أردوغان يستنجد بتاريخ العثمانيين لترميم صورته

الأحد 2016/05/01
مجد الماضي لا يغسل أدران الحاضر

إسطنبول - بينما كانت قوات الأمن التركية تشحذ آلاتها القمعية وتتهيّأ في شوارع إسطنبول استعدادا للمظاهرات المنتظر حدوثها بمناسبة عيد العمال العالمي، الذي يوافق الأول من مايو، كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، على الطرف الآخر من العاصمة التاريخية، يستحضر، في خطاب “عاطفي قومي”، أمجاد الأجداد، داعيا أتراك اليوم إلى عدم نسيانها.

وكان الحدث الذي استغلته الحكومة التركية، ضمن محاولاتها ترميم صورتها التي هزتها سياسات رجب طيب أردوغان في الداخـل من خلال حملات القمع ضد الخصوم السياسـيين والمعارضين والإعلاميين، وفي الخارج من خلال التراجع الدبلوماسي لأنقرة وخسارة المواقع لفائدة قوى أخرى، ذكرى مرور مئة عام على انتصار نادر حققه الجيش العثماني خلال الحرب العالمية الأولى ضد قوات الحلفاء بقيادة بريطانيا في العراق.

ويعتبر استسلام القوات البريطانية في حاميتها في كوت العمارة جنوب بغداد آخر انتصار عثماني في الحرب العالمية الأولى التي انتهت بهزيمة السلطنة العثمانية وحليفتها ألمانيا.

صرح الرئيس التركي أنه يرفض أيّ نظرة إلى تاريخ لتركيا يبدأ في 1919 فقط السنة التي اندلعت فيها حرب استقلال أدت إلى نشوء الجمهورية التركية في 1923 على أنقاض الإمبراطورية العثمانية. وقال أردوغان “نحن نغطي تاريخنا وهذا ينمّ عن عدم احترام لأجدادنا وعن أخطاء للأجيال المقبلة”.

من جهته، قال رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو، أثناء احتفال كبير في إسطنبول إن “تركيا تتغير. نحن نتذكر مجددا تاريخنا المنسي ونعيد اكتشاف تاريخنا”. وأضاف داود أوغلو أن هذه المعركة “كانت مسألة حياة أو موت بالنسبة إلى العثمانيين وكانت مقاومة كافة شعوب الشرق الأوسط للاستعمار”.

ويركز القادة الأتراك على إحياء الذكرى المئوية للحرب العالمية الأولى لتأجيج الشعور القومي رغم أن هذه الحرب انتهت بهزيمة الإمبراطورية العثمانية وانهيارها. وكانت الحكومة التركية حرصت العام الماضي على إحياء الذكرى المئوية لمعركة غاليبولي في 1915 حيث صدت القوات العثمانية غزوا بريا للحلفاء.

ويحاول نظام أردوغان وحزبه الحاكم، حزب العدالة والتنمية، تقديم الإمبراطورية العثمانية كمصدر وحي للأتراك حاليا.

القادة الأتراك يركزون على إحياء الذكرى المئوية للحرب العالمية الأولى لتأجيج الشعور القومي رغم أن هذه الحرب انتهت بهزيمة الإمبراطورية العثمانية وانهيارها

وكان مراقبون أشاروا إلى أن التركيز على الانتصارات العثمانية في الحرب يوحي بأن تركيا تريد التعتيم على صفحات أخرى من التاريخ مثل تهجير ومجازر الأرمن في 1915 التي تعتبرها يريفان حملة إبادة؛ وأيضا هي رسائل تبعث بها لشعوب منطقة الشرق الأوسط والإيحاء من خلالها بأنهما يتشاركان التاريخ.

وعكس ذلك تصريح أردوغان، الذي يمزج في سياسته بين الإسلام السياسي والقومية، إن “تركيا مازالت تعي كيف حكم العثمانيون الأراضي المسلمة من البلقان إلى شبه الجزيرة العربية.. حدودنا المادية قد تكون فصلتنا لكن الحدود في قلوبنا لم تفصلنا يوما”. لكن، لم يعد مثل هذا الخطاب يلاقي صدى له خارجيا حيث أصبحت الصورة مهتزة ولم يعد بالإمكان ترميمها، وفق الخبراء الذين قالوا أيضا إن هـــذه الحركات والمناسبات والخطابات لم تعد تجد نفعا ومـــن الصعـــب أن تعيـــد الثقة إلى الأتراك فـــي حكومة أصبحـــت تتعامل مع من يخالفها الرأي كأعداء، وأيضا ثقة شعوب المنطقة بسبب المواقف المتناقضة تجاه إيران، ودعم جماعـــة الإخوان المسلمين وعدائه غيـــر المبرر لمصر، وســـعيه للحصـــول علـــى دعـــم دول مجلـــس التعاون دون الالتزام بأيّ مواقف عملية تجاه مبـــادرة التحالف الإســـلامي، والموقف من سوريا، والاتهامات بدعم الإرهاب، والقائمة تطول بما يؤكّد أن حالة العداء والشـــك تجاه تركيا في المنطقة، وخاصـــة في دول الربيع العربـــي، يصعب أن تمحوها ذكرى عمرها مئة سنة.

أما على مستوى الداخل فلم يكن متابعا لهذا الحدث غير أتباع الرئيس من العثمانيين الجدد، أما أغلبية الأتراك فكانوا منهمكين في التحضير للمظاهرات بمناسبة عيد العمال، والتي ستكون مناهضة لأردوغان. ويأتي إحياء عيد العمال هذا العام في وقت تعيش تركيا مرحلة متوترة بعد سلسلة اعتداءات دامية نسبت إلى الجهاديين والمتمردين الأكراد. وفي عام 2015 استخدمت الشرطة خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع لتفريق تظاهرات أول مايو.

ويتوقع أن ينتشر نحو 25 ألف شرطي في إسطنبول مع إغلاق العديد من الشوارع. وحذرت سفارات عدة مواطنيها من خطر وقوع عنف، وتحدثت سفارة الولايات المتحدة عن إمكان أن تحصل “مواجهات عنيفة بين المتظاهرين وقوات الأمن”.

6