أردوغان يغامر بمصالح تركيا الاقتصادية في المنطقة العربية

يجمع المراقبون على أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يخوض مغامرة خطرة تهدد بقطع شرايين حياة الاقتصاد التركي بسبب دفاعه المستميت عن جماعات الإسلام السياسي وخاصة الإخوان المسلمين. وأكدوا أن مواقفه السافرة في الوقوف إلى جانب قطر قد تفقد تركيا الكثير من المصالح مع أكبر الاقتصادات العربية.
السبت 2017/06/17
طموحات أردوغان تسحق مصالح الاقتصاد التركي

لندن – اتسع الثمن الذي يمكن أن يدفعه الاقتصاد التركي بسبب موقف الحكومة التركية من المقاطعة التي فرضتها السعودية والإمارات ومصر والبحرين على قطر، في وقت تعاني فيه تركيا من مصاعب اقتصادية كبيرة منذ محاولة الانقلاب في منتصف العام الماضي.

واتخذ الرئيس التركي مواقف صارمة في الدفاع عن قطر وصلت إلى ما يشبه إعلان الحرب مع الدول المقاطعة، حين أقر البرلمان الذي يسيطر عليه حزب العدالة والتنمية، إمكانية إرسال قوات إلى قطر، رغم أن السعودية والإمارات لم تلوحا بأي تهديد للدوحة.

ويرى محللون أن اعتماد أردوغان أولوية الدفاع عن جماعة الإخوان المسلمين يمكن أن يقوض مصالح تركيا الاقتصادية، بعد أن عكر علاقاتها مع أكبر الاقتصادات العربية والكثير من دول العالم.

وتملك تركيا مصالح اقتصادية واسعة في أكبر الأسواق العربية وخاصة دول الخليج، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بينها وبين دول مجلس التعاون الخليجي نحو 20 مليار دولار في العام الماضي في وقت تنفذ فيه الشركات التركية مشروعات في تلك الدول تصل قيمتها إلى 40 مليار دولار.

وتستأثر السعودية والإمارات بمعظم التبادل التجاري ومشاريع الشركات التركية في دول الخليج. وكانت العلاقات بين الجانبين تتجه لانتعاش كبير قبل مواقف أردوغان غير الدبلوماسية في الأزمة القطرية.

40 مليار دولار قيمة المشروعات التي تنفذها الشركات التركية في الخليج معظمها في السعودية والإمارات

كما تدفقت مليارات الدولارات من الاستثمارات الخليجية إلى جميع قطاعات الاقتصاد التركي خلال السنوات الماضية. وهي تبدو مرشحة اليوم للرحيل عن البلاد بعد تراجع الثقة بالاقتصاد التركي بسبب سياسات أردوغان.

ويرى اقتصاديون أن دول الخليج كانت تمثل طوق نجاة للاقتصاد التركي بعد المصاعب الكبيرة التي واجهها بسبب الاضطرابات الأمنية والسياسية وحملة الاجتثاث الواسعة التي نفذتها السلطات التركية منذ محاولة الانقلاب، والتي أثرت على علاقاتها بالكثير من دول العالم وخاصة الاتحاد الأوروبي.

وتشير التقديرات إلى أن الإمارات تستأثر بنحو نصف التبادل التجاري بين تركيا والدول الخليجية حيث تجري إعادة تصدير الكثير من البضائع التركية من خلال الإمارات إلى أنحاء العالم، إضافة إلى المشاريع الكثيرة التي تنفذها الشركات التركية في الإمارات.

وكانت دول الخليج تتجه لتعزيز علاقاتها مع تركيا قبل الأزمة القطرية. وقد بدأ الجانبان بالتفاوض لإبرام اتفاقية للتجارة الحرة، قبل أن يكشف أردوغان عن مواقفه التي أزعجت الرياض وأبوظبي.

وانعقد في نوفمبر الماضي منتدى الاستثمار الخليجي التركي في العاصمة البحرينية المنامة وسط أجواء تفاؤل بالانتقال إلى علاقات اقتصادية راسخة ومستدامة.

واقترح المشاركون في المنتدى حينها عددا من الأفكار والاقتراحات لتطوير الشراكة بين الجانبين، من بينها إنشاء شركة قابضة تركية خليجية لدراسة الفرص الاستثمارية بين الجانبين.

20 مليار دولار حجم التبادل التجاري بين تركيا ودول الخليج العام الماضي وتستأثر الإمارات بأكثر من نصفه

ويقول محللون إن مواقف أردوغان تكشف أن أنقرة تخشى أن تكون الهدف المقبل للحملة العالمية لتجفيف منابع تمويل الإرهاب بسبب ارتباطها بمعظم جماعات الإسلام السياسي في العالم والمدرجة على قائمة المنظمات الإرهابية. ويكاد يكون ارتباط أنقرة بتلك الجماعة محور متاعب تركيا الاقتصادية منذ عام 2011 بعد أن شهدت تركيا سنوات من الازدهار الاقتصادي.

وبدأ التخبط التركي بالتزامن مع بدء فقدان أنقرة للحلفاء الاقتصاديين في المنطقة، بعد أن كشفت الثورات العربية طموحات أردوغان السياسية وحماسه المفرط لحلفائه من أحزاب الإسلام السياسي وخاصة جماعة الإخوان المسلمين. وأدى تراجع مصداقية الإخوان المسلمين في معظم الدول العربية وظهور أنياب أردوغان بعد أحداث ليبيا ومصر وتونس وسوريا، إلى ابتعاد معظم الدول العربية عن حكومة أردوغان. وتم إلغاء عدد من العقود والاستثمارات الكبيرة مثلما فعلت الإمارات في عقود مشاريع الطاقة التي كانت تعتزم تنفيذها في تركيا.

وابتعدت القاهرة عن أنقرة منذ الإطاحة بحكومة الإخوان المسلمين، إضافة إلى فقدان تركيا للسوق السوري وشريانه الحيوي الذي تمر عبره البضائع التركية الى الكثير من أسواق المنطقة وتدهور علاقاتها مع العراق.

وتعمقت أزمات تركيا الاقتصادية منذ تفجر فضائح الفساد المرتبطة بالحلقة الضيقة المحيطة بالرئيس أردوغان قبل 3 سنوات. ويكشف فقـدان الليرة التـركية لأكثـر من نصـف قيمتها منـذ ذلك الحين حجم الخسائر التي تكبدها الاقتصاد التركي. وتبدو أنقرة اليوم في حفرة عميقة بسبب ارتفـاع الديـون وتزايد حالات التخلف عن سداد التزاماتها المالية. ولم يعد أمامها سـوى الاقتراض بأسعار فائدة باهظة في ظل تراجع الثقة بالاقتصاد التركي وتواصل نزوح المستثمرين عن البلاد.

خطورة سياسات أردوغان لم تعد تقتصر على الاقتصاد التركي بعد قمعه للاحتجاجات وترويضه لجميع المؤسسات الاقتصادية والتعليمية وصولا إلى القضاء والجيش.

وأصبح العالم يراقب بقلق صعود دكتاتورية جديدة لا تكترث بمصالح البلاد الاقتصادية التي تراجعت أمام مصالح حزب العدالة والتنمية وجماعات الإخوان المسلمين المتهمة بالإرهاب.

11