى سعي أردوغان إلى حكم الرجل الواحد، في الداخل، وحساباته الخاطئة في سوريا وفي عموم الشرق الأوسط.

ويسعى كتاب أكدوغان إلى انتشال أردوغان من هذا الحاضر المربك وإعادة تمجيد تاريخه وإعادة تقديمه مناضلا في سرد تعرّضه للاعتقال، وتأسيسه حزبا، وتعداد مواقفه من الأحداث الهامة، ونظرته للعالم، وعلاقاته مع الدول الكبرى.

ويبرّر أكدوغان كتابه بأنه جاء كرد على “حملات التشويه التي يتعرض لها أردوغان”، وأنه “سيساهم في تعريف الناس أكثر بشخصه عن قرب، حيث أن توضيح زعامة أردوغان عبر الأمثلة، يحمل أهمية كبيرة لهؤلاء الناس”.

وفي المقابل، يدرج مفكرون أتراك هذا الكتاب، كما غيره، في دائرة البروباغندا التي لطالما استخدمتها أنظمة الاستبداد على مر التاريخ الحديث. ويعتبرون أن ما كان يصدر من كتب وكتيبات وأفلام عن الإعلام المركزي لدول كالاتحاد السوفييتي ورومانيا وبولندا وغيرها إبان الفترة السوفييتية الغابرة وما يصدر في كوريا الشمالية حاليا، بات يصدر في مؤسسات أنقرة وإسطنبول الرسمية والحزبية مثيلا له لتعظيم شخص زعيم البلاد.

يؤكد أكدوغان أن “أردوغان يقول ويحول أقواله إلى أفعال، عكس كثيرين يكتفون بالخطابات الحماسية، ففي مسألة اللاجئين مثلا، لم يكتف بالقول إزاء 3 ملايين لاجئ في تركيا، بل تبناهم بشكل كامل، وفي المسألة الفلسطينية، قال عبارته الشهيرة ‘ون منت’، ولم يكتف بذلك، بل أقدم على خطوات لاحقة بعدها”.

كتاب يالجين أكدوغان يسعى لانتشال أردوغان من حاضره المربك وإعادة تمجيد تاريخه وإعادة تقديمه مناضلا
كتاب يالجين أكدوغان يسعى لانتشال أردوغان من حاضره المربك وإعادة تمجيد تاريخه وإعادة تقديمه مناضلا

ويعيد الكتاب من خلال هذا السرد التذكير بغضب أردوغان في 30 يناير 2009 (وقتها كان رئيسا للوزراء) من الرئيس الإسرائيلي الراحل شمعون بيريز على هامش منتدى دافوس الاقتصادي، على خلفية دفاع بيريز عن العدوان الإسرائيلي على غزة (27 ديسمبر- 18 يناير 2009)، قبل أن ينسحب أردوغان من الجلسة، وأن ذلك دليل توق إلى الاستعانة بحجج شعبوية ومواقف استعراضية لم تقدم شيئا للقضية الفلسطينية كما أنها لم تؤثر على مستوى العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية بين أنقرة وتل أبيب.

وتؤكد أوساط في سوق النشر أن الكتاب يسوّق داخل بيئات الإسلام السياسي والدوائر التابعة لتركيا في المنطقة وأن عملية انتشاره داخل الأسواق العربية دوّنها رأي عام عربي بات متبرّما من أردوغان وطموحاته السلطانية على حساب بلدان المنطقة.

وترى هذه الأوساط أن كتاب أكدوغان حول أردوغان يشبه من حيث الترويج الكتب التي كانت تتناول شخصيات مثل ستالين وكيم إيل سونغ وماو تسي تونغ وغيرهم من زعماء نظم الاستبداد والتي كانت تتكدس لدى الناشرين المستفيدين من الدفع المالي الرسمي المسبق، أو كانت توزع على المحازبين أو مجانا على العامة العابرين في معارض الكتب.

كلما اقتربت الانتخابات زادت الآلة الدعائية التابعة لحزب العدالة والتنمية، من جرعة حملاتها وتكثّفت جهودها لتلميع صورة أردوغان الإقليمية والدولية فيما تتم إزالة منابر الاعتراض الداخلية بالوسائل الأمنية.

لكن، موقع أردوغان داخل الدائرتين الإقليمية والدولية، تعرّض لتشويه واضح، وبات الرأي العام العربي مشككا بشخص أردوغان، كما أن الرأي العام الغربي لم يعد يرى فيه سوى شخص متعطش للسلطة، حتى إذا استدعى ذلك شن حملات ضد دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، بسبب انتقادات الأولى لسجله الحقوقي سيء السمعة ورفض الثانية تسليم فتح الله غولن، الذي يتهمه أردوغان بتدبير عملية الانقلاب الفاشلة، وهو الأمر الذي ينفيه غولن.

ووصف مايكل روبن، الباحث في معهد المشروع الأميركي، تركيا بـ”الدولة المارقة”. وكتب مؤخرا، أن إدارة الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون وضعت محددات لتوصيف الدول المارقة، وهي “الدول التي تنتهج أنظمتها مسارا دكتاتوريا وترعى الإرهاب، ولا تمتثل للقواعد الدبلوماسية”، وهو ما ينطبق على تركيا، وفق مايكل روبن. ويذهب دوا أولاش أرالب، الكاتب في موقع أحوال تركية، إلى القول إن “اللاعقلاني” هو “الوضع الطبيعي الجديد في تركيا أردوغان”. ويشير إلى أنه “لم يعد من قبيل المفاجأة أن يطلب رئيس جامعة حكومية الإبادة الجماعية لجميع الاشتراكيين والديمقراطيين في تركيا، والذين وصفهم على الملأ بأنهم زنادقة”.

وتغذي ما يُطلق عليها الدعاية العرقية الدينية الخرافة التي يتم انتهاجها على نحو واسع في أنحاء قلب تركيا المحافظ، حيث لا يمكن لأي سلطة أجنبية، أو عملائها المحليين اختبار قوة ومرونة المسلمين الأتراك، أو إضعافهم عن طريق التشكيك في الحق الإلهي لأردوغان في الحكم. ويغلق هذا الاعتقاد الباب أمام انتقاد الذات، ويؤدي إلى إدانة كل من يشكك في ذلك، ووصفه بأنه مناهض للمسلمين ومناهض للأتراك.

6