أردوغان يطلق النار على قدميه

الاثنين 2013/12/23
الغضب الشعبي يتصاعد ضد اردوغان بسبب تغير مسار الدولة العلمانية

اسطنبول- كانت المفاجأة الأكبر في تاريخ الجمهورية التركية، أن تُشن حملة ضد الفساد تطال الحكومة قبل الانتخابات بثلاثة أشهر، فقد قامت الشرطة التركية بحملة اعتقالات واسعة ضد أشخاص متهمين بقضايا مخالفات مالية في المناقصات ومنح العقود الحكومية، وغسل الأموال وتوزيع الأراضي، وتهريب الذهب إلى إيران.

وطالت الاتهامات مسؤولين كبارا في حكومة أردوغان من بينهم ثلاثة وزراء في الحكومة، ورئيس بنك “خلق” الحكومي التركي، وأبناء أربعة وزراء والعديد من رجال الأعمال وأدت إلى إقالة ضباط كبار في الداخلية التركية.

هذه الحملة لن تكون لها فقط تداعيات على شعبية حزب العدالة والتنمية بل كشفت أيضا عن نقاط ضعف ضخمة في الأمن القومي التركي، فأن تجري عمليات فساد ورشى على هذا المستوى ومن ثم تقوم الشرطة بعملية بهذه الضخامة ودون علم وزير الداخلية (الذي تم اعتقال ابنه في الحملة) أو رئيس الوزراء أو رئيس الجمهورية ورئيس جهاز الاستخبارات، فهذا أمر يضع الأمن القومي التركي برمته على طاولة المساءلة.

وبعيدا عن نظريات المؤامرة التي بدأ الإعلام التركي الموالي للحكومة بترويجها محاولة للتغطية على الفضيحة باتهام دوائر خارجية مثل الولايات المتحدة وإسرائيل أو دوائر داخلية كجماعة نور الإسلامية بقيادة فتح الله كولن، فإن الحقيقة الأهم أن ثلاثة وزراء في الحكومة وأبناء أربعة وزراء آخرين إضافة إلى مدير أكبر البنوك الحكومية قد تم تجنيدهم لمساعدة إيران في تخفيف وطأة الحصار.

وتشير التسريبات إلى أن رجل أعمال إيرانيا يدعى رضا زراب أو رضا صراف كان يدير الأمور سواء في تركيا أوخارجها (الصين، غانا، الإمارات العربية المتحدة، وإيطاليا) باستخدام سلطات حكومية تركية وبنك “خلق” التركي الحكومي، في ما يعد اختراقا هاما للأمن القومي التركي.

ومن ناحية أخرى، فإن “فضيحة الفساد” ستدمر أهم الشعارات التي يتشدق بها الحزب منذ استلامه للسلطة وهي أن حكومته خالية من الفساد، وأن الوزراء المتهمين قد أساؤوا لزملائهم في الحكومة وألحقوا ضررا لا يمكن إصلاحه بسمعة المعركة الأهم للحزب كما يدعي وهي معركته ضد الفساد، مما سيلقي بظلال طويلة الأمد على نواب الحزب بل ستستمر هذه الفضيحة بملاحقته في كل النقاشات السياسية في المستقبل.

ومن المتوقع أن تؤثر هذه الفضيحة بشكل كبير على نسبة أصوات حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المحلية المقبلة، كما الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

وعادت الحكومة التركية إلى استخدام الاستراتيجيات الثلاث التي عهدتها في أزمات سابقة كما في أحداث حديقة غيزي.

أولا: كعادتها لم تواجه أي أزمة تعرضت لها إلا على الطريقة الشرق الأوسطية، من قبيل مؤامرات، طابورخامس، عملاء داخليين، حلقات داخلية وخارجية وما إلى ذلك.

فما كادت تتكشف في الإعلام حتى خرج رئيس الحكومة، رجب طيب أردوغان، واصفا الحملة بأنها “عملية قذرة” تهدف إلى تشويه سمعة حكومته وعرقلة التقدم في البلاد، ولا سيما أنها تأتي قبل أشهر فقط من الانتخابات المحلية، مستعيدا نظرية المؤامرة مرة أخرى واصفا الذين يقفون وراء التحقيقات بأنهم كانوا يحاولون تشكيل “دولة داخل الدولة”، في إشارة واضحة لما يطلق عليه”حركة الخدمة” أو “جماعة النور الصوفية” التي يقودها فتح الله كولن من منفاه في أميركا.

ثانيا: قامت الحكومة بتشغيل الماكينة الإعلامية الموالية لها لتقوم بحبك نظرية المؤامرة تلك أثناء أحداث “حديقة غيزي”، لتبدأ الاتهامات كما في أي دولة من “دول الممانعة” تكال لأميركا وإسرائيل، مدعيةً أن الأخيرتين تريدان إعاقة تقدم وتطور تركيا وتحاولان إسقاط حكومة أردوغان التي وقفت في وجه إسرائيل بعد أن أرسلت سفينة مرمرة لفك الحصار عن غزة، ووقفت في وجه “الانقلاب” العسكري الذي حصل في مصر، و أن تركيا هي الدولة الشرق الأوسطية الوحيدة التي تنمو بمعدلات عالية ويحكمها الإسلاميون.

وقد هزت هذه الفضيحة كيان الحكومة التي قامت بإعادة هيكلة واسعة لوزارة الداخلية وذلك بتنحية أكثر من ثلاثة وستين ضابطاً عن وظائفهم في كبريات الشُعب في كل من مديريات أمن أنقرة واسطنبول.

كما تمت تنحية المدير العام لشبكة التلفزيون والراديو التركية والذي كان في وقت سابق المديرالعام لتلفزيون مقرب من الجماعة، في ضربة واضحة لجماعة نور الصوفية التي وفي سابقة قام شيخها فتح الله كولان خلال أحد الاجتماعات الدينية بالدعاء بشكل موارب على الحكومة قائلا:" فليحرق الله بيوت أولئك الذين ينسون السارقين ويلاحقون من يقوم بمطاردتهم وليدمر بيوتهم وليفرق شملهم" في إشارة واضحة لانزعاج قائد الجماعة ذات النفوذ العالي من التنحيات التي أصدرتها الحكومة بحق ضباط وزراة الداخلية حيث كانت تشكل الجماعة في وقت سابق أكبر القوى المؤيدة للحزب الحاكم.

وفي النهاية، يبدو أن الفضيحة كانت من القوة بأنها أفقدت رجب طيب أردوغان توازنه، بل وثقته بالمقربين منه لتصبح استراتيجياته المعهودة متخبطة وغير فعالة هذه المرة خاصة وأن العدو ليس العسكر أو اللأتاتوركيين أوالمتمردين الأكراد بل حليف داخلي رئيس مثل جماعة نور وحليف خارجي مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمستهدف على مايبدو هذه المرة هو رأسه، لتبدو الآن كل تحركاته كمن يطلق النار على قدميه.

1