أردوغان يطمح لنظام على الطراز البوتيني.. رئيس مستبد منتخب

الجمعة 2015/10/09
تحكم أردوغان الحديدي في الإعلام مفتاح فهم استراتيجية “فرق تسد” التي يتبعها

أنقرة - يرجع معهد دراسات أميركي الوضع المتشنّج في تركيا إلى الطموحات الرئاسوية لرجب طيب أردوغان، التي جرّت البلاد إلى التخلي عن سياسة صفر مشاكل مع البلاد أدخلتها في صراعات داخلية وخارجية.

ويشير معهد “ريثينك”، الذي يتخذ من واشنطن دي سي مقرا له، إلى أن أردوغان قاد حملة بعزم شديد لترسيخ نظام رئاسي بحكم الواقع حيث تمتلئ المحاكم والوظائف الحكومية بأصحاب الولاء المستعدين للاضطلاع بدور المعارضة السياسية والاجتماعية والإعلام والمجتمع.
وعلى ما يبدو أن ما يرنو أردوغان لتحقيقه هو نظام على طراز بوتين، يكون فيه الرئيس حاكما مستبدا منتخبا يملك سلطة تنفيذية غير مقيدة.

ويقول المعهد إن تركيا تعيش اضطرابا شديدا منذ احتجاجات تقسيم في سنة 2013. وكانت نتائج الانتخابات العامة بتاريخ السابع من يونيو 2015 أول هزيمة انتخابية لحزب العدالة والتنمية الذي خسر الأغلبية في البرلمان وأصبح غير قادر على تشكيل حكومة حزب واحد.

وعلّق العديد من السياسيين الأتراك، بما في ذلك مسؤولون رفيعي المستوى من حزب العدالة والتنمية، بأن الهزيمة الانتخابية للحزب كانت علامة على انشقاق شعبي ضد طموحات أردوغان. وبالرغم من الهزيمة في الانتخابات ليس هناك دليل على أن الرئيس التركي تخلّى عن طموحاته، إذ سارع بعد الانتخابات مباشرة إلى التشكيك في الحكومات الائتلافية المحتملة والدفع باتجاه انتخابات مبكرة، سماها بسخرية “انتخابات الإعادة”.

وفي الوقت الذي تجد تركيا نفسها على أهبة تنظيم رابع انتخابات خلال سنتين، وصلت السياسة الخلافية التي ينتهجها أردوغان إلى أعلى مستوى، حيث يستهدف بلا هوادة الأقليات السياسية والدينية والإثنية، وتتميز بمثل هذه الحملات مختلف وسائل الإعلام الموالية لأردوغان وتتم مكافأة مالكيها ماليا عبر العقود الحكومية. وفي الحقيقة يمثل تحكم أردوغان الحديدي في الإعلام مفتاح فهم استراتيجية “فرق تسد” التي يتبعها، إذ تتعرض وسائل الإعلام التركية السائدة إلى الهجومات مما أجبرها على تسريح أكثر من ألف صحفي منذ التحقيقات في الفساد (17 ديسمبر 2013). ويذكر أن آخر تقرير لمؤسسة فريدم هاوس يصنف تركيا على أنها “غير حرة”. ونتيجة لسياسة التفرقة نجد أن المجتمع التركي أكثر استقطابا سياسيا من أي وقت مضى.

وما يميز أردوغان (عن بوتين مثلا) هو منصبه باعتباره الزعيم القوي لبلد مسلم قوي، وهذا الأمر يجعل خطابه وأفعاله ذات أهمية في منطقة الشرق الأوسط التي أصبحت أكثر طائفية من أي وقت مضى في التاريخ الحديث. وقد ألقت حملة أردوغان ضد حزب العمال الكردستاني وفروعه في شمال سوريا بظلالها على المعركة التي تشنها تركيا ضد تنظيم داعش جنبا إلى جنب مع الولايات المتحدة. وبالرغم من محاولات أردوغان الحصول على الشرعية الدولية لم يعد لاستهداف داعش أي مردود سياسي داخلي مهم له ولحزبه. ومن ثمة كانت نتيجة صفقة إنجرليك حرب تركيا غير المتحمسة ضد داعش وهجومات بكامل القوة ضد معسكرات حزب العمال.

