أردوغان يضع الاقتصاد التركي في قبضة الإسلاميين

الجمعة 2018/01/19
ركود اقتصادي

يستقي الرئيس رجب طيب أردوغان على نحو متزايد سياساته الاقتصادية من إرث حركة إسلامية كانت قد أقصيت من السلطة في عام 1997. وعلى عكس الرأي الشائع، فإن نهج أردوغان غير المألوف في حل مشاكل تركيا الاقتصادية، بما في ذلك التأكيد على أن أسعار الفائدة الأعلى تغذي التضخم، هو نهج ليس بالجديد بالمعنى الدقيق للكلمة.

فما تسمى “الاقتصاديات الأردوغانية” هي في واقع الأمر تستند إلى السياسات التي تبناها رئيس الوزراء السابق نجم الدين أربكان الذي ظل أستاذا لأردوغان في عالم السياسة حتى وفاته في أبريل عام 2011.

ومن بين الإسلاميين الأتراك، كان أربكان، وليس أردوغان، هو أول من رفض السياسات الغربية المدعومة من قبل صندوق النقد الدولي والتي تنظر إلى أسعار الفائدة على أنها أداة بالغة الأهمية في الاقتصاد الكلي.

كما كان أربكان، الذي تزعم عدة أحزاب دينية في تركيا قبل أن يشغل منصب رئيس الوزراء في عامي 1996 و1997، يدعو لاتباع خطوات اقتصادية محددة قبل أن يطيح الجيش به من السلطة.

سياسة أردوغان الاقتصادية تركز على دعم جماعات الإخوان المسلمين وتعزيز العلاقات مع إيران وقطر والسودان

وتستند تلك السياسات إلى ضرورة أن تدعم البنوك التي تديرها الدولة التوظيف والإنتاج بـدلا من العمل فقـط من أجـل تحقيق الربح وكذلك ضرورة أن تطور الحكومة صناعاتها الوطنية الثقيلة والدفاعية بدلا من الاعتماد فقط على الواردات.

وتركز أيضا على أن يعمل البنك المركزي لحساب المصالح القومية للبلاد بدلا من المنطق الاقتصادي المستقل المتبع في العالم. وتدعو إلى أن تبتعد تركيا عن التعاون الوثيق مع حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي في مقابل تعزيز العلاقات مع دول وحركات أخرى مسلمة بما في ذلك حركة حماس والسودان وإيران.

وبعد شهرين من وفاة أربكان في أبريل عام 2011، فاز أردوغان في الانتخابات العامة بحصوله على 49 بالمئة من أصوات الناخبين، وهو رقم قياسي لسياسي في تركيا التي بها نظام انتخابي متعدد الأحزاب.

وفي نشوة النصر الممزوجة بالشعور بالقوة بعد الفوز بذلك الهامش الكبير، وقف أردوغان في شرفة مقر حزبه في أنقرة ليلة الانتخابات للإعلان عن أن السنوات القليلة القادمة ستكون “فترة أستاذيته” مضيفا أن شعوبا من دول مثل فلسطين ومصر إلى جانب المسلمين في أنحاء أوروبا يحتفلون أيضا بفوزه.

وقبل شهرين من إعادة انتخاب أردوغان عام 2011 وكان حزب العدالة والتنمية الذي ينتمي إليه يحكم منذ عام 2002 وافق أردوغان على تعيين ارديم باشجي محافظا جديدا للبنك المركزي. وتمثل ولاية باشجي حقبة جديدة لسياسة البنك النقدية، حيث إن البنك تنحى بعيدا عن استهداف التضخم واتجه إلى دعم الاقتصاد وسياسات أردوغان المرتبطة بالنمو.

كما شهد عام 2011 نهاية حقبة السياسات الاقتصادية التركية التي تركز على الغرب. ولإحداث المزيد من الصخب، سددت الحكومة ما تبقى عليها من ديون لصندوق النقد الدولي عام 2008، وهو إنجاز وصفه أردوغان بالنصر لاستقلال تركيا الاقتصادي.

لكن الأزمة المالية العالمية التي جاءت فيما بعد وما أعقبها من تداعيات اضطر الزعيم التركي إلى التركيز على القضاء على الركود وتقليص آثار تراجع الاقتصاد العالمي على الأوضاع المالية العامة للبلاد وعلى صناعتها.

وفي الفترة السابقة على الانتخابات، طرح أردوغان خطته لتركيا حتى عام 2023 وتعهد بالتخطيط لمسار مستقبلي تمثله الإنجازات في قطاع الصناعة. فبجانب عدد من خطط الإنفاق على البنية التحتية، كان البرنامج يتضمن أن تنتج تركيا سيارات ودبابات وطائرات حربية من ابتكارها خلال الأعوام الاثني عشر التالية.

