أردوغان يغرق تركيا في أوحال إمبراطوريته الواهية

الجمعة 2014/05/02
الأتراك مازالوا متمسكين بالقيم التي أورثها أتاتورك

أنقرة- بعد فوزهم في الانتخابات البلدية مؤخرا في تركيا، ظن ساسة حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم، أنهم نجحوا في تجاوز عاصفة شعبية كانت تهدد باقتلاعهم من الحكم على غرار أسلافهم في تونس ومصر.

لا يزال خطر انهيار الإمبراطورية الأردوغانية في تركيا قائما و يؤرق إسلامييها، وعلى رأسهم رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، بسبب ما تشهده البلاد من جدالات متواصلة واضطرابات سياسية مستمرة، إضافة إلى تحديات داخلية خطيرة تتعلق بالحريات المدنية واستقلال القضاء وفضائح الفساد الجارية.

ويجمع العديد من الخبراء المتتبعين للشأن التركي، على أن فوز أردوغان في الانتخابات البلدية لا يعني ارتفاع شعبيته لدى الرأي العام في تركيا، خاصة في ظل تقارير أكدت حدوث عمليات تزوير في الكثير من المراكز الانتخابية، ويعتبر التحدي الحقيقي لتلك الشعبية، حسب هؤلاء، في الانتخابات الرئاسية، والتي ستحدد مصير الإسلاميين في حزب العدالة و التنمية، الذي أحكم قبضته على البلاد منذ 12 عاما.

تحاول تركيا بوجهها الإخواني السيطرة على كافة مفاصل الدولة وإبعاد المنافسين وكل من يحاول إزاحة الحكومة الإخوانية ولو بالعملية الديمقراطية، إذ يسعى رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إلى ملاحقة المعارضة والتضييق عليها، كما السيطرة على جهاز المخابرات والقضاء والشرطة، وتقييد الإنترنت بما في ذلك مواقع التواصل الاجتماعي واليوتيوب، وفق ما جاء في دراسة تحليلية عن مركز المزماة للدراسات والبحوث.

وقد وجد أردوغان في معارضيه مجالا كبيرا لانتقاد سلطته وإظهار مكامن الفساد في دولته، فبدأ حملة استهدفت إقصاءهم، والتخلص من خصوم يهددون مستقبل الدولة في تركيا وفق ما يروجه حزب العدالة و التنمية الحاكم.


إمبراطورية موازية

جين باساكي: نرحب بالاعتراف التاريخي لرئيس الوزراء التركي أردوغان بمعاناة الأرمن


راجت مؤخرا، وتزامنا مع فضائح الفساد التي اهتزت لها حكومة أردوغان، تقارير تشير إلى الدور الخفي الذي لعبه فتح الله كولن رجل الدين المقيم في الولايات المتحدة الأميركية وأبرز خصوم أردوغان، من خلال إمبراطوريته الغامضة التي تزاحم مثيلتها الأردوغــانية، والمتــغلغلة عبر شبــكة واسعة فــي هـــياكل الدولة، في كشف حقائق الــفساد الذي يحيط بوزراء أردوغان والمقربين منه.

ووفقا لمجلة “فورين بوليسي” الأميركية، فقد أشارت تقارير سرية عن مدى تغلغل إمبراطورية كولن، واختراقها لهيكل الدولة التركي، مما وضع حكومة أردوغان أمام تهديد كبير، ليدخل مع كولن في حرب شرسة قضائية ويطالب الولايات المتحدة بتسليمه لتركيا كمتهم بزعزعة الاستقرار فيها.

وأوضحت المجلة أن هذا ليس التحدي الأول بين حركة كولن وحزب العدالة والتنمية، فحركة كولن تزعم مرارا وتكرارا أنها لا علاقة لها بالسياسة، لكن لا يخفى على الجميع أن أتباع كولن يسيطرون بشكل لا يضاهى على جهاز الشرطة فى البلاد، وقد شهد عام 2005 شعور أتباع كولن بخيبة أمل حيال “العدالة والتنمية” بعد أكثر من عامين من فوز الحزب بالانتخابات، وهو ما تبعه تحقيق في قضية فساد أثارتها الشرطة ضد مسؤولي حزب العدالة والتنمية.

وقد تدخلت حكومة أردوغان آنذاك وقامت بنقل رئيس مكتب الجريمة المنظمة بجهاز الشرطة التركي إلى أحد الأقاليم، مما تسبب في توقف التحقيقات في القضية. وعندما عادت الكرة وفتحت الشرطة تحقيقات بشأن مسؤولين بحزب أردوغان مجددا، عاد أردوغان لعام 2005 واتخذ نفس الخطوات، حيث بدأت الحكومة في نقل وإقالة المسؤولين عن التحقيق في قضية الفساد.

