أردوغان يستخدم العصبية الدينية والقومية لعبوره نحو الرئاسة المطلقة

أيام قليلة تفصل تركيا عن موعد الاستفتاء حول التعديلات الدستورية القاضي بتوسيع صلاحيات رئيس الجمهورية، ويكثف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من حملات الدعاية لتأمين الأصوات ضمن معسكر “نعم”. وأردوغان الطامح لإحياء العثمانية الجديدة استفاد من أزمته مع أوروبا بتأليب أتراك الخارج واستخدام العصبية والقومية كوسيلتين انتخابيتين، إضافة إلى دعم تيار الإسلام السياسي بخطابات تستغل المقدس لتعزيز فكرة الخلافة والسلطنة، وهو ما يثير مخاوف المراقبين من مستقبل تخيم عليه القبضة الدكتاتورية في تركيا لرئيس يحلم بالتفرد بالسلطة.
الاثنين 2017/04/10
خطاب شعبوي لتحقيق حلم السلطنة

أنقرة – رغم الحملات المكثفة التي ينظمها حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا داخل البلاد وخارجها تمهيدا للاستفتاء المقبل على التعديلات الدستورية، إلا أن النظام السياسي التركي بزعامة الرئيس رجب طيب أردوغان غير مطمئن إلى ما يمكن أن تحمله صناديق الاقتراع من مفاجآت.

ويعتقد مراقبون أتراك أن الأمر ليس محسوما لصالح طموحات رجل تركيا القوي وأن يوم 16 إبريل الجاري، وهو موعد الاستفتاء، قد لا يرفع الرئيس إلى مرتبة السلطان كما يوحي مضمون تلك التعديلات.

ستكون تركيا خلال هذا الشهر محط أنظار العالم حيث ستشهد استفتاء شعبيا على تعديلات دستورية مثيرة للجدل، تتحول البلاد حال الموافقة عليها إلى نظام حكم رئاسي بدلا من النظام البرلماني المعمول به حاليا.

التفرد بالسلطة

وكان البرلمان التركي قد أقر في 21 يناير الماضي مشروع التعديلات الدستورية، الذي يشمل أيضا زيادة عدد نواب البرلمان من 550 إلى 600 نائب، وخفض سن الترشح للانتخابات العامة من 25 إلى 18 عاما. ولإقرار تلك التعديلات الدستورية، ينبغي أن يكون عدد المصوتين في الاستفتاء الشعبي بــ”نعم” أكثر من 50 بالمئة من الأصوات (1+50).

وتتمثل أبرز التعديلات التي يسعى أردوغان وحزبه إلى تمريرها في إلغاء منصب رئيس الوزراء لأول مرة في تاريخ تركيا وتولي الرئيس مهام وصلاحيات السلطة التنفيذية، وأن تكون ولاية الرئيس 5 سنوات على ألا يحق له البقاء في منصبه لأكثر من دورتين، وأن يتولى رئيس البلاد قيادة الجيش، ويحق له تعيين نوابه والوزراء وإقالتهم، كما أنه ستكون له صلاحية إعلان حالة الطوارئ.

حملة العلاقات العامة داخل الفضاء الإسلاموي جعلت من الحدث التركي استحقاقا تروج له كافة المنابر الإخوانية

وينتظر أن يزداد الزخم في الشارع التركي مع اقتراب موعد إجراء الاستفتاء في 16 أبريل وسط حالة من الاستقطاب الحاد، بين مؤيدي النظام الرئاسي أو ما بات يعرف بجبهة “نعم” بقيادة حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه الرئيس رجب طيب أردوغان، وبدعم من حزب الحركة القومية، وبين معسكر المعارضين له وهم جبهة “لا” التي يتزعمها حزب الشعب الجمهوري بالتحالف مع حزب الشعوب الديمقراطي.

ولا ينظر الأتراك وحدهم إلى استحقاق الاستفتاء المقبل، بل إن كل المعنيين بالشأن التركي في المنطقة والعالم ينظرون إلى الأمر بصفته مفصلا تاريخيا سيحدد راهن البلاد كما موقعه داخل المنظومة الدولية في ظروف إقليمية حساسة وحرجة تضع أنقرة أمام خيارات صعبة وتحوّلات مطلوبة.

وتعوّل تيارات الإسلام السياسي على نجاح أردوغان في تمرير الاستفتاء، وتروّج لذلك بالتلويح بأن ارتقاء أردوغان إلى موقع ذي صلاحيات واسعة يعزز سلطته وسلطة حزبه كما يعزز فكرة السلطنة أو الخلافة التي لطالما كانت قلب الأيديولوجيا التي تسوقها.

ويرى مؤيدو تلك التعديلات أنها ضرورية لضمان استقرار الحكم، بينما يشدد معارضوها ومنظمات غير حكومية على أنها محاولة من رئيس الدولة للتفرد بالسلطة، محذرين من المزيد من “الدكتاتورية” والممارسات “القمعية” التي ينتهجها النظام الحاكم في تركيا منذ محاولة الانقلاب في يوليو الماضي.