كما شرع أردوغان في تسخير موارد البنوك التي تديرها الدولة التركية على نحو متزايد لتمويل المشروعات القومية المهمة، بما في ذلك الطرق والجسور والبنى التحتية الأخرى. في الوقت ذاته، استخدم أردوغان سلطة الحكومة على البنوك لتغيير آليات حركة الأسواق المالية، مما دفع البنوك إلى الموافقة على قروض بفائدة أقل من أسعار السوق لدعم التوظيف والشركات.

وفي عام 2016، حولت الحكومة البنوك، ومن بينها بنك خلق والبنك الزراعي، أكبر مصرف في تركيا، إلى صندوق الثروة السيادي للبلاد المؤسس حديثا. وسمح ذلك الإجراء للشركات بدعم الاقتصاد بعيدا عن العقبات التي تشكلها الرقابة البرلمانية.

وأخيرا، وفي إشارة أخرى على اتباع سنن أربكان، زاد أردوغان المبادرات التركية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وبعد سلسلة من الاجتماعات السرية مع مسؤولين أتراك، استقبل أردوغان زعيم حركة حماس خالد مشعل ودعاه إلى إلقاء كلمة خلال اجتماع لحزب العدالة والتنمية عام 2012.

نهج أردوغان غير المألوف في حل مشاكل تركيا الاقتصادية، بما في ذلك التأكيد على أن أسعار الفائدة الأعلى تغذي التضخم، هو نهج ليس بالجديد بالمعنى الدقيق للكلمة

في الوقت ذاته، كان أردوغان يعطي دعما قويا لحكومة جماعة الإخوان المسلمين في مصر وظل كذلك إلى أن تمت الإطاحة بها في يوليو 2013. وقد أغضب ذلك أردوغان لكن لم يفت في عضده، فقطع العلاقات الدبلوماسية مع حكومة الرئيس عبدالفتاح السيسي وسعى إلى تعزيز العلاقات مع إيران وقطر والسودان.

وتكشف فضيحة فساد تفجرت أواخر عام 2013 حجم الدعم الذي كانت تعطيه حكومته للجمهورية الإسلامية الإيرانية. وتدور الاتهامات حول تورط الحكومة في مخطط للتحايل على العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة على إيران. وقد شكلت تلك المزاعم أساسا للأدلة في محاكمة مسؤول بارز في بنك خلق التي تجري في نيويورك حول تهمة خرق العقوبات والاحتيال المصرفي.

وجعل أردوغان العلاقات مع الرئيس السوداني عمر البشير أولوية للسياسة الخارجية التركية. واستقبل البشير، المطلوب للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم الإبادة الجماعية وارتكاب جرائم حرب، أردوغان في الخرطوم الشهر الماضي في أول زيارة رسمية يقوم بها رئيس تركي.

ووصف أردوغان البشير بالأخ ووقع معه 13 اتفاقا بهدف تعزيز التجارة والتعاون. وقبل ذلك بثلاثة أشهر، وقعت انقرة أيضا اتفاقا بخمسين مليون دولار يتعلق بقاعدة عسكرية في السودان.

وقال المبعوث الإسرائيلي السابق لدى مصر تسفي مزئيل الأسبوع الماضي إن تركيا تؤسس بنية تحتية بحرية ومخابراتية على الجزيرة السودانية في البحر الأحمر وأن المشروع جزء من “حلقة تعاون عسكري” على طول الساحل الشرقي لأفريقيا يهدد الأمن الإقليمي.

ومنذ انتخابات عام 2011 يقوم أردوغان بتصعيد انتقاداته للغرب ولحلف شمال الأطلسي قائلا إن الدول الأعضاء يدعمون جهود نسف الاقتصاد التركي والإطاحة به من الحكم.

وفي إشارة مستترة إلى الغرب هذا الأسبوع، قال جميل ارتيم، وهو أحد كبار المستشارين الاقتصاديين لأردوغان، إن العقـول المدبرة للانقـلاب الـذي أطاح بأربكان مسؤولة الآن عن المشاكل الهيكلية التي تعاني منها تركيا، ومن بينها التضخم والبطـالة وأسعار الفائدة المرتفعة. وتحدى محاولات إخراج تركيا عن مسارها بالقول إنـه آن الأوان لرفض المـذاهب الاقتصادية الغربية ودعم الصناعة التركية.

المحرر الاقتصادي لموقع أحوال تركي

10