وتنقل المجلة عن وثائق أميركية مسربة، أن إجمالي عدد أتباع الحركة يتراوح ما بين مليونين وخمسة ملايين، ويتولى عدد ليس بالقليل منهم مناصب بجهازي الشرطة والقضاء، وإضافة إلى ذلك، لدى عدد كبير من أتباع الحركة استثمارات قوية للغاية في تركيا، وقد ساعدهم ذلك على تأسيس شبكة علمية وعدد من المدارس، ويتبنى طلاب مدارس كولن نفس أفكاره وتعاليمه، وهو ما يساعد على نشر منهج الحركة في تركيا والعديد من بلدان العالم، وإنشاء إمبراطورية هادئة لكنها قوية استثماريا وإعلاميا وتعليميا.

وأرجعت المجلة الأميركية هذا الإطار من التعتيم والسرية الذي يحيط بالحركة إلى الحذر الذي اكتسبته من فترة اضطهادها من قبل السلطة العلمانية في تسعينات القرن الماضي.


بين كولن وأردوغان

يواخيم غاوك: أردوغان ينتهك حرية الصحافة بحجبه مواقع التواصل الاجتماعي


مثل التهديد الذي يشكله كولن خطرا حقيقيا استشعره رئيس حزب العدالة و التنمية، وهو ما دفعه إلى التقرب من الولايات المتحدة والغرب في محاولة لاستمالتهم إلى جانبه في معركته مع كولن، خاصة في ظل عزلة إقليمية تحيط بتركيا، وانتقاد غربي طال سياساتها الداخلية والخارجية، وهو ما عبر عنه يواخيم غاوك الرئيس الألماني الذي انتقد طريقة أردوغان في القيادة خلال زيارته لتركيا، وحذر من تقييد حرية التعبير، التي يعتمدها كوسيلة لقمع المتظاهرين ضد الحكومة.

وبعد رفض الاعتراف بالمجزرة التي وقعت بحق الأرمن في عهد الإمبراطورية العثمانية، اعترف أردوغان على استحياء بمذبحة الأرمن التي نفذها العثمانيون عام 1915، و في المقابل رحبت الولايات المتحدة ببيان رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان حول معاناة الأرمن خلال الإمبراطورية العثمانية وأبدت أملها في أن يؤدي ذلك إلى المساعدة في تحقيق المصالحة بين الأتراك والأرمن. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية جين ساكي: “نرحب بالاعتراف التاريخي لرئيس الوزراء أردوغان بمعاناة الأرمن عام 1915″.

ولضمان علاقة مقربة أكثر من الغرب سعت تركيا إلى عودة العلاقات الدبلوماسية والسياسية مع إسرئيل، بعد أن تحدثت مصادر عن قرب توقيع اتفاق مصالحة وتطبيع العلاقات بين الجانبين، وهو ما ذكره رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في مقابلة مع محطة (بي.بي.إس) الأميركية بأن اتفاقا لتطبيع العلاقات بين أنقرة وتل أبيب أصبح قريبا ويمكن توقعه في غضون عشرة أيام.

الخطوات التي يقوم بها أردوغان لكسب ود الغرب من جديد، تأتي بعد العزلة المحوطة بتركيا وفشلها في التقرب سياسيا من الدول المؤثرة في الشرق الأوسط بسبب سياستها المؤيدة لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، وتدخلها المستمر في شؤون العراق، ودعم المجموعات المسلحة التي تمر عبر الحدود بسهولة إلى سوريا.

فقد تلقى أردوغان، حسب مراقبين، ضربات كبيرة داخلية وخارجية إقليمية، بدأت منذ أن اندلعت احتجاجات شعبية لم يتوقعها في ربيع العام الماضي، ولم تمض أسابيع على اندلاع تلك الاحتجاجات حتى فوجئ بسقوط سلطة جماعة الإخوان في مصر عبر انتفاضة 30 يونيو، وبالتالي انهيار حلمه بإقامة تكتل إسلامي سياســي بقيادته يمتد من شمال أفريقيا إلى وســط آسيا، لتــأتي فضائح الفساد التي تورط فيها عدد من رجــاله في ديسمبر الماضـــي بمــثابة الضــربة الأكــثر إيلاما لرئيس الــوزراء.

إلا أن المؤشرات السياسية ترجح أن أردوغان كما فشل سابقا في إظهار نفسه زعيما إسلاميا ذا نفوذ إقليمي، سيفشل مجددا في محاولته شد انتباه الغرب إليه كما يفعل الآن، في ظل فترة حرجة تهدد بزوال إمبراطوريته السياسية بعد سلسلة الفضائح التي هزت تركيا والتي كان أبطالها وزراء بارزون من حكومته.

ويشير مركز المزماة إلى أن أردوغان يواجه اتهامات بتبني نهج مستبد على نحو متزايد في رده على تحقيق الفساد، وشمل ذلك إبعاد الآلاف من ضباط الشرطة ومئات القضاة وممثلي الادعاء، علاوة على حظر موقع تويتر لمدة أسبوعين وتوسيع سلطات جهاز المخابرات، وكلها مؤشرات على خوف الإسلاميين في حزب العدالة والتنمية من تغلغل نفوذ اتباع كولن داخل المؤسسات الحيوية في الدولة، وتنامي الغضب الشعبي ضد الحكومة، الذي يهدد إمبراطورية أردوغان بالزوال بعد 12 عاما من الحكم في تركيا.

6