داخليا، الأرقام والإحصاءات تشير بأصابع الاتهام إلى النظام الحاكم في تركيا، فقد قدرت الأمم المتحدة في تقرير لها الشهر الجاري أن قوات الأمن التركية ارتكبت "انتهاكات خطيرة" في عملياتها ضد عناصر حزب العمال الكردستاني منذ انتهاء العمل بوقف إطلاق النار في صيف 2015، وقدرت عدد النازحين بين 355 ألفا و500 ألف شخص.

استخدام آلية التصويت لتكفير المعارضين

وأوردت مفوضية الأمم المتحدة العليا لحقوق الإنسان تفاصيل حول “أدلة على دمار شامل وجرائم قتل وانتهاكات أخرى خطيرة لحقوق الإنسان ارتكبت بين يوليو 2015 وديسمبر 2016 في جنوب شرق تركيا خلال عمليات أمنية نفذتها قوات الأمن".

وتحدث التقرير عن أن العمليات التي نفذتها القوات التركية خلال تلك الفترة شملت أكثر من 30 بلدة تم في بعضها ردم أحياء بالكامل. وأشار التقرير أيضا إلى “استخدام مفرط للقوة، وعمليات اغتيال واختفاء قسري وأعمال تعذيب".

وقد سهل على المتابعين للشأن التركي أن يلحظوا لجوء أردوغان إلى اعتماد خطاب إسلاموي شديد في الترويج للتعديلات، وربط ما هو دستوري قانوني سياسي بمسألة الدفاع عن الإسلام والمسلمين.

وقد وجد من داخل تيارات الإسلام السياسي في العالم العربي الكثير من الأصوات التي كادت تعتبر التصويت بـ"نعم" واجبا دينيا يفرّق بين المؤمن والكافر. ولاحظ المراقبون أن حملة العلاقات العامة داخل الفضاء الإسلاموي جعلت من الحدث التركي استحقاقا تروج له كافة المنابر الإخوانية في المنطقة.

توظيف العصبية الدينية

وترى مصادر تركية مطلعة أن الهجمات التي شنها أردوغان ونظامه السياسي على بعض الدول الأوروبية والذهاب إلى اتهامها بالنازية ومعاداة المسلمين والأتراك، تهدف إلى تسعير عصبية دينية قومية تركية تلتف حول شخص أردوغان بصفته المدافع عن الدين والوطن.

وتضيف هذه المصادر أن استشراس الرئيس التركي في اجتذاب الكتلة التركية الناخبة خارج البلاد، مرده هلع من إمكانية ألا تصب أصوات أتراك الداخل لصالح هذا الاستفتاء، وتوق إلى رفع نسب التصويت بـ"نعم" ببضعة نقاط قد تحتاجها نسبة التصويت الشاملة.

ويرى جواد جوك مستشار مركز الدراسات الاستراتيجية بإسطنبول أن الحكومة التركية تريد اختلاق عدو لإثارة النزعة القومية لدى مواطني البلاد وجعل المتأرجحين منهم ينضمون إلى معسكر الموافقين على التعديلات.

ويتخوف المراقبون من أن تزداد حملة أردوغان ضراوة مع زيادة صلاحياته للإطاحة بكل من يخالفه الرأي من المشهد، وهو ما يضع التجربة الديمقراطية في تركيا على المحك، لا سيما وأن قسما من هؤلاء أنفسهم رفض مجرد تأييد فكرة إزاحة أردوغان من خلال التحرك العسكري الذي شهدته البلاد الصيف الماضي.

الحكومة التركية تريد اختلاق عدو لإثارة النزعة القومية وجعل المتأرجحين ينضمون إلى معسكر الموافقين على التعديلات

ويلاحظ المراقبون للشأن التركي ارتفاع مخاوف الأتراك في الداخل والخارج من مرحلة ما بعد الاستفتاء وطبيعة علاقاته بهم مستقبلا، لا سيما المعارضون منهم.

وكانت تقارير أممية قد سلطت الضوء على واقع شبه يومي يشهد فيه جنوب شرق تركيا ذو الغالبية الكردية معارك بين عناصر حزب العمال الكردستاني وبين قوات الأمن أسفرت عن مقتل 800 من الأمن و1200 من سكان المنطقة.

ويرى مراقبون أن أردوغان استغل محاولة الانقلاب لتصعيد حملته ضد الأكراد وتصفية حسابات قديمة لإحكام قبضته على الحكم وتعزيز سلطاته، وهو ما يبعث على الشعور بالقلق من قبل معارضيه على مختلف مشاربهم.

ولفت المراقبون إلى أن قلق أردوغان لا ينبع فقط من تصويت المعارضة التركية من قوميين وعلمانيين وأكراد ويساريين ضد هذه التعديلات، بل إن هاجسه الأساسي منصب على الكتلة الناخبة التقليدية لحزب العدالة والتنمية والتي تصوّت للحزب ولأردوغان، لكنها قد لا تستسيغ نزوع الحزب إلى أن يصبح حزبا حاكما بالمعنى الشمولي وقد ترفض تحوّل الرئيس التركي بعد التعديلات الدستورية والتصويت بـ"نعم"، إلى حاكم مطلق تتركز في يده كامل الصلاحيات.