البيت الأبيض يختار المكاسب قصيرة المدى عوضا عن رسم استراتيجية شاملة تجاه تركيا وتصرفات أردوغان

ويثير اندلاع الصراع مؤخرا بين حزب العمال الكردستاني وقوات الأمن التركية عدة أسئلة تتعلق بتوقيته وتصعيده السريع. وتسبب القصف بالقنابل في مدينة سروج في 22 يوليو 2015 (التي قتل فيها 30 ناشطا كرديا) في هجمات من حزب العمال وردات فعل من قوات الأمن التركية. وحتى قبل هجمات سروج كان أردوغان يستهدف حزب الشعوب الديمقراطي، وقد كان هذا الحزب قد تجاوز النسبة الانتخابية الدنيا لأول مرة وربح ثمانين مقعدا في البرلمان، وهو ما أفقد حزب العدالة والتنمية بالفعل أغلبيته في البرلمان.

ويعزو أغلب الملاحظين الجولة الأخيرة من الصراع والعنف التي أيقظت خط الصدع الكردي التركي الكامن، إلى استراتيجية أردوغان الانتخابية، فبعد أن خسر الأصوات الكردية المحافظة لتذهب إلى حزب الشعوب الديمقراطي في انتخابات السابع من يونيو عمد كل من أردوغان وحزب العدالة والتنمية إلى الخلط المتعمد والممنهج بين حزب الشعوب وحزب العمال الكردستاني المتمرد من أجل كسب الأصوات القومية. ووجدت هذه الحملة صدى لدى القوات المسلحة الكردية التي تم تحييدها خلال وقف إطلاق النار وكان شعورها بالإحباط جراء المكاسب الكردية في سوريا يزداد شيئا فشيئا.

وتتباين ردود فعل المجتمع الدولي من التطورات في تركيا إذ كانت هناك بالتأكيد صيحة في وسائل الإعلام الدولية ضد سلسلة من الانتهاكات لحقوق الإنسان وتراجع الحريات في تركيا وذلك بنقل أخبار الصحفيين المعتقلين ومنظمات المجتمع المدني ومجتمع الأعمال التي تتعرض لمداهمات قوات الأمن. كما يفعل الاتحاد الأوروبي ما في وسعه لنشر تحذيرات دورية عن الأعمال غير الديمقراطية التي تقوم بها الحكومة، لكن تأثيره أصبح محدودا الآن بما أن حكومة حزب العدالة والتنمية لم تعد مهتمة بمسار العضوية في الاتحاد.

كما تتميز ردود الفعل الأميركية بالتباين أيضا حتى أنها فشلت في إيصال رسالة متناغمة. فمن ناحية عبر الكونغرس الأميركي عن نقد شديد اللهجة لاعتداء الحكومة التركية على الإعلام والمجتمع المدني، ومن ناحية أخرى تبدو الإدارة الأميركية أكثر تحفظا في إثارة مسائل تخص الأخطاء التي ترتكبها تركيا، وقد تكون المفاوضات حول استخدام القواعد الجوية التركية، بما في ذلك قاعدة إنجرليك في الحرب ضد داعش، أثرت في موقف واشنطن تجاه تركيا. ويبدو أن البيت الأبيض قد اختار المكاسب قصيرة المدى عوضا عن رسم استراتيجية شاملة تجاه تركيا وتصرفات أردوغان المثيرة للجدل.

ويخلص المعهد الأميركي إلى أن لهفة أردوغان على انتخابات نوفمبر لا تدعمها استطلاعات الرأي الأخيرة التي لم تجد أي تغيير يذكر في اختيارات الناخبين. وإذا ظهرت تركيبة برلمانية مماثلة للتركيبة الحالية في انتخابات نوفمبر، سيكون على أردوغان وحزب العدالة والتنمية اللجوء إلى تحالفات شيطانية للبقاء في السلطة، وهذا بدوره ربما يسبب المزيد من الاستقطاب وعدم الاستقرار لتركيا.

7