أردوغان يضع تركيا في قبضة صندوق النقد الدولي

الرئيس التركي يتجه لفرض إجراءات مالية قمعية، واتساع المخاوف من خضوع الاقتصاد لشروط إنقاذ قاسية.
الثلاثاء 2018/07/31
الاقتصاد التركي في منحدر خطير

شيرزان أومت

يحاول حزب العدالة والتنمية في تركيا تصوير فوزه في الانتخابات والذي نقل البلاد إلى النظام الرئاسي ووضع مستقبل البلاد في قبضة الرئيس رجب طيب أردوغان على أنه إثبات لصحة الرؤية الاقتصادية للحزب الذي يحكم البلاد منذ 16 عاما.

لكن الواقع يشير إلى أن الاقتصاد على شفا أزمة حادة بسبب عجز الموازنة والميزان التجاري في ظل مستويات أسعار الفائدة والتضخم المرتفعة والتي تنذر بسقوط الاقتصاد في حفرة الركود التضخمي.

ويرى سيزاي تيميلي، الخبير الاقتصادي والرئيس المشترك لحزب الشعوب الديمقراطي المعارض المؤيد للأكراد، أن أردوغان يريد أن يدير كل شيء ويتخذ كل القرارات بمساعدة صهره وزير الخزانة والمالية الجديد بيرات البيرق. ويؤكد خطورة الوضع وضرورة تحليل الظروف الراهنة جيدا لحل المشكلات الاقتصادية، لكنه يرى أن أردوغان لا يملك المواصفات المطلوبة لتلك المهمة ويصر على أن يرى اقتصادا يتوافق مع رغباته الخاصة.

ويقول تيميلي إن أردوغان ناقض رؤية معظم الخبراء الاقتصاديين وأصر على الدعوة باستمرار إلى خفض أسعار الفائدة رغم انحدار قيمة الليرة وارتفاع التضخم، وأن عناده لم يسفر سوى عن تفاقم تلك المشكلات.

ووجه حزب العدالة والتنمية أموالا هائلة إلى قطاع الإنشاء من خلال مشروعات عامة ضخمة، لكن تيميلي يرى أن “النتيجة النهائية كانت اقتصادا مغطى بالخرسانة، وسيكون من المستحيل انتشاله من أزماته الخانقة”.

ويجمع المحللون على أن حزب العدالة والتنمية أسس إدارته على ذلك النظام الاقتصادي وأنه غير قادر على تغيير سياساته. ويرى تيميلي أن الشرط الأول لتغيير تلك الهياكل القائمة هو السيطرة على الميزانية، والتي انتزعها أردوغان من البرلمان بموجب النظام الرئاسي الجديد.

سيزاي تيميلي: أردوغان استحوذ على صلاحيات غير مسبوقة في التحكم بالمؤسسات
سيزاي تيميلي: أردوغان استحوذ على صلاحيات غير مسبوقة في التحكم بالمؤسسات

وقال إن “الاستيلاء على حق الشعب في تحديد الميزانية يمنع الدولة من إدارة مواردها” وأن أردوغان أصدر منذ بدء ولايته الجديدة كرئيس مطلق الصلاحيات سلسلة من المراسيم تمنحه صلاحيات غير مسبوقة في التحكم بمؤسسات البلاد الاقتصادية.

وأكد أن البنك المركزي يجب أن يكون مستقلا لكي يكون فعالا، لكنه لم يعد مستقلا ولا يملك السلطة للقيام بمبادرة على مستوى المؤسسات.

وبدأ أردوغان منذ عام 2013 بانتقاد أسعار الفائدة المرتفعة، التي يقول إنها تخرب اقتصاد تركيا، لكن البنك المركزي اضطر لمضاعفة أسعار الفائدة 4 مرات إلى 17.75 بالمئة خلافا لرغبات الرئيس.

ويقول تيميلي إن سبب اختلال توازن الاقتصاد التركي هو استغلال الحكومة وأصدقائها لموارد البلاد من خلال مشروعات إنشاء عملاقة مثل المطار الثالث العملاق ومشروع القناة المقترح في إسطنبول.

ويرى أن الاقتصاد يتجه صوب حلقة جديدة من الارتفاعات في أسعار الفائدة بسبب خسائر الليرة في ظل ترجيح نضوب الاستثمارات الأجنبية بسبب المخاطر العالية المرتبطة بالوضع السياسي في البلاد. ورجح أن يقتصر الاستثمار الأجنبي على “أموال المضاربة” وهي استثمارات قصيرة الأجل تهدف إلى تحقيق أقصى استفادة من أسعار الفائدة المرتفعة في تركيا.

ويتوقع تيميلي أن يتجاوز الدولار حاجز 5 ليرات قبل موعد الانتخابات المحلية في 2019 وأن تصل أسعار الفائدة إلى 25 بالمئة. وأكد أنه ما لم يحدث في الانتخابات المحلية تطور يزيل المخاطر السياسية، فسوف يستمر ارتفاع التضخم وأسعار الفائدة.

وأضاف أن مثل هذا التطور لا يمكن أن يأتي إلا من خلال الديمقراطية ومعارضة شعبية قوية لإدارة حزب العدالة والتنمية، وبعكس ذلك “سيدخل الاقتصاد في حلقة مفرغة وينهار”.

وذكر تيميلي أن شبح الانهيار يطل برأسه بالفعل في بنوك البلاد. وقال إن نسبة الدين المحفوف بالمخاطر المستحق لأغلبية البنوك التركية تقترب أو تتجاوز 4 بالمئة وهو رقم يدق أجراس الخطر.

وقال إن “الشركات والبنوك التي تقرضها تتحمل ديونا كبيرة. فقد حصلت البنوك على قروض من الخارج وقدمت تلك الديون بدورها إلى مقترضين محليين استخدموها للاستثمار في شركات الإنشاء والطاقة”.

وحذر من أنه إذا تداعت تلك القطاعات وعجزت الشركات عن سداد قروضها، فإن البنوك ستواجه وضعا لا يمكنها فيه السداد للدائنين الأجانب في الوقت الذي تتحمل فيه بالفعل ديونا كثيرة بدرجة لا تسمح لها باقتراض المزيد للسداد، مما سيؤدي إلى انهيارها.

في ظل تلك الظروف، سوف تضطر تركيا على الأرجح للجوء إلى صندوق النقد الدولي من أجل الإنقاذ، لكن الحكومة ستحاول تأجيل أي خطوات إلى ما بعد الانتخابات.

وقال تيميلي “إذا تمكنت الحكومة من الصمود حتى الانتخابات المحلية، فعندئذ، على حسب النتائج سوف يطبقون إجراءات تقشف شديدة وإصلاحات هيكلية. وهذا ينطوي على تكاليف باهظة، ستحتاج على الأرجح إلى نظام قمعي للغاية لتطبيقها”.

وأكد أنه إذا لم يصمد الوضع حتى الانتخابات، فسوف تجد الحكومة نفسها مضطرة لاتخاذ إجراءات سريعة مع صندوق النقد الدولي لتعزيز الاقتصاد. وحذر من أن الشروط التي سيفرضها الصندوق هذه المرة ستكون أشد قسوة من تلك التي فرضت في الأزمتين السابقتين في 1994 و2001.

10