ويضيف هؤلاء أن هذا التوجس من مزاج هذه الكتلة دفع بالحملة الاقتراعية إلى أن تأخذ أشكالا شعبوية متقدمة تخلط ما بين الدين والسياسة وتعتمد على المسيرات الضخمة التي تفرض على العامة صورة الهيمنة والقوى التي لا تقهر.

ما بعد الاستفتاء

يضع الاستفتاء على التعديلات الدستورية تركيا على أعتاب حقبة جديدة، فمرحلة ما بعد الاستفتاء، أيا كانت النتيجة، لن تكون كما قبلها.

فالعودة للنظام البرلماني تعني دخول البلاد في جولات انتخابية وسجال سياسي طويل، وفي حال تمت الموافقة عليها، فستكون هناك انعكاسات على الداخل المضطرب بالأساس مدفوعة بالإحساس باليأس في التغيير وفقا لمفردات الديمقراطية، فضلا عن علاقات خارجية ستكون لها محددات جديدة خلال المرحلة المقبلة في ضوء التوترات الراهنة مع عدد من دول المنطقة، لا سيما مصر وإيران، وخارج الإقليم وتحديدا دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي.

قبضة ديكتاتورية على الإعلام في تركيا أردوغان

ويتساءل دبلوماسيون أوروبيون عما إذا كان الرئيس التركي مستعدا للمخاطرة بعلاقات بلاده مع الاتحاد الأوروبي في سبيل تحقيق طموحاته الشخصية على رأس السلطة، خصوصا أن نعت هذه الدول بالفاشية والنازية تجاوز كل الخطوط ومسّ بمحرمات لا تهدد علاقات تركيا بأوروبا بل علاقات الجاليات التركية بالدول الأوروبية المضيفة، على نحو يثبت مدى استهتار رجل تركيا القوي بمصالح مواطنيه في الخارج.

وربما تمنح الموافقة على التعديلات الدستورية الرئيس التركي دفعة قوية يثبت بها أركان حكمه ويطلق بنفسه رصاصة الرحمة على حلم طال أمده على مدار العشرات من السنوات بانضمام بلاده إلى الاتحاد الأوروبي، من خلال اتخاذ سلسلة من الإجراءات، في مقدمتها إلغاء الاتفاق الرامي إلى الحد من الهجرة غير الشرعية مع أوروبا وإعادة تطبيق عقوبة الإعدام.

ويعتبر مراقبون للشأن التركي أن نجاح الاستفتاء قد يفاقم من مفاعيل التسلط الذي يرومه أردوغان والحزب على مقاليد الحكم والسياسة والأمن والاقتصاد، لكن فشل الاستفتاء سيرفع من منسوب القلق لدى النظام السياسي وسيقوّض موقع السلطة في البلاد على نحو يفتح الباب على ما هو غير متوقع.

ويضيف هؤلاء أن البلاد بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى حد كبير من الوحدة الداخلية لمواجهة الاستحقاقات الخارجية الداهمة، لا سيما أن علاقات أنقرة في تراجع مع موسكو وهي غير واضحة مع واشنطن ناهيك عن تدهورها مع دول الاتحاد الأوروبي.

ويتخوف الكثيرون في تركيا أن تعصف السياسات الأردوغانية بتجربة ناجحة قادها حزب العدالة والتنمية ووضعت بلاده في مصاف الدول المتقدمة، وتغذي هذه التخوفات محاولات الرئيس التركي شخصنة التجربة وربطها به شخصيا من خلال التكريس لمفهوم جديد داخل مؤسسات الدولة التركية، يتمثل في وضع الشعب أمام خيارين؛ فإما تمكين الحزب الحاكم وعلى رأسه أردوغان، وإما الانزلاق نحو الفوضى ومواجهة الإرهاب.

ويجمع العارفون بالشأن التركي على أن تلويح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ببيرق الدين لا يحاكي شروط المرحلة التي تشهد إدانة دولية جامعة لتيارات الإسلام السياسي بصفتها حاضنة ومسببا وباعثا للإرهاب، وأن استناد دولة كبرى على مضامين الوعاظ وشيوخ الإسلاموية لا يتناسب مع قواعد العمل الدستوري الحديث كما لا يتّسق مع قواعد العلاقات الدولية الرفيعة المستوى.

بيد أن مقربين من حزب العدالة والتنمية يرون أن خطاب أردوغان الشعبوي الراهن هو خطاب مؤقت من لوازم الحملة لصالح الاستفتاء، وأن لغة العقل والمصالح ستعود لتكون أساسا في أداء الرئيس وحزبه، ويستحضرون الموقف من إسرائيل في موسم سابق والعودة للتطبيع الكامل مع الدولة العبرية في موسم لاحق.

غير أن دبلوماسيين غربيين يرون أن سلوك أردوغان يقلق عواصم القرار الكبرى التي بدت مرتابة من ماكيافيلية الرجل في تبني الموقف ونقيضه وفي الانخراط في علاقات ونقيضها على نحو أصبح من الصعب التعامل معه وفك رموز استراتيجياته